25
0
ظاهرة التسول: بين الاحتياج والطمع...؟ مهنة الطفيليين والكسالى وأهل الحيل.

مسعود قادري
التسول ظاهرة تمقتها الديانات والأعراف، فهي كالحماقة أعيت من يداويها. فالذي يتخذ من هذا العمل المشين، والمسيء لكرامة الفرد والجماعة، يكتسب صفة دنيئة قائمة على الطمع الذي لا حدود له. فالتسول في أعرافنا له ضوابط واحتياجات ماسة، وأخلاق أساسها التعفف عن طلب ما يملكه الغير.
قد يُجبر الإنسان تحت الحاجة الملحة إلى طلب ما يتقوت به يوميًا، أو ما تتطلبه ضرورات الحياة العاجلة: علاج، دين، تنقل طارئ أو ما شابه ذلك. لكن عندما يتجاوز هذا الحد الذي لا يقبله المجتمع الإسلامي، القائم على مراعاة واحترام شعور الفقراء والمساكين، وصون كرامتهم، والتكافل بينهم عبر الصدقة والزكاة والعون المستحب بين المؤمنين، فإن الأمر يتحول إلى إساءة لصاحبه وإدانة للمجتمع الذي سمح بذلك.
لكن مهنة التسول في زماننا أخذت منحى جديدًا وبعدًا ماديًا، وجد فيه الكثير من المتطفلين ـ من الجنسين ـ طريقًا سهلًا ومدرًا للمال، يضمن دخلًا يفوق بكثير دخل إطار متوسط في الدولة، إن لم أقل إطارًا عاليًا سابقًا.
فالتسول في بلادنا لم يعد حالة اضطرارية لضمان القوت اليومي، بل تحوّل إلى أسر وعائلات تعتبره موردًا اقتصاديًا لا تتنازل عنه، مادامت أساليب تطويره لكسب عطف المتصدقين والمواطنين لا تتطلب سوى حسن التشكي والتباكي، واصطحاب أطفال في مختلف الأعمار، خاصة الرضع والصبيان، حيث صارت بعض العائلات توظف براءتهم ـ أو تستأجرهم لمتسولين محترفين ـ لكسب المزيد من المدخول على حساب صحتهم وحتى دراستهم.
المهم بالنسبة للمتسول أو المتسولة هو اختيار مكان مناسب ومكتظ بالمارة، وفي أوقات معينة حسب طبيعة المكان، لعرض “البضاعة” بكل الطرق الملفتة للانتباه وإثارة المشاعر والعواطف.
الأماكن المفضلة للتسول:
1ـ المساجد
تُختار بيوت الله من قبل المحترفين في مهنة التسول لتحقيق مدخول معتبر خلال أوقات الخروج من الصلاة، خاصة أيام الجمعة والأعياد. فالمساجد تُعد أفضل مكان لكسب عاطفة المصلين والحصول على مدخول مهم. فكثير من المصلين قد لا يبحثون عن المحتاجين المتعففين بين أقاربهم ليقدّموا لهم صدقاتهم، ويفضلون قاصدي المساجد الذين قد يكون بعضهم من النساء أو الرجال في وضع أحسن من غيرهم، لكنهم لا يبخلون بما يستطيعون تقديمه.
والملاحظ أن الظاهرة في تزايد، حتى إن بعض السيدات درّبن بناتهن العواتق على هذه المهنة المذلة، بدل سترهن في البيوت أو تكوينهن لعمل شريف يصون كرامتهن ويمنحهن فرصة الزواج وبناء أسر شريفة على الأقل.
لكن الطمع الذي أعمى الأبصار والبصائر أدى ببعضهم ـ من الجنسين ـ إلى تفضيل هذه المهنة الدنيئة التي ترفضها الديانات وينبذها العقل السليم. فلولا الطمع والجشع، لما رضي أحد بمد يده لغيره بدل مدّها لله، والقناعة بما كتبه الله له، لينال رضا الله بصبره وقناعته، حتى يفتح الله له أبواب الخير.
