32
0
إشكالية الامتثال للقوانين الغربية في مواسم الأعياد وتباين المرجعيات الفقهية لدى المسلمين
نحو تأصيل فقهي لرفع الحرج في النوازل!!

بقلم: مصطفى محمد حابس، جينيف / سويسرا
ونحن على أيام معدودات من شهر ذي الحجة، وبركات العشر الأول منه ونسمات عيد الأضحى المبارك، وكجالية مسلمة نصارع القوانين الغربية، في العقود الاخيرة لتسهيل العيش في أكناف الغرب، بحقوق وواجبات، منها على سبيل الذكر السماح بذبح الأضاحي في مثل هذه المناسبات، حيث تمنع هذه الشعيرة في عدد كبير من دول الغرب ، استوقفني أحد أساتذتنا الأفاضل بعد صلاة الجمعة فرحا منتشيا بقوله " الحمد لله ان العيد المقبل لن يأتي الجمعة، وحتى حسابيا وفلكيا لن يتكرر إلى بعد عقود"!! فاستغرب بعض الاخوة معنا من هذا السلوك، ورغب إلي بعض الطلبة الأفاضل، أن ننظم دورة أو نكتب لهم كلمة في موضوع و إشكالية "تزامن العيد مع الجمعة" ، لتفادي ما أنجر عنها من اختلافات و خلافات عل الساحة الأوروبية أيتام عيد الفطر المنصرم، وخاصة لكي لا تتكرر مرات أخرى في قادم السنوات، فأحلتهم على ما كتبه أئمتنا ومشايخنا في "المجلس الأوروبي للإفتاء" و قبلهم ما نشره "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" برئاسة و اشراف رموز الفقه و أصوله في ديار الغرب، يتقدمهم العالم الورع الدكتور طه جابر العلواني و صحبه، أو عبر شبكات اليوتيب التي تزخر بمواعظ وخطب مشايخنا و بلغات عدة كتسجيلات الشيخ عصام العطار و فيصل مولوي و الشيخ محمود بوزوزو( رحمهم الله جميعا) أو أشرطة العلامة الدكتور العربي كشاط بالفرنسية و العربية ( شفاه الله)، أو ما كتبه في الموضوع أخيرا أستاذنا الدكتور الطيب برغوث و غيرهم ، فهؤلاء هم في نظري أولى و أجدر وأحق بتقديم هذا العمل المهم الملهم، لأنهم أهل اختصاص و "أدرى بشعاب مكة"، ولكن يبدو أن بعض شبابنا صعب عليه الجلوس إلى مقاعد البحث و التنقيب و الترجمة في الموضوع، فعادوا إليَّ مرة أخرى هذه الأيام وألحوا علي كثيرا، فقبلت القيام بالمهمة الصعبة، على أن اكتفي بتلخيص قطوف بعض ما توفر لدي من مادة في الموضوع مما نشر في الموضوع، لأنه فعلا صار عبئا على أئمتنا في الغرب يكدر صفو حياتنا بفتاوى مستوردة من الخارج الأوروبي!!
مسألة فقهية قديمة لا تزال مثار خلاف وجدل بين المذاهب الإسلامية
إذ عندما "يوافق يوم العيد يوم الجمعة" تتداخل في حياة الجاليات المسلمة في الغرب أحكام الصلاة والعبادة، فيتبلور موقف عملي واجتماعي أمام مسألة فقهية قديمة لا تزال مثار خلاف وجدل بين المذاهب الإسلامية.
وفي هذه الوقفة، نتناول هذا التزامن ليس من زاوية نظرية مجردة فحسب، بل من خلال قراءة متأملة للخلاف الفقهي من بعض مصادره، وربطه بالمقاصد الشرعية التي تهدف إلى تيسير الأمور على الناس ورفع الحرج عنهم، كما ذهب اليه عندنا في الغرب المجلس الأوروبي للإفتاء خاصة في ظل ظروف الجاليات المسلمة في أوروبا التي تختلف عن محيطها التقليدي من حيث وقت العمل، والقوانين المحلية. ومن خلال ذلك يسعى علماء معاصرون إلى تكوين رؤية متوازنة تجمع بين احترام النصوص والاجتهاد الفقهي وبين مراعاة الواقع الغربي الحي لتلك الجاليات واحتياجاتها الدينية والاجتماعية.
