44
0
حداثة النسق الغربي وحق النسق الإسلامي في حداثته الخاصة

بقلم : د.إبراهيم نويري
هناك ظواهر وأنماط وأنساق كثيرة متنوعة في عالم الفكر والأفكار والإيديولوجيا، يتوقف بإزائها القارئ والدارس والمفكر والباحث ، بيد أن حسمها أو بناء موقف واضح أو واعٍ تجاهها ، يظلّ إما مؤجلاً أو مضبباً أو متسرعاً، وهو مؤشر على عجز داخلي في القدرة على الحسم وإعادة التأصيل والنحت.. ومثال على ذلك مسألة ( المصطلحات ) التي تُعدّ احدى أهم وأخطر أدوات التأسيس والتأصيل والضبط المعرفي والثقافي والمنهجي، داخل صيرورة أي نسق فكري، أو مذهبية حضارية، لاسيما في مرحلة البحث عن الخصوصية المصادَرة أو المهمّشة في منعطف التدافع بين النماذج والأنساق.ويزداد الأمر صعوبةً و تعقيداً مع وجود أنموذج متغلب يمتلك فعالية في مهارة الجذب والإستقطاب.
ولعل من جملة المصطلحات التي بات لها حضورٌ مميز وملفت في أدبيات الخطاب المعرفي العربي المعاصر ، مصطلح " الحداثة " .. و الذي يجيء أيضا ، أو يأتي (عند البعض) مرادفاً لمعنى التنوير أو التطوّر أو المعاصرة أو التجديد ، أو ما يتماهى أو يقترب من هذه المدلولات والمعاني ... إن الاتجاهات الفكرية في العالم العربي والإسلامي البعيدة عن أهم مكوّنات الذات الحضارية للأمة ، و بسبب الفراغ أو الغربة عن – الذات والجذور و الأصول- فإنها تقع غالبا في خطأ منهجي قاتل،تتعدّد مظاهرُه واستعمالاتهُ، كما تتعدد كذلك صورُ أثاره في السلوك والممارسة والتدافع .. لكنه مع ذلك لا يتعدّد فهو واحد فحسب عند التأمل وإعمال القوى الإدراكية والتحليلية الكاشفة.
هذا الخطأ هو ما يمكن أن نطلق عليه : " الاقتطاع التاريخي" .. فمعظم هؤلاء ، و بحكم مرجعيته الفكرية والثقافية ، يلجأ إلى مساءلة التاريخ الغربي ، فيجزّئ بعضَ أحداثه ، أو يقتطع منه مصطلحاتٍ و شواهدَ ومواقفَ ، ليتم توظيفها فيما بعد ، أو جعلُها واجهاتٍ للصراع الفكري .. و مع مرور الأيام تتحول تلك المصطلحات والرموز و الأحداث إلى تحديات تُشهر في وجه منابعنا الثقافية ، و أنساقنا الفكرية والسلوكية و الحضارية ؛ وكأنها معيار ثابت للحكم على تجارب الآخرين وأعمالهم ومنجزاتهم، و قياس مدى جدوى منجزات الأنساق الفكرية المغايرة،على الصعيدين القيمي والعملي. إنه سلوكٌ إستعلائي يُجسد الهيمنة والإرهاب الفكري والسطو على خصوصيات الآخرين والعبث بها إستناداً إلى "معيارهم" الثابت حسب زعمهم أو بناءً على هرطقتهم.
جذور توظيف مصطلح الحداثة
هذا الأمر أو التعامل المصطلحي حدث فعلا مع مصطلح "الحداثة " ... فقد كانت الكنيسة في أوروبا ، قبل الثورة الفرنسية(1789م) ، تكبل العقل، و تتحكم بعنجهية في ضمائر الناس وفي اختياراتهم، وأذواقهم، وآرائهم الخاصة، بل و تُمضي صكوك الغفران أحياناً ، و تحكم بالإعدام على كلّ مَنْ يعارض أو يسخّف مواقفها ورؤاها واجتهاداتها، أو يبدي في العلن بآراء وخواطر وأفهام واجتهادات تناقض " المعتقدات المقدسة " الموهومة !! .. و قد أعدمت الكنيسة بهذه المعتقدات الموهومة الموغلة في حنادس الظلام الكثير من العلماء والمفكرين والمكتشفين والفلكيين والجغرافيين وأحرار الفكر والعلم والضمير ... الأمر الذي أدى بالعقل الغربي إلى التمرد والانتفاضة والوقوف في وجه " الجحيم " الذي نصبته الكنيسة أمامه ، مانعةً بذلك أيَّ تطور أو إبداع أو إجتهاد أو فهم يخالف معتقداتها وتصوّراتها المتكلّسة الجامدة المتحجرة ، بل المصادمة تماماً للمعقول وتجارب العلم والمنطق والبحث المجرّد الحصيف .
