23
0
ليلة السابع والعشرين: حين كانت "فتحة السماء" ممرّاً ليقين البسطاء ودهشة الأساطير

في ذاكرة الأزقة العتيقة، وحكايا الجدات التي لم يمحُها غبار العصرنة، تبرز ليلة السابع والعشرين من رمضان كأيقونة زمنية مغايرة تماماً لما نعيشه اليوم. لم تكن مجرد ليلة عبادة عادية في تقويم المسلمين، بل كانت "موسم الفرج" الأكبر، واللحظة المقدسة التي تذوب فيها الحدود الفاصلة بين العالم المرئي والغيب المأمول، وبين الأرض والسموات العلى.
ص دلومي
في تلك السنوات الماضية، كان لرمضان إيقاعٌ وجداني يتباطأ كلما اقتربنا من "الوتر العظيم"، ليتوج بليلةٍ آمن الناس بقلوبهم الفطرية الصافية أن أبواب الملكوت فيها تُشرع على مصراعيها، وأن القدر يكتب فصولاً جديدة من السعادة لمن أخلص النية وأدرك بقلبه "نور الفتح".

حماية "القطران" وطقوس الأمان من ريح العفاريت
لم تكن ليلة السابع والعشرين تخلو من الرهبة الممزوجة بالقداسة والغموض؛ ففي المخيال الشعبي القديم، كانت هذه الليلة تشهد معركة غيبية كبرى بين جند السماء وقوى الظلام. تروي الأساطير المتوارثة أن الملائكة في رحلة تنزلها المهيبة للأرض تقوم بـ "لجم العفاريت" وتقييد حركتها، وفي تلك اللحظة الحرجة يُخشى من "ريحهم" المؤذية أو أذاهم المتطاير قبل تصفيدهم النهائي.
ولحماية البراءة، كانت الأمهات يقمن بطقس وقائي ضارب في القدم، حيث يضعن "القطران" تحت أرجل الأطفال وفي زوايا عتبات البيوت.
كان الاعتقاد السائد أن رائحة القطران النفاذة تعمل كدرعٍ طارد للأرواح الشريرة، لتظل بيوتهم "طهراً" خالصاً وجاهزاً لاستقبال البركة والسكينة التي تتنزل مع الملائكة والروح.

"فتحة السماء" وأسطورة الدعوة التي غيرت الملامح
بينما كانت رائحة الحناء تعبق في الأكفّ كعلامة فرح مبكر بالعيد، وكانت الأطباق التقليدية الفاخرة تُحضّر بعناية لتزيين موائد السحور، كان الجميع، من الشيوخ حتى الصغار، يرقبون الظاهرة الأعظم التي حكت عنها الجدات: "فتحة السماء". تقول الأساطير إن السماء تفتح في لحظة خاطفة لا يدركها إلا ذو حظ عظيم، ومن يلمح ذلك النور المنبعث، تُستجاب دعوته في التو واللحظة.
ومن أطرف القصص التي كانت تُروى لتنبيه الناس لضرورة اليقظة والتركيز في الدعاء، حكاية تلك الفتاة التي تمنت في لحظة "الفتح" أن يطول شعرها ليزيد جمالها، لكن من شدة ارتباكها وهول المشهد خانها لسانها فقالت: "يا ربي طوّل رأسي!"، فاستُجيبت دعوتها فوراً لدرجة أنها لم تستطع إخراج رأسها من النافذة، وهي حكاية كانت تزرع مزيجاً من الضحك والرهبة في نفوس الفتيات اللواتي كنّ يمددن رؤوسهن وأيديهن من النوافذ بانتظار المعجزة.
بين الأمس واليوم.. ضجيج الحداثة وسكينة اليقين الراحل
يرى الكثيرون من كبار السن أن رمضان في السنوات الأخيرة فقد شيئاً من تلك "الرهبة الجماعية" الصادقة. فمع غزو الشاشات المضيئة ومنصات التواصل الاجتماعي، تحول جزء من "الخلوة" مع الخالق إلى انشغال بالمظاهر وصخب الاستهلاك. تلاشت تلك الصورة النمطية للحيّ الذي يسكن تماماً إلا من همسات المتهجدين وبكاء التائبين، وحلت محلها زحمة الأسواق وضجيج الاستعدادات المادية التي تسرق من الليلة قدسيتها.
لقد كان رمضان "زمان" مدرسة حقيقية في الصبر والترقب؛ حيث كانت القلوب أكثر اتصالاً بالسماء، والعيون أكثر قدرة على رؤية النور الحقيقي وسط الظلام، والأنفس أكثر تصديقاً بأن "الفرج" قد يأتي في لمح البصر من ثقب صغير يفتح في قبة السماء الزرقاء.

حجيمي: ليلة القدر محطة للسكينة والدعاء
صرح الأمين العام للفدرالية الوطنية الجزائرية للأئمة، الشيخ جلول حجيمي، في حديث خاص لـ "بركة نيوز"، حول فضائل وعلامات ليلة القدر المباركة، داعياً المواطنين إلى اغتنامها بالعبادة الصحيحة والابتعاد عن المفاهيم الخاطئة.
أكد الشيخ جلول حجيمي أن ليلة القدر هي ليلة مباركة تقع في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي "خير من ألف شهر"، مشيراً إلى أنها تتميز بعلامات وروحانيات خاصة ذكرتها السنة النبوية الشريفة.
وأوضح حجيمي أن من أبرز أماراتها "سكينة النفس، واعتدال الجو بحيث لا تكون حارة ولا باردة، مع سطوع إضاءة غير معتاد في ليلتها، وشروق شمسها في الصباح بلا شعاع، طلقة طيبة".
وأضاف الأمين العام لفدرالية الأئمة أن هذه الليلة تشهد زيادة في الطمأنينة وإقبالاً منقطع النظير على الطاعة. وفي سياق توجيهاته للمؤمنين، شدد الشيخ على أن أفضل ما يُقال في هذه الليلة هو الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "اللَّهمَّ إنَّكَ عَفوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي"، معتبراً إياه الجامع لخير الدنيا والآخرة.
وحول الموروثات الشعبية، فنّد الشيخ حجيمي ما يعتقده البعض حول رؤية "تفتح السماء" بالعين المجردة، مؤكداً: "أما تفتح السماء الذي يدعي البعض رؤيته، فهذا أمر غير صحيح؛ ليلة القدر هي ليلة مخصصة للصلاة والدعاء.

الشيخ بوعمرة؛ ليلة القدر فرصة العمر التي تضاهي عبادة 83 سنة
صرح الشيخ بن عمر بوعمرة، أمين المجلس العلمي لولاية تيبازة، أن شهر رمضان المبارك هو أفضل شهور السنة على الإطلاق، مؤكداً أن ليلة القدر هي خير ليالي العام، وهي التي شرفها الله عز وجل بنزول القرآن الكريم فيها.
وأوضح الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص العشر الأواخر من رمضان بعناية واجتهاد عظيمين، حيث كان إذا دخلت العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره، وهو النهج الذي يجب على المسلم اتباعه لتحري هذه الليلة المباركة في الأيام الوترية.
وقال الشيخ بوعمرة إن ليلة القدر هي ليلة مباركة يتضاعف فيها الأجر بشكل لا يتصوره عقل، فمن قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، مشيراً إلى أن فضل قيامها كمن قام وتعبد لمدة 83 سنة بأكملها، وهي الليلة التي تتنزل فيها الملائكة والروح بالسكينة والرحمة على عباد الله القائمين الذاكرين.
وفي حديثه عن علاماتها، ذكر أمين المجلس العلمي أن ليلة القدر تمتاز بكونها ليلة طلقة ومعتدلة الجو، لا هي بالحارة ولا بالباردة، ويشعر المؤمن فيها بسكينة وطمأنينة قلبية خاصة.
وفي سياق تصحيح المفاهيم الشائعة، شدد الشيخ على أن ما يتداوله البعض حول "فتح السماء" أو رؤية انشقاق فيها هو كلام لا أساس له من الصحة ولا أصل له في الدين، مؤكداً أن العبرة بالروحانية والتقرب إلى الخالق وليست بمثل هذه الظواهر غير الثابتة.
.jpg)
زهرة فاسي: معتقدات قديمة لا تزال سائدة في ليلة القدر بسبب "الإفلاس الديني"
قالت المختصة الاجتماعية زهرة فاسي:
"ليلة القدر ليلة مباركة كالعشر الأواخر، أعادها الله علينا باليمن والبركات وقبول صالح أعمالنا... لكن الملاحظ أن مفهومية ليلة القدر لاتزال متداخلة فيما يخص طبيعة الأدعية وحالاتها، إذ تختلط بطقوس لا علاقة لها بـ 'عدة ليلة القدر'، وكأننا لازلنا في زمن جداتنا رغم النيات الحسنة."
واستطردت فاسي في تصريحها لـ "بركة نيوز":
"هناك تداخل واضح في طبيعة الأدعية عبر القيام بأعمال لا علاقة لها بالدين ولا بهذه الليلة المباركة، إنما هي طقوس ساذجة؛ كوضع الماء ليلة كاملة ثم الاغتسال به، أو وضع قطرات من 'القطران' بأرجل الأطفال حمايةً من الشياطين، وزيارة القبور وغيرها..."
وختمت المختصة قولها"هذه معتقدات قديمة لازالت سائدة، والسبب يعود إلى الإفلاس الديني ونشر الخزعبلات باسم الدين والدين بريء منها... لكن تبقى النية الحسنة حسنة لأن الله سميع عليم."

الأخصائية النفسانية إكرام عبد الرحماني لـ "بركة نيوز": ليلة القدر محطة لترميم الذات واستعادة التوازن النفسي
أكدت الأخصائية النفسانية العيادية الرئيسية بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية ببسكرة، إكرام عبد الرحماني، أن ليلة القدر تمثل محطة روحية فارقة في شهر رمضان، يتجاوز أثرها الجانب التعبدي ليمتد بشكل مباشر وعميق إلى الحالة النفسية للإنسان.
وأوضحت عبد الرحماني في تصريح لـ "بركة نيوز"، أن أجواء هذه الليلة المباركة تفرض نوعاً من السكينة والهدوء الداخلي، حيث يجد الفرد نفسه في منأى عن ضغوط الحياة اليومية المتسارعة، وأكثر قرباً من مشاعر الطمأنينة والأمل التي تفتقدها النفوس في زحمة الماديات.
وأشارت المختصة إلى أن الانشغال بالدعاء والذكر والتأمل خلال هذه الليلة، يمنح الإنسان فرصة ذهبية لمراجعة الذات والتخفيف من حدة التوتر، مما ينعكس إيجاباً على التوازن النفسي العام ويمنح شعوراً ملموساً بالراحة والاستقرار.
ومن منظور علم النفس العيادي، اعتبرت عبد الرحماني أن هذه اللحظات الروحية هي بمثابة مساحة "لإعادة بناء الوجود الإنساني"، حيث يستعيد الفرد من خلالها إحساسه بالمعنى والغاية من وجوده، ويجد فرصة حقيقية للتصالح مع ذاته وتعزيز نظرته الإيجابية نحو الحياة والمستقبل.
واختتمت الأخصائية تصريحها بالتأكيد على أن ليلة القدر تظل تجربة روحية وإنسانية عميقة، تساهم بشكل فعال في استعادة الصفاء الداخلي وتجديد الطاقة النفسية، مما يمكّن الإنسان من مواجهة تحديات الحياة اليومية بثقة أكبر وتفاؤل متجدد.

