37

0

زوليخة عدي: الشهيدة التي تحدت فرنسا بشجاعتها، و أُعدِمت رميًا من الطائرة

في صفحات الثورة الجزائرية تروى بطولات وإنجازات نساء جزائريات قدمن الغالي والنفيس في سبيل نيل الحرية والاستقلال، فإلى جانب مشاركتهن الفعالة في مختلف الميادين، أثبتت المرأة الجزائرية شجاعة وبسالة منقطعة النظير، وجسدت أروع صور التضحية والفداء في سبيل الوطن. 
هاجر شرفي 
وفي هذا السياق، تبرز قصة الشهيدة يمينة الشايب، المعروفة حركياً باسم “زوليخة عدي”، كواحدة من أبرز نماذج هذه البطولة النسائية الاستثنائية. 

البطلة التي تجاوزت الخوف

ولدت يمينة الشايب في 7 ماي 1911 بمنطقة حجوط، ونشأت في كنف عائلة ثرية عريقة اشتهرت بتمسكها بالهوية الوطنية، مما زرع في نفسها بذور حب الوطن والدفاع عنه منذ الصغر٬ وقد انتقلت لاحقاً إلى مدينة شرشال حيث استقرت وبدأت مسيرتها النضالية الحافلة، وتميزت بذكاء حاد وقدرة تنظيمية عالية، مما جعلها تنخرط في العمل السياسي والثوري منذ البدايات الأولى للثورة، مستغلة مكانة عائلتها الاجتماعية لتوفير غطاء لنشاطها السري ومساعدة المجاهدين في كل المجالات.

مهام محفوفة بالمخاطر 

بعد اندلاع الثورة في نوفمبر 1954 وتصاعد العمل المسلح في جبال الظهرة وسيدي سميان، كُلفت زوليخة بمهام جسيمة، فكانت حلقة الوصل الرئيسية بين خلايا الفدائيين في الوسط الحضري وقادة جيش التحرير في الجبال، مما سهل عملية التواصل وتنسيق العمليات العسكرية بشكل كبير، كما أشرفت على جمع الاشتراكات المالية وتأمين الأدوية والمؤن، وهي مهمة تطلبت شجاعة فائقة لتجاوز الحواجز الأمنية الفرنسية وضمان وصول المساعدات للمجاهدين في الجبال، وبعد استشهاد القائد أبو القاسم العليوي، لعبت دوراً محورياً في إعادة تنظيم الصفوف وتوجيه العمليات، مما جعل المخابرات الفرنسية تصنفها على رأس قائمة المطلوبين تحت مسمى “العقل المدبر” في المنطقة.

ثمن الحرية: اعتقال وتعذيب بلا هوادة 

دفعت عائلة الشايب ثمناً باهظاً للحرية، حيث أعدمت قوات الاحتلال زوجها “سي العربي” وابنها الأكبر في بداية عام 1957، ورغم لوعة الفقد والحزن العميق، لم تتراجع زوليخة بل استمرت في نضالها حتى تم تطويق مخبئها في جبال “سيدي سميان” واعتقالها في 15 أكتوبر 1957، وثقت الصور التاريخية التي التقطها الجيش الفرنسي لحظات اعتقالها، حيث ظهرت جالسة بمقعد خلفي لسيارة عسكرية مكبلة اليدين، لكن بنظرات ملؤها التحدي والصمود، مما يبرز قوتها وشجاعتها في مواجهة العدو. 
خضعت زوليخة لاستنطاق وحشي لمدة عشرة أيام لم تدلِ خلالها بكلمة واحدة، حماية للثورة وعدم البوح بأي معلومات سرية، وفي محاولة لكسر معنويات الشعب وإخافتهم، قام الجنود الفرنسيون بسحلها خلف شاحنة عسكرية في شوارع شرشال أمام الملأ، في مشهد وحشي يعكس قسوة الاستعمار الفرنسي.

الموت السريع: إعدام جوي وحشي

وفي 25 أكتوبر 1957، نُفذ فيها الإعدام بطريقة “الموت السريع” التي ابتدعها الجنرال “بيجار”، حيث رُبطت مع رفيقين لها وأُلقي بهم من طائرة مروحية من ارتفاع شاهق وهم أحياء، في جريمة نكراء تعكس بطش الاستعمار الفرنسي .

بقيت زوليخة “شهيدة بلا قبر” لمدة 27 عاماً، حتى عام 1984، حين أدلى مواطن بشهادته حول عثوره عام 1957 على جثث محطمة في منطقة “مناصر”، فقام بدفنها سراً خوفاً من اكتشاف أمره من قبل السلطات الفرنسية، وعند فتح الموقع، تم العثور على رفات امرأة ومعها بقايا ملابس وساعة يد، وبإجراء الفحوصات والتعرف على المقتنيات من قبل ابنتها، تأكد رسمياً أنها الشهيدة زوليخة، ونُقل رفاتها ليدفن بكرامة في مقبرة الشهداء، لتظل رمزاً للبطولة والتضحية في سبيل الوطن.

استشهدت زوليخة عدي رميًا من الطائرة الفرنسية، في واحدة من أبشع جرائم الاستعمار، لم تكن تضحياتها مجرد حدث عابر في زمن الثورة، بل كانت رسالة خالدة تؤكد أن الحرية لم تكن هبة، بل ثمرة نضال مرير دفع ثمنه رجال ونساء آمنوا بالوطن حتى آخر نفس، وهكذا تظل زوليخة عدي رمزًا خالدًا للبطولة، وصوتًا صامتًا يروي للأجيال أن الجزائر كُتبت بدماء الأوفياء، وأن المجد لا يُصنع إلا بالتضحية .

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services