و هكذا برزت فكرة " الحداثة " كإفراز موضوعي طبيعي لا غبار عليه، يجسد انتصار العقل الغربي المبدع على الوهم والخرافة واحتكار الرأي و النظر والاجتهاد ... لتتحول مع الوقت ومعيّـة المنجزات العلمية التي تحققت في الواقع الماثل إلى " منهج حياة " وإلى " نسق معرفي ثقافي تنويري" له مبرراته التاريخية و خصوصياته الفكرية والعقلية، و له ارتباطاته الذاتية والموضوعية المستندة والمعتكزة على منهج حر في البحث والإستنباط والإبداع ...
أما عندنا نحن فإن بعض الإتجاهات الفكرية ، اعتقدت في منعطف الارتطام بالفكر الغربي ، والوقوع تحت طائلة التأثر والخضوع والركون والاستقطاب، أنه لا مدخل لنا الى العصر ، و لا سبيل لنا لتحقيق التنمية الشاملة في شتى جوانب الحياة والنهوض و التغيير إلا بانتهاج الطريق الذي سلكه العقل الغربي ، وتحقيق الإنجاز ذاته على كافة المستويات( !) ... و بدأت هذه الاتجاهات تروّج لمصطلح الحداثة لا كنسق فكري معرفي فحسب، وإنما كسلوك ونمط حياة، و كانت البداية بالأدب شعراً و قصةً و نقداً وتنظيراً، لينتقل الحديث بعد ذلك،إلى ضرورة وحتمية تحديث المجتمع و التعليم والمناهج التعليمية و العلاقات العامة.. ويكفي أن نستدعي هنا ما روّجه الدكتور طه حسين من مقولات موغلة في استقطابات الحداثة الغربية، حتى بلغ به الأمر إلى حد إنكار شخصيات هي موضع إجماع بين القرآن الكريم و الكتب السماوية والتاريخ المتواتر كشخصية أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ونجله إسماعيل عليهما الصلاة والسلام،ناهيك عن اللغو الذي سطره في كتابه" في الشعر الجاهلي" المتعلق بنظرية الإنتحال، وقد أثبتت دراسات كثيرة أنه لغو مسروق ومسلوق من المستشرق البريطاني "مرجليوث"؛ أما الأفكار التي بثّها طه حسين في كتابه المشؤوم"مستقبل الثقافي في مصر" فهي أفكار ترتقي إلى درجة الكفر البواح، كقوله" ينبغي أن نقرأ القرآن كما نقرأ أيّ كتاب آخر" أي دون تهيّب ودون إحساس بأنه وحيٌ إلهي نازلٌ من السماء !!! وقد تصدى له عديد المفكرين يومئذ وبينوا زيف وتهافت ما سطره في هذا الكتاب، الذي تملّق به الاستعمار الغربي، كي يصل إلى أعلى المناصب، وقد تحقق له ذلك فعلاً، حيث عُيّن وزيراً للمعارف "التربية والتعليم" !! ومن أشهر الأدباء والمفكرين الذين نقضوا ما جاء في هذا الكتاب الأديب الكبير سيد قطب في كتابه" نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر" [ توجد منه نسخة للتحميل في الشابكة]. كما ردّ علي هذا الكتاب ـ يومئذ ــ الأستاذ حسن البنا في سلسلة من المقالات.
إنني أتحدث هنا عن علم ودراية لأنني امتلكتُ الأعمال الكاملة لطه حسين، وعمري دون العشرين عاماً، ولا أردد ما قاله الآخرون عن طه حسين وعن كتابه" في الشعر الجاهلي" الذي ردّ عليه أهل العلم في زمنه ــ بين سنة 1926 و1932 ـ بأربعين كتاباً أشهرها كتاب " نقض كتاب في الشعر الجاهلي" ــ أي هدم كتاب في الشعر الجاهلي ــ للشيخ العلامة محمد الخضر حسين[ وهو تونسي الجنسية من أصل جزائري عريق منحدر من عائلة شريفة من طولقة في بسكرة هاجرت إلى تونس خلال القرن التاسع عشر ؛ وقد كان محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر عندما ظهر كتاب طه حسين: في الشعر الجاهلي] وكتاب " تحت راية القرآن" لأديب الأصالة الإسلامية المنيرة مصطفى صادق الرافعي، وكتاب" الشهاب الراصد" للعالم الفقيه الأصولي ذي المنهج الصارم الشيخ محمد لطفي جمعة. ولستُ في حاجة ــ ضمن سياق الإشارة إلى متطرفي الحداثة والعلمنة الغربية ــ للتذكير بأفكار سلامة موسى وأركون وشحرور وأدونيس والعروي والطيب تيزيني ونوال السعداوي وصادق جلال العظم وغيرهم كثير جداً من دهاقنة وسماسرة ومتزلفي الحداثة الغربية.. إنني لا أرغب في أن أجعل حديثي عنهم مسترسلاً رهواً لأن ذلك له سياق آخر لا يتّسع له هذا المقال.
إننا عندما نتأمل ونتفرّس ــ بموضوعية وتجرّد ــ في رغائب أصحاب هذا الاتجاه و تطلعاتهم وصياغاتهم الفكرية المعلنة ، نجد أن مفهوم الحداثة الذي يؤمنون به ، ويتبنونه تنظيراً وعملا في مختلف المجالات ، هو سلخ الأمة عن هُوّيتها ، و تهوين صلتها بمنابع عقيدتها و ثقافتها، ومرجعيتها العقدية والفكرية والحضارية،وإحلال النموذج الغربي في الحياة والتفكير والسلوك و التربية و القيم والمناهج ... و كأنّ السياق التاريخي والاجتماعي والحضاري الذي ظهرت فيه مفاهيم الحداثة و التطوّر والتنوير الغربية ، هو تاريخ أمتنا و ليس تاريخ أوروبا و تاريخ الكنيسة ، أو بمعنى أكثر وضوحا : كأن الإسلام يقف في وجه الإبداع والإجتهاد الحر والإنجاز المسقيم، أو يتنكر لانطلاقات العقل و كشوفاته و منجزاته ..
إن الإتجاهات التغريبية في العالم العربي والإسلامي ، التي تدعي الحداثة ، هي في الحقيقة ـ عند التأمل ـ إنما تعيش عصر ما قبل الحداثة في أوروبا ، بل إنها تحمل بعض أفكار الكنيسة الغربية ذاتها قبل الثورة الفرنسية، إذْ ما فتئتْ هذه الاتجاهات تنكر الحوار وسماع الرأي الآخر،وتقف في وجه الأغلبية، وتمحق طموحات البسطاء، وتحبك المؤامرات، وتزعزع الاستقرار الاجتماعي ، وتشرف على تزييف الانتخابات وآليات اختيار الكفاءات النزيهة، و تقف ضد ثوابت الأمة وعوامل و جودها وقوتها ومَنعتها وتكاملها وتضامنها ..
وهي في ذلك لا تستند إلى أيّ مبررات منطقية وعلمية نابعة من الذات الحضارية لأمتنا، تقتضي تجديد التفكير وتفعيل التنظير كي يكتسب أبعاده العملية ويتحول إلى نسق متصالح مع الواقع ، أو تطوير أساليب العيش و التعامل بما يتماهى أو يتماشى و الفهم المقاصدي للإسلام و أطر الاجتهاد القائمة في منهجه العلمي الأصولي الراسخ، و إنما تلجأ إلى عملية " الاقتطاع التاريخي " .. أو " استدخال الأحداث " غير النابعة من سياقاتنا التاريخية والعقدية والحضارية، أو واقعنا الخاص الذي يكون في الأصل منبثقاً عن معادلة كيفية تنزيل النصوص على الأحداث والوقائع والنوازل بواسطة تفاعل العقل المسلم و طرائق ارتباطه بتلك العناصر والمكوّنات .
أمام هذا التحدي المعرفي/ النسقي، الذي يطال جانبا هاما من الواقع الإسلامي ، فإنه يتوجب على دعاة "الذات الحضارية" لأمتنا، و" المرجعية الإسلامية " في الفكر والاجتهاد وضعَ قواعد ومنطلقات جديدة تمكّنهم من التعامل المنهجي البناء ، مع كل ما يُثار من مسائل بمنأى عن أساليب ردود الفعل التي استبان عبر عدة عقود فشلُها في تأسيس النهضة المنشودة والإقلاع الحضاري المرتقب المأمول.
أما دعاة علمنة المجتمع الإسلامي ، فعليهم أن يقتنعوا بأنه ليس من حقهم إملاء أو فرض المناهج و الرؤى والأساليب التي يرونها كفيلة بتحديث مجتمعاتنا ، وَفق منظورهم المقتطع من سياقات واقع و ظروف الآخر الثقافي و النفسي و الحضاري. بل ينبغي على هؤلاء الذين ينادون بضرورة أن يتطور الإسلام ــ وَفق معاييرهم المستوردة ــ أن يقتنعوا بضرورة أن: "يُسلمَ التطوّر" ..فإذا أسلم التطوّر، أي خضع لمعايير الإسلام ومقاصد شريعته، وآمنتْ الحداثة، أي اقتنعت بخصوصية الأنساق الفكرية والحضارية.. زال الإشكال، واختفى الصراع والتدافع المحتدم منذ عقود زمنية طويلة في المجال العربي والإسلامي.