"تزامن العيد مع الجمعة"، بين احترام النصوص والاجتهاد الفقهي المحلي
في بيان واضح صريح صادر عن مشايخ المجلس الأوروبي للإفتاء، قبيل عيد الفطر (1447هـ) بأيام، قولهم في المسألة " أن العيد والجمعة سيجتمعان في يوم واحد، وأن هذه مسألة خلافية بين علماء السلف، جمهورهم قال "إن العيد لا يسقط فرض الجمعة، لأن العيد سنة، والجمعة فرض، والسنة لا تسقط الفرض"، ولكن هناك رأي للفقهاء الحنابلة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام إبن تيمية، والشيخ ابن عثيمين وابن باز وغيرهم من العلماء، وهو الذي يرجحه حاليا المجلس الأوروبي للإفتاء، وهو الأنسب للمسلمين في أوروبا، أن من صلى العيد يسقط عنه فرض الجمعة، ويكتفي بصلاة الظهر في وقتها، هذا الرأي منقول عن عدد من فقهاء الصحابة، وحديث رسول الله (ص) عن أبي هريرة، قوله :
"قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن شاء اجزاءه من الجمعة، وإنا مُجمِّعون" ..
وبالتالي السنة للأئمة في أوروبا أن يقيموا الجمعة في مساجدهم حسب الحاجة، ولكن للمسلمين أن يكتفوا بصلاة العيد، وهذا الأنسب للمسلمين في دول الغرب، لأنه يوم العيد ويوم عمل، ويصعب عليهم أن يتركوا أعمالهم صباحا من أجل صلاة العيد، وظهرا من أجل صلاة الجمعة مرة ثانية، وقد تحقق مقصود الجمعة في العيد من الاجتماع، وسماع الموعظة، ومن المقرر فقها أنه إذا اجتمعت عبادة من جنس واحد، دخلت إحداهما في الأخرى كالوضوء والاغتسال، وكذا الجمعة مع العيد.
مبادرات الرشد والمنطق والواقع مناشدة إلى منهج الوسط

لا يغيب عن نباهة عقلاء أئمتنا في الغرب، أن الإسلام يدعو دائما إلى منهج الوسط في كل شيء، ويحذر من التطرف والغلو في مختلف مناحي الحياة، وذلك من خلال التحذير من الغلو في الدين، وترك التشديد على النفس، والنهي عن التنطع والمغالاة.. وقد بادرت أيضا - هذه السنة - كعادتها أصوات الرشد والمنطق والواقع للرد بالتي هي أحسن، كما ذهب لذلك بعض مشايخنا، أمثال أستاذنا الشيخ الدكتور الطيب برغوث، المفكر الإسلامي، المقيم بمملكة النرويج، رافعا عقيرته، قوي الصدح، عالي الرنين، قبيل بداية الاختلاف في الإعلان عن هلال رمضان 1447هـ، حيث نشر كلمة بالمناسبة عبر صفحة "منتدى دراسات النهضة الحضارية"، وهي عبارة عن رجاء ونداء للقادة والمشرفين على مؤسساتنا الإسلامية المتواجدة في الغرب وكذا بعض منابر الفتوى في دولنا الاسلامية، مستهلا ذلك بتهنئة المنتدى للمسلمين عموما و لجاليتنا المسلمة في الغرب بقدوم شهر رمضان المبارك، رغم الصعاب، قائلا:"
إن شهر رمضان بنفحاته الروحية والأخلاقية العالية، وبركاته الغامرة، لحظة سنوية فريدة في حياة كل مسلم لمراجعة نفسه، وتقييم وتقويم وضعه، والانطلاق في مرحلة جديدة من حياته أكثر صدقا مع الله ومع نفسه ومع دينه ورسالته في الحياة، ومع مجتمعه، فليجتهد كل منا لجعله كذلك لحظة تحول حقيقي في حياته، في هذه المراحل الصعبة التي تمر بها أمته بل وتمر بها الإنسانية عامة.