2ـ مواقف ومحطات النقل
المقصد الثاني بعد المساجد بالنسبة لممتهني هذه الحرفة المدرة هو مواقف الحافلات ومحطات النقل المختلفة والطرق المؤدية إليها ـ المطارات فقط محمية من هذه الفئة ـ خاصة في الصباح مع انبعاث الحركة في المدينة وخروج الناس لمآربهم. هنا يقابلون من يتباكى على حاله، ويتلوى ويتمتم، ويعرض معاناته لشراء خبز اليوم وفطور الصباح والحليب لأبنائه، فيثير شفقة المارة المتعجلين المتوكلين على الله، فيمدون أيديهم بما يستطيعون، أملاً أن تكون الصدقة فاتحة خير لليوم.
3ـ مصالح البريد
أصبحت مصالح البريد وحتى أماكن الصرافات الإلكترونية مقصداً مفضلاً للمتسولين، الذين يراقبون كل داخل أو خارج من البريد أو من أمام الصراف، ثم يلحّون في الطلب وكأن لهم حقًا في المبلغ المسحوب. وقد يسبب بعضهم إحراجًا للمواطنين، فيستحي كثيرون من ردهم خائبين، حتى وإن كانوا في أمس الحاجة لما لديهم من مال.
4ـ أمام المطاعم
إذا قادتك الظروف لتناول غدائك في مطعم أو محل بيتزا، فقلّما تخلو هذه الأماكن من هذا الصنف الذي يحرج غيره، وهو في وضع قد يكون أفضل أحيانًا ممن يدخل المطعم. وعند خروج الزبائن يُفاجَؤون بمن يمد يده طلبًا للمساعدة، فيشعر البعض بمرارة ما أكل.
والواقع أن بعض هؤلاء، الذين يُشاهدون في الشارع طوال النهار، قد يعودون إلى منازلهم محمّلين بما لذّ وطاب من المأكولات، يتم نقلها عبر سيارات الأجرة أو سيارات العائلة. ومن أراد التأكد من مدخولهم اليومي، فليسأل سائق الأجرة القريب من المكان. وكما يقال: “كل يوم وبركته”، فأي بركة في هذا السحت؟
5ـ حيل التسول الجديدة
مع انتشار البطالة من جهة، والكسل لدى بعض الشباب من جهة أخرى، يلجأ البعض إلى طرق غير شرعية للعيش، منها ما هو مباشر ومنها ما يعتمد على الحيل.
من بين هذه الحيل، الوقوف أمام المساجد والمستشفيات مدّعين الحاجة للعلاج أو ثمن الدواء أو مصاريف التنقل، مستعملين وصفات أو أوراق تبدو من بعيد وكأنها دليل على حالتهم. وبهذه الطريقة يستدرجون تعاطف المارة، رغم أن بعض هذه الحالات ليست حقيقية.
كما تُستعمل حيلة أخرى تقوم على استغلال الظروف الطارئة، مثل ادعاء فقدان المال أو التعرض لحادث أو ضياع وسيلة العودة، فيلجأ المتسول إلى الأماكن المزدحمة كالمساجد والمطاعم والمقاهي. ومع تكرار هذه الأساليب، أصبح الكثير من المواطنين يتفطنون لها، فلم تعد تنطلي على من سبق له التعرض لنفس المواقف.
وخلاصة القول إن التسول لم يعد في بلادنا ظاهرة احتياج اجتماعي فقط، بل تحول عند البعض إلى وسيلة كسب سهلة ومفضلة، على حساب كرامة الإنسان أولًا، وعلى حساب الفقراء الحقيقيين ثانيًا، الذين يضيع حقهم وسط هذا التشويه.
وهنا نتوقف لطرح سؤال: أليست هناك حلول جذرية من الهيئات الحكومية والجمعيات الخيرية للحد من هذه الظاهرة التي تتوسع يومًا بعد يوم دون رادع فعلي؟

