21

0

من قلب الصحراء.. المنيعة تراهن على الحبوب لكسب معركة الأمن الغذائي

الجنوب الزراعي يدخل مرحلة الإنتاج الكبير وسط تعبئة لوجستية غير مسبوقة لإنجاح موسم الحصاد

الهوصاوي لحسن

لم تعد ولايات الجنوب الجزائري مجرد فضاءات جغرافية مفتوحة على مشاريع الاستصلاح الفلاحي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور أساسي في الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، خاصة في شعبة الحبوب التي تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الجزائر.

وفي هذا السياق، تبرز ولاية كواحدة من أهم الأقطاب الزراعية الصاعدة، وهي تستعد للدخول في موسم حصاد يوصف بأنه من بين أكثر المواسم أهمية من حيث حجم الرهانات والإمكانات المسخرة.

ومع اقتراب إعطاء إشارة الانطلاق الرسمية لحملة الحصاد والدرس للموسم الفلاحي 2025-2026، تعيش الولاية على وقع حركية ميدانية مكثفة تعكس حجم التحولات التي يشهدها القطاع الفلاحي بالمنطقة، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بجمع المحاصيل، وإنما بإدارة منظومة متكاملة تشمل النقل والتخزين والتجميع والمرافقة التقنية، في إطار رؤية تسعى إلى تحويل الإنتاج الزراعي إلى عنصر فعّال في المعادلة الاقتصادية الوطنية.

 

التحضيرات التي باشرتها السلطات المحلية والهيئات الفلاحية المختصة كشفت عن توجه واضح نحو تعزيز الجاهزية اللوجستية، باعتبارها الحلقة الأهم في إنجاح موسم الحصاد، خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تفرض طبيعتها الجغرافية تحديات إضافية مرتبطة بالمسافات واتساع المحيطات الزراعية.

وفي هذا الإطار، أشرف ، والي الولاية، رفقة رئيس المجلس الشعبي الولائي وبحضور أعضاء اللجنة الأمنية والهيئة المنتخبة وإطارات القطاع الفلاحي، على معاينة القافلة اللوجستية الخاصة بحملة الحصاد، والتي تم تسخيرها بالتنسيق بين وتعاونية الحبوب والبقول الجافة لولاية المنيعة، إضافة إلى شركة المختصة في العتاد الفلاحي.

 

وضمت القافلة إمكانيات معتبرة تمثلت في 120 شاحنة موجهة لنقل وتجميع المحاصيل الزراعية، إلى جانب عدد من آلات الحصاد والعتاد التقني الذي سيُسخَّر للعمل عبر مختلف المستثمرات الفلاحية، في خطوة تهدف إلى التحكم في نسق جمع المنتوج وضمان نقله في الظروف المناسبة، تفادياً لأي خسائر قد تنجم عن التأخر أو ضعف الوسائل المرافقة.

ويرى متابعون للشأن الزراعي أن هذه التعبئة تعكس إدراكاً متزايداً لدى السلطات العمومية بأن نجاح الموسم الفلاحي لم يعد يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضاً بمدى قدرة المنظومة اللوجستية على استيعاب الكميات المنتظرة وضمان توجيهها نحو مراكز التخزين والتحويل دون عراقيل.

وتكتسي هذه الحملة أهمية خاصة بالنظر إلى التطور اللافت الذي عرفته الزراعة الصحراوية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت مناطق عديدة بالجنوب من مشاريع تجريبية محدودة إلى فضاءات إنتاج واسعة تعتمد على تقنيات حديثة في السقي والاستغلال الزراعي، ما ساهم في رفع المساحات المزروعة وزيادة التوقعات المرتبطة بالإنتاج الوطني للحبوب.

وفي تصريح له بالمناسبة، أكد بن مللك مختار والي الولاية أن السلطات المحلية سخّرت كافة الإمكانيات البشرية والمادية لإنجاح حملة الحصاد، مشدداً على أن التنسيق بين مختلف القطاعات يبقى عاملاً حاسماً لضمان السير الحسن للعملية وتحقيق النتائج المنتظرة.

ويعكس هذا التصريح وعياً رسمياً بحجم التحديات المرتبطة بمواسم الحصاد الكبرى، خاصة في المناطق الجنوبية التي تتطلب حلولاً لوجستية مرنة وسريعة تتماشى مع اتساع الرقعة الزراعية وبعد بعض المستثمرات عن مراكز التجميع التقليدية.

 

من جهته، أوضح ، عمراني بومدين مدير النقل الديوان الجزائري المهني للحبوب بـأن المخطط اللوجستي الذي تم وضعه لهذه الحملة يعتمد على توزيع محكم للوسائل الميدانية، بما يسمح بتسهيل عمليات نقل المحاصيل وتجميعها في ظروف تنظيمية مدروسة، مشيراً إلى أن نجاح الموسم يبقى مرتبطاً بمدى فعالية التنسيق بين مختلف المتدخلين في الميدان.

 

 

ومن بين أبرز النقاط التي تعوّل عليها السلطات المحلية خلال هذا الموسم، دخول المراكز الجوارية حيز الخدمة، وهي منشآت ميدانية تم تجهيزها لتقريب خدمات التجميع والتخزين من المستثمرات الفلاحية، في خطوة تهدف إلى تقليص مسافات النقل وتخفيف الضغط على مراكز التخزين الرئيسية، فضلاً عن تسريع وتيرة استقبال المحاصيل.

ويرى مختصون أن هذه المقاربة الجديدة تمثل تحولاً مهماً في آليات تسيير مواسم الحصاد، خاصة في ولايات الجنوب التي تحتاج إلى نماذج تنظيمية مختلفة عن تلك المعتمدة في الولايات الشمالية، بالنظر إلى الخصوصيات المناخية والجغرافية التي تميز النشاط الفلاحي الصحراوي.

 

 

بدوره، أكد ، مصباح يوسف مدير الفلاحة، أن القطاع الفلاحي بالولاية يعرف تطوراً ملحوظاً سواء من حيث المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج المتوقع، مضيفاً أن كل الترتيبات التقنية والتنظيمية قد استُكملت تحسباً لانطلاق حملة الحصاد الرسمية.

ويأتي هذا الحراك في وقت تتجه فيه الجزائر نحو تعزيز استثماراتها في الزراعات الإستراتيجية، ضمن رؤية تعتمد على توسيع الإنتاج المحلي ورفع مساهمة الولايات الجنوبية في تحقيق الاكتفاء الوطني من الحبوب، وهو ما يجعل من موسم الحصاد الحالي محطة مفصلية لاختبار مدى نجاح هذه الخيارات على أرض الواقع.

وبين رهانات الاقتصاد الوطني وتحديات الميدان، تبدو ولاية المنيعة اليوم أمام امتحان جديد يؤكد أن معركة الأمن الغذائي لم تعد تُدار فقط داخل مكاتب التخطيط وصنع القرار، بل أصبحت تُخاض أيضاً وسط الحقول، حيث تتحول سنابل القمح إلى عنوان لمعركة تنموية تراهن عليها الجزائر لبناء منظومة إنتاج أكثر استقراراً واستدامة.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services