23

0

الجنوب يزرع السيادة الغذائية

المنيعة تفتح موسم الحصاد على وقع رهانات الاكتفاء الذاتي وتوسّع الفلاحة الصحراوية

 

 

لحسن الهوصاوي

في ظرف دولي باتت فيه مسألة الأمن الغذائي إحدى أبرز القضايا الاستراتيجية التي تؤرق الحكومات، تواصل الجزائر توجيه بوصلتها الاقتصادية نحو الاستثمار في الفلاحة الصحراوية باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لتقليص التبعية الغذائية للخارج.

وفي هذا الإطار، جاءت انطلاقة موسم الحصاد والدرس 2025 ـ 2026 بولاية ولاية المنيعة لتؤكد أن الجنوب الجزائري لم يعد مجرد امتداد جغرافي بعيد عن مراكز الإنتاج التقليدية، بل أصبح فضاءً استراتيجيًا تراهن عليه الدولة لبناء أمنها الغذائي وتحقيق جزء معتبر من الاكتفاء الذاتي في شعبة الحبوب.

إعطاء إشارة الانطلاق الرسمية للحملة من بلدية حاسي القارة، تحت إشراف والي الولاية بن مالك مختار، وبحضور مختلف الفاعلين في القطاع، حمل أكثر من دلالة سياسية واقتصادية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط ببداية موسم فلاحي جديد، وإنما تعكس تحولًا تدريجيًا في النظرة إلى الجنوب باعتباره منطقة إنتاج قادرة على لعب دور محوري في التوازنات الاقتصادية الوطنية، خصوصًا مع الارتفاع المستمر لفاتورة استيراد الحبوب عالميًا وتذبذب الأسواق الدولية.

 

الرهان الذي تشتغل عليه السلطات العمومية اليوم يتجاوز منطق الإنتاج الموسمي، ليتجه نحو بناء منظومة زراعية متكاملة تبدأ من استصلاح الأراضي وتوسيع المحيطات الفلاحية، مرورًا بتوفير المياه والمرافقة التقنية، وصولًا إلى التحكم في عمليات الحصاد والتخزين والنقل. وهو ما ظهر جليًا من خلال الإمكانيات الكبيرة التي تم تسخيرها لإنجاح حملة الحصاد الحالية، على غرار توفير 90 آلة حصاد و120 شاحنة لنقل المحصول نحو مراكز التجميع والتخزين، بالتنسيق مع الديوان الجزائري المهني للحبوب.

هذه التعبئة اللوجستية لا تعكس فقط حجم الاستعدادات التنظيمية، بل تؤكد أيضًا أن الدولة أصبحت تتعامل مع شعبة الحبوب بمنطق استراتيجي يرتبط بالأمن القومي الغذائي. فالتحدي الحقيقي لم يعد يكمن في تحقيق إنتاج وفير فحسب، وإنما في القدرة على الحفاظ على هذا الإنتاج وضمان توجيهه بفعالية نحو السوق الوطنية دون خسائر أو اختلالات في سلسلة التوزيع.

 

كما أن المؤشرات الأولية التي تتحدث عن توقعات بإنتاج معتبر هذا الموسم، تؤكد أن الفلاحة الصحراوية بدأت تعطي نتائج ملموسة على أرض الواقع، بعد سنوات من الاستثمار في المكننة الزراعية وتطوير تقنيات الري الحديثة. فالتحولات التي تشهدها ولايات الجنوب، ومنها ولاية المنيعة، تعكس انتقال الجزائر من مرحلة التجارب المحدودة إلى مرحلة بناء نموذج فلاحي جديد يعتمد على المساحات الكبرى والإنتاج المكثف والتكنولوجيا الزراعية الحديثة.

 

ومن بين أبرز المعطيات التي لفتت الانتباه خلال انطلاق الحملة، مشاركة متخرجين من قطاع التكوين والتعليم المهنيين، تخصص المكننة الفلاحية، ضمن الفرق التقنية المسخرة للعملية. هذه الخطوة تعكس توجّهًا متزايدًا نحو ربط التكوين المهني بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات الحيوية التي تعرف توسعًا متسارعًا مثل الفلاحة الصحراوية.

 

وجود هذه الكفاءات الشابة داخل ورشات الحصاد يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب التقني، لأنه يعكس محاولة لبناء جيل جديد من المهنيين القادرين على التحكم في التكنولوجيا الزراعية الحديثة وصيانة المعدات الفلاحية المتطورة، وهي عناصر أصبحت ضرورية في ظل التوجه نحو عصرنة القطاع الزراعي ورفع مردوديته. كما يمنح هذا التوجه بعدًا اجتماعيًا مهمًا يتمثل في خلق فرص تشغيل حقيقية للشباب داخل مناطقهم، بدل الاكتفاء بالحلول التقليدية المرتبطة بالإدارة أو الوظائف الموسمية.

 

في المقابل، يبدو واضحًا أن الدولة باتت تدرك أن معركة الأمن الغذائي لا يمكن كسبها بالإنتاج فقط، بل تحتاج أيضًا إلى بنية تحتية قوية قادرة على استيعاب التحولات التي يشهدها القطاع. ولهذا جاء الحديث عن مشاريع جديدة لتعزيز قدرات التخزين بولاية ولاية المنيعة، في خطوة تهدف إلى مواكبة الارتفاع التدريجي للإنتاج وضمان الحفاظ على المحاصيل الاستراتيجية في ظروف ملائمة.

 

فالمرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق “الوفرة الموسمية” إلى منطق “الإدارة المستدامة للإنتاج”، خاصة وأن أي اختلال في التخزين أو النقل قد يحول المكاسب الزراعية إلى خسائر اقتصادية. لذلك، فإن الاستثمار في الصوامع ومراكز التخزين أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة تحقيق الاكتفاء الذاتي، تمامًا مثل الاستثمار في الأراضي والمعدات.

وتندرج هذه الجهود ضمن الرؤية الاقتصادية التي يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والتي تقوم على تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليص التبعية للمحروقات، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الفلاحة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services