الى مسؤولي المؤسسات الدينية في أوروبا:" اتقوا الله في دينكم وأنفسكم وأجيال المسلمين"
مهيبا بالمرجعيات الدينية للمسلمين في بلاد الغرب عامة، أن تعي وتستوعب طبيعة البلدان التي تعيش فيها، وأن لا تربط المسلمين في صيامهم وأعيادهم ببلدان خارج بلدانهم التي يعيشون فيها، لأن ذلك "يحدث انقسامات كثيرة في أوساط الجاليات المسلمة، ويشوش على فرحة الصيام والعيد، ويثير الخلافات والحزازات بينها، وهو أمر منافي لمقاصد الصيام وبركاته، بل على مسلمي كل بلد أن يحترموا المؤسسات الشرعية في هذا البلد أو ذاك، وأن لا يشذوا عن جماعة المسلمين فيه، وأن يحرصوا على وحدة صفهم، ووحدة قلوبهم، وجمال صورتهم الخارجية في المجتمع، وأن لا يثرب بعضهم على بعض، وأن لا ينصب بعضهم نفسه قيما على الدين وعلى مصالح المسلمين، بتخطئة خيارات غيره والتشهير بها"!!..
جاليتنا المسلمة فيها علماء فلك وشريعة من طراز عالي ورفيع
مبينا بقوله:" فلا يعقل مثلا أن تنتظر منا مؤسسات التعليم والشغل في بلاد الغرب حتى صبيحة يوم رمضان أو يوم العيد لنخبرهم بأننا سنغيب عن المدارس وعن الشغل، محدثين خللا في برنامجهم وعملهم! فهذا غير ممكن وغير معقول في بلدان ينظمها العلم والتخطيط الدقيق المسبق. كما أن هذا يتسبب في حرمان كثير من المسلمين تلاميذا وطلابا وعمالا من حقوقهم في عطل العيد، أو خصم راتب أيام غيابهم بالنسبة للعاملين، زيادة على أن هذا يثير تساؤلات كثيرة عن طبيعة الدين نفسه في مجتمع منظم وفق عقارب الساعة، بالدقيقة والثانية!!".
جازما ومحفزا، في كلمته، بقوله:
"يجب علينا أن نحترم التقدم العلمي الدقيق في مجال الحسابات الفلكية المضبوطة، وأن ننظم أمور صيامنا و أعيادنا على ضوئها، وهو ما يتيحه لنا شرعنا ولا يضيق به، بل ويلزمنا به إلزاما، فالجاليات المسلمة في بلاد الغرب فيها علماء فلك من طراز رفيع وعلماء شريعة من طراز عالي، وعلماء يجمعون بين العلم الفلكي والعلم الشرعي، فلا يعقل أن يكون لدينا كل هذه الطاقات وهذه الخبرات والكفاءات ونرهن أنفسنا بقرارات غيرنا خارج المجتمعات التي نعيش فيها! لقد أصبح وضع المسلمين مثار استغراب وسخرية أحيانا بسبب تحكمنا في الدين ظنا منا أننا نحتكم إليه، ونتشبث به، بينما نحن في الحقيقة نظلمه ونتعسف في فرض مصالحنا أو قناعاتنا الذاتية أو أوضاعنا العرفية والسياسية عليه!!