إذْ من المقطوع به أن المنهج الإسلامي ليس عاجزاً عن مسايرة العصورومنعطفات التاريخ، وصياغة الحلول المناسبة لكلّ المشكلات و النوازل والمستجدات ، فهو منهج له أدواته الخاصة في التجديد و الاجتهاد والتكييف ، و تأطير النظر و الإنجاز وَفق المقاصد و المآلات المرجعية المحكومة بالخصائص الذاتية للإسلام و أهداف شريعته وخصائصها ومقاصدها.
إن هذا الأمر يُعدُّ من بدهيات المنهج الإسلامي ، إذا نحن أردنا الإنصاف و إقرارالحقائق: فدعاة غلق باب الاجتهاد، عبر فترات متفرقة من تاريخنا، لم يجدوا الصدى المطلوب لدعواهم، وما ذلك إلاّ لكون الإسلام إنما يقرّ ويعترف بالجدلية القائمة بين " الكائن " و "التغيير" .. ويمكن تلمس هذه البديهية دون تلفيق ودون عسر في طرق ومناهج التجديد والاجتهاد في المنهج الإسلامي الأصولي والمعرفي على السواء.
لكلّ خصوصية حضارية مدخلٌ إلى الحداثة
في الأخير نصل إلى المسألة المركزية التي تحضر بهذا الخصوص، وهي تتمثل في طرح هذا التساؤل الطبيعي: هل من حقنا تحديد الباب الذي ندخل منه إلى الحداثة في ظل صراع الأنساق الفكرية واحتدام المعايير الحضارية المعاصرة ؟..
إن مشكلاتنا نحن المسلمين ليست مع الحداثة أو مع مستجدات العصر ، فليس ذلك مما يمكن أن يعترض أو يباغت أو يُحرج أمة متجذرة في تاريخ الإنسانية وتاريخ العلوم، بما تحمله من تراث و رصيد فذ من المواقف والإنجازات و الأمجاد..
إن مشكلاتنا الأولى هي أننا لازلنا نعاني عجزاً ملحوظاً في فهم واقعنا و إدراك السنن التي تحكم الأنفس والآفاق، وإحلالها المنزلة المثلى في حياتنا العملية ؛أي نشكو ضعفاً و ضآلة في التفاعل المطلوب مع موارثينا التشريعية والفكرية، ناهيك عن عدم الاستفادة من المكتسبات الإنسانية وتجلياتها العميمة.
و إذا كان من حقنا أن نختار المدخل الذي يناسبنا إلى الحداثة، الذي يتناغم و خصوصياتنا الحضارية و هُويتنا الثقافية ــ وهو حق طبيعي بدهي ـــ فإن ذلك الإختيار يكون بلا معنى ، إذا نحن لم نحدد بدقة أرضية إنطلاقتنا، و إذا نحن أغفلنا وتغافلنا عن الإستعمال الموضوعي لأدوات ومناهج الاستيعاب والتوظيف الصحيح .. أما مواصلة السير على غير بصيرة ، فهو جهد ضائع ، أو تلفيق لن يكتب له النجاح في تحقيق التجديد والتحديث الأمثل أوالإستنهاض البصير الراشد ، حتى لو توافرت بعض شروطه و لوازمه ... فنحن أمة لها كتابها و منهاجها الإنساني، و قسماتُها الحضارية الفريدة، وذلك رصيد مذخور لا يقدّر بأي ثمن في الوجود ، يؤهلنا يقينا – لو أبصرنا الحقيقة - لبناء عالمنا المتفرّد و وجودنا الخاص، وآمالنا في الإعمار وتأسيس مستقبلنا الحضاري الأقوم.
أما إذا استمرت حالة الرضا الثاوية في أعماقنا ، و حالة الزهو الخادع تخامر نفوسنا و توحي لنا بمشاعر وموحيات الغبطة الواهمة بواقعنا ، و أوضاعنا فلن نصل – على ما أعتقد – إلى نتيجة أو ثمرة يمكن أن نُقنع بها ناشئتنا وأجيالنا القادمة .." إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (الرعد11) .. صدق الله العظيم ... والله نسأل أن يبصرّنا بحقيقتنا، وأن يفقهنا بواقعنا، وأن يهدينا سبل الرشاد و الإنعطاف الصادق نحو نهجه الحق ..
ولا غالب إلا الله .

