10

0

رؤى نقدية في فواجع الساعة "الثامنة بتوقيت الموت"

 

 

 

 

 

 

 

فراس حج محمد / فلسطين

يمكن أن يعدّ ديوان "الثامنة بتوقيت الموت" للشاعر الفلسطيني المقيم في غزة محمد الذهبي، وثيقة أدبية وتاريخية وإنسانية مصوغة بروائح الموت والدمار، ينضاف إلى غيره من السرديات والنصوص التي ولدت في سياق غزة المبادة، عدا أن هذه المدونة الشعرية والنثرية للذهبي ولزملائه من الكتاب المقيمين أو الذين كانوا مقيمين هناك في غزة، لا تكتفي برصد وقائع الإبادة الجماعية التي استمرت أكثر من سنتين في غزة (2023- 2025) فحسب، بل تعيد صياغة مفهوم أدب المقاومة من منظور وجودي ينحو نحو التفكيك والنفي وسقوط الشعارات الكبرى، أدب يعود كاتبوه إلى اللحظة الأولى من عمر الزمن، حيث أكبر أماني الناس الأمن ولقمة الخبز والشعور بالدفء، وألا تسقط السماء عليهم كِسفاً أو حمماً محملة بنذر الموت وشياطينه المفجوعة بشهية شرهةٍ للدم واللحم.

صدر الديوان عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر في القاهرة عام 2025، ويقع في (95) صفحة، ويتألف من قسمين أساسيين، الأول ست سرديات نثرية جاءت تحت عنوان "مفتتح"، وتليها القسم الثاني بعنوان "نصوص"، وفيه واحدة وسبعون قطعة شعرية، تتراوح في بنائها الفني بين قصيدة النثر والومضة الشعرية وقصيدة التفعيلة، إن هذا المزيج الأجناسي يعكس حالة الارتباك الوجودي والتشظي الذي يعيشه الشاعر كإنسان ونازح وصحفي وجد نفسه في مواجهة آلات الموت التي لا تتوقف ولا ترحم ولا تسائل نفسها، محاولاً تحويل الحبر الساخن إلى مرآة تعكس أهوال العدوان بكل أشكاله ومصائبه بفتح الجراح كلها دون مواربة أو مدارة.

نجح الشاعر الذهبي- الذي يعمل في الحقل الإعلامي- في تجاوز حدود التقرير الصحفي؛ ليدخل أرضاً أخرى، عمادها الجملة الشعرية المعبرة، مقدماً عملاً نقدياً للواقع عبر استراتيجية التفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر المأساة، يبدأ الديوان- قبل السرديات الست- بنصّ عنوانه "هوامش من رحم النزوح"، يضع القارئ- عَبْـره- في قلب التجربة الماديّة للنزوح، حيث لا تشكل الخيمة مأوى، بل قبراً قماشياً يتربص بساكنيه.

وأما عنوان الديوان فهو عنوان أحد نصوص الديوان، ويتعاضد المعنى مع كل النصوص الأخرى، حيث الثامنة ليست توقيتاً طبيعياً يُحسب في ساعات السكان والمراقبين الدوليين والمحليين، بل هي اللحظة الفاصلة بين الوجود والعدم، وكذلك كل ساعة زمنية في غزة، يمكن أن تكون هي الساعة القاتلة، أو الساعة الفاصلة بين حالتين متضادتين، هذه الساعات التي لم تنفكّ عن فعل النزوح نفسه، خلال التنقلات المتتابعة أو خلال الإقامة في الخيمة، ليبدو للزمن مفهوم آخر، يتجاوز مفهوم "الزمن النفسي" الخاص، إلى زمن من نوع آخر، أكثر حدية وجدية، وتشكل فيه كل دقيقة معنى وجوديا فارقاً، فكأنه "زمن وجوديّ"، ليس بالمعنى الفلسفي فقط، بل بالترجمة الواقعية الحقيقة الملموسة خلال الحرب، وما شهده الناس هناك، فكل القطاع كان مجبولا بالزمن، ومجبورا على الدخول في طقوسه تلك، ولعله من المناسب أن أشير ولو إشارة عابرة، كيف صار للزمن حضوره في كل شيء، وعند من له ارتباط بغزة، فهذا المكان المفخخ بالموت والأيديولوجيا المعادية ضبط إيقاع الوقت حتى في العالم، وله تجليات واضحة، يمكن أن تدرس على مهلٍ وأناة لما فيها من معانٍ ظاهرة ومخفيّة، فكل هذا التشبّع الواعي وغير الواعي للزمن فرض نوعا من السيطرة الذهنية على نصوص الشاعر، وقد انعكست أولا في العنوان وثانيا في نصوص الديوان، ومع ذلك، لا يصور الشاعر الإبادة الجماعية كحدث تاريخي ضخم بكلمات رنانة، بل ينحاز إلى التفاصيل الدقيقة التي تشكل حياة الغزي تحت الحصار، فيبرز الوقت كعدو أول ومن خلال تلك التفاصيل الإنسانية يكتشف القارئ عمق ما خلفته تلك الجرائم.

تتشكل بنية الديوان من هندسة مقصودة تفصل بين السرد التوثيقي والتكثيف الشعري، فالسرديات النثرية الست الأولى تعمل كمقدمات سيميائية تشرح الظروف البيولوجية للضحايا، سواء أكانوا قتلى أم مشردين نازحين، بينما القصائد اللاحقة تحاول القبض على المعنى الفلسفي لهذه الظروف، هذه الثنائية (السرد شعرية) تعكس طبيعة الحياة في غزة؛ حيث لا يكفي الشعر لوصف الحالة، بل يحتاج الأمر إلى سرد يثبت التفاصيل المادية التي تسبق الفعل الإبداعي، كما أن كثافة الفعل الإجرامي يساهم بشكل أو بآخر في ظل الظروف المعقدة؛ لأن ينحو الشاعر نحو تكثيف النص وتبئيره ليصبح شبيها بلحظة انفجار الصاروخ، والتهام الضحايا بأقل وقت ممكن.

وأحياناً، يمثل الانتقال من السرد إلى النص الشعري تحولاً من الشهادة الموجعة إلى الاحتجاج، ففي نص "أنا إنسان"، يفكك الشاعر محمد الذهبي مفهوم الإنسانية من خلال علاقة النازح بالفأر، يقول: "أجل، أنا نازح يخشى الفار الذي قرَضَ شحمة أذنِ طفلةٍ قبل ثلاثين عاما، أخافُ إخوته وأحفاده الذين تسكَّع أحدهم