420
0
أمسية علمية بـ“أرض العلماء” تسلط الضوء على مسيرة البروفيسور بشير صوالحي بين التحديات والنجاحات الأكاديمية

مريم بعيش
نظّمت مؤسسة وسام العالم الجزائري، بالشراكة مع الإذاعة الجزائرية، مساء اليوم، عددا جديدا من برنامج "أرض العلماء"، بالنادي الثقافي "عيسى مسعودي" بمقر الإذاعة الجزائرية، بحضور عدد من الطلبة والباحثين.
واستضاف البرنامج في عدده السادس البروفيسور بشير صوالحي، أستاذ الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا والمتخصص في الفكر الحضاري والدراسات الإسلامية المعاصرة، حيث تم التطرق إلى مسيرته الأكاديمية وأبرز إنجازاته العلمية.
وجاء تنظيم هذا اللقاء في إطار الشراكة الرامية إلى إبراز الطاقات العلمية الجزائرية وتعزيز العلاقة بين العلماء ومحيطهم، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاهتمام بالعلم ودعم الكفاءات الوطنية.
وشهد اللقاء تقاسم البروفيسور بشير صوالحي مع الطلبة محطات مؤثرة من حياته، كاشفًا عن تفاصيل بداياته الدراسية والصعوبات التي واجهها في مسيرته العلمية، مؤكدا أن التجارب القاسية كانت سببا في صناعة شخصيته ونجاحه.
واستهل البروفيسور حديثه بالتأكيد على أهمية نقل التجارب الحياتية للشباب، قائلا إنه يشعر كلما وقف أمام الطلبة بمسؤولية كبيرة تدفعه إلى تقديم ما يمكن أن يساعدهم على تجاوز صعوبات الحياة ومواجهة تحدياتها.
وأوضح المتحدث أنه عاش طفولة مستقرة داخل عائلة ميسورة، الأمر الذي وفر له ظروفا تعليمية مريحة ساعدته على التفوق في مختلف المراحل الدراسية من الابتدائي إلى الثانوي، مضيفا أن تلك السنوات كانت مليئة بالسعادة والطمأنينة.
وفي السياق نفسه، أكد البروفيسور أن مسار حياته عرف تحولا مفاجئا خلال السنة النهائية من التعليم الثانوي، حين أصيب بمرض اضطره إلى المكوث في المستشفى لأكثر من شهرين، بالتزامن مع اقتراب موعد امتحان شهادة البكالوريا، ما أجبره على تأجيل حلمه الدراسي إلى السنة الموالية.
كما كشف البروفيسور أنه تلقى لاحقا منحة دراسية مغرية خارج الجزائر، غير أن أحداثا دولية حالت دون استكمال المشروع، بعدما دخلت الدولة المعنية في ظروف استثنائية قبل أسبوع واحد فقط من موعد اجتياز البكالوريا، وهو ما شكل بالنسبة إليه صدمة كبيرة.
"قالوا لي إنني لا أصلح حتى لسوق الخضار"
وفي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا، تحدث بشير صالحي عن لقائه بمدير الثانوية الذي رفض منحه فرصة جديدة، قائلا له: “أنت لا تصلح لشيء، حتى ولو ذهبت إلى سوق الخضار”، وهي العبارة التي اعتبرها نقطة تحول حقيقية في حياته ودافعا قويا للنجاح.
وبعد تدخل أحد الأساتذة وتقديم طلب إلى مديرية التربية، تم منحه فرصة استثنائية لإعادة السنة واجتياز امتحان البكالوريا، ليحقق بعدها نجاحا باهرا، حيث نال المرتبة الأولى على مستوى الثانوية ومن بين الأوائل وطنيا، ما أهله للتكريم من طرف رئيس الجمهورية آنذاك.
كما أشار المتحدث إلى أنه تلقى عرضا جديدا للدراسة بالخارج عقب نجاحه، لكنه فضل في النهاية مواصلة دراسته الجامعية بالجزائر، قبل أن يتجه لاحقا إلى الدراسات الإسلامية، في مسار علمي قال إنه لم يكن سهلا، لكنه صنع منه التجربة التي يقف بها اليوم أمام الطلبة.

تجربة علمية بماليزيا بين تحديات الاغتراب ورؤية الجمع بين العقل والوحي
وقال البروفيسور إنه وجد نفسه في بلد مختلف تماما من حيث الثقافة والعادات وحتى المناخ، إذ تقع ماليزيا على خط الاستواء، حيث الحرارة المرتفعة والأمطار اليومية تقريبا، إلى جانب طبيعة المجتمع الآسيوي المعروف بالهدوء، على خلاف ما اعتاده الجزائريون. وأضاف أن التأقلم مع تلك الأجواء لم يكن سهلا، خاصة مع بُعد المسافة عن الجزائر، حيث كانت الرحلة طويلة ومتعبة.
كما أوضح أن التحدي الأكبر في البداية كان اللغة الإنجليزية، باعتبار أن الدراسة هناك تعتمد عليها بشكل كامل، مشيرا إلى أنه سنة 1991 التحق بالمجلس الثقافي البريطاني بالعاصمة، وتمكن بفضل الاجتهاد والإرادة من إتقان اللغة والنجاح فيها، ما سمح له بمواصلة تخصصه في مجالات تجمع بين الشريعة والفلسفة، خاصة ما تعلق بمقاصد الشريعة والقانون الإسلامي.
وأشار إلى أن اختياره لماليزيا جاء بعد بحث عن مؤسسة جامعية تواكب متطلبات العصر والتحديات الحضارية الحديثة، مؤكدا أن الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لم تكن مجرد جامعة محلية، بل مؤسسة تابعة لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة إسلامية، ما منحها بعدا عالميا.
وأضاف أن هذه الجامعة أُسست بمساهمة عدد من الدول الإسلامية، ضمن مشروع يهدف إلى إنشاء جامعات إسلامية في عدة دول مثل النيجر وبنغلاديش وأوغندا وباكستان، لخدمة أبناء الأمة الإسلامية في مختلف التخصصات، بما فيها الطب والهندسة والعلوم التطبيقية والإنسانية والقانون.
وأكد أن ما ميّز الجامعة هو اعتمادها على النظرة التكاملية للمعرفة، من خلال تحقيق التوازن بين العقل والوحي، والانفتاح على العلوم الحديثة وتطويرها، انطلاقا من رؤية حضارية تعتبر أن الحضارة الإسلامية كانت حلقة مهمة في مسار الحضارات الإنسانية وأسهمت في إنقاذ البشرية من الجهل لفترات طويلة.
كما كشف أنه، وبعد إنهاء مرحلة الماجستير، باشر مباشرة دراسة الدكتوراه في الجامعة الوطنية الحكومية، بالتوازي مع تدريسه في الجامعة الإسلامية، موضحا أن أبحاثه تمحورت حول العلاقة بين العقل والوحي، ومدى التوافق أو التعارض بينهما، من خلال مقارنات بين الفلاسفة المسلمين والفلاسفة الإغريق.
وأوضح أن موضوع الدكتوراه كان حول "التيسير في الشريعة الإسلامية كشفا وتنزيلا"، حيث ركز على إبراز كيف جاءت الشريعة لتيسير حياة الناس ورفع الحرج عنهم، مؤكدا أن هذه الأفكار لم تبق حبيسة الجانب النظري، بل تجسدت لاحقا في مشاريع عملية وميدانية.
وفي ختام اللقاء، تم فتح نقاش مع الطلبة، حيث أجاب عن مختلف تساؤلاتهم وتفاعل مع مداخلاتهم، في أجواء علمية مميزة، وبعد نهاية النشاط، تم تكريمه من طرف الإذاعة، إلى جانب مؤسسة وسام، تقديرا لمساهمته وإثرائه لهذا اللقاء.