أهمية مراعاة العلماء والمفتين لأوضاع الناس في بلدانهم المختلفة حين النوازل
مبينا بإسهاب، أن هذه الأوضاع الشاذة عن جوهر الإسلام ومقاصده ويسره وقدرته على استيعاب أوضاع المسلم في دائرة المشروعية مهما كانت تعقيدات هذه الأوضاع، وهذا التباين والاختلاف التنافري تلتقطه بعض القوى المتطرفة المتربصة بالإسلام والمسلمين في هذه المجتمعات الغربية، وتنفخ فيها وتشنع بالمسلمين والإسلام، وتنفير الناس عنه، مختتما مناشدته بما ذهب إليه السلف متسائلا بقوله، لماذا يُذكر الأمام القرافي كثيرًا؟
يُذكر القرافي كثيرًا لأنه من العلماء الذين جمعوا بين الفقه والأصول والنظر المقاصدي، وأثروا في تطور التفكير الأصولي داخل المذهب المالكي. لذلك يعده الباحثون حلقة مهمة بين فقه المغرب والمشرق:
"ما أجمل وأحكم ما قاله الإمام القرافي وهو يتحدث عن أهمية مراعاة العلماء والمفتين والمرشدين لأوضاع الناس في البلدان المختلفة حينما يواجهون نوازلهم وأوضاعهم المختلفة فقال:
" .. لا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح"، "والجمود على المنقولات أبداً: ضلال في الدِّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين"..
والإمام القرافي هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي/ المصري، من كبار علماء المغرب الإسلامي في القرن السابع الهجري ولد في عام (626 هـ)، وتوفي سنة 684 هـ. عُرف بتمكنه في الفقه المالكي وأصول الفقه وأصول الدين، مع مشاركة واسعة في التفسير والمناظرة وعلوم أخرى، وله مؤلفات مؤثرة مثل الفروق والإحكام ونفائس الأصول.
("الفروق لفقهاء المذاهب الأربعة" للقرافي، الجزء 1، ص 176-177، ، و "إعلام الموقعين" لابن القيم الجوزية).
" بين مبدأ وحدة المطالع واختلافها" وعملا بالحسابات الفلكية الدقيقة
من جهته كان قد أعلن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن أول أيام شهر شوال هذا العام سيكون يوم الجمعة، وعليه سيكون عيد الفطر المبارك لهذا العام يوم الجمعة 20 مارس 2026
والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بنى هذا الإعلان على مقررات المؤتمرات الفقهية والفلكية العالمية في مقدمتها وعلى رأسها مؤتمر اسطنبول 1978 ومؤتمر إسطنبول 2016. وندوات ومؤتمرات فقهية. وبحثية كثيرة جدا، تقوم على نقطتين رئيستين، النقطة الأولى هي أنه لا عبرة باختلاف المطالع، وعملا بمبدأ وحدة المطالع استنادا إلى عموم الخطاب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته". وكذلك عملا بالحسابات الفلكية الدقيقة التي تؤكد على أن رؤية الهلال يوم الأربعاء الموافق لـ 18 مارس 2026، مستحيلة لغروب القمر قبل الشمس، والمتوقع أن تتفق غالبية الدول في العالم الإسلامي على العيد معنا يوم الجمعة، ولا يحصل الاختلاف الذي حصل في أول الشهر.
مؤكدا للمسلمين في أوروبا بقوله " أننا لا يمكن أن نتجاوز الاختلاف والانقسام ونبلغ الوحدة المنشودة في إعلان رمضان، وفي إعلان شوال وتحديد الأعياد الدينية إلا بتثبيت المرجعية الفقهية المحلية بالنسبة لنا، وعدم متابعة أي دولة خارجية، سواء السعودية أو غيرها، أو متابعة أي دولة للمسلمين أو البلدان الأصلية للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا، علينا أن نثبِّت ونرسخ المرجعية الفقهية و الإفتائية للمسلمين في الغرب، إن أردنا أن نخرج من حالة الانقسام والإشكالات التي نتعرض لها".. "والأولى أن نختصر ونوفر هذا الجهد في جمع الكلمة ووحدة الصف وتوعية المسلمين بأهمية الوقوف خلف مرجعيتهم الفقهية الجماعية الأوروبية".
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العيد عيدا مباركا على أمة الإسلام، وأن يجمع كلمتنا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد صفوفنا، إنه سميع مجيب، وكل عام أنتم بخير. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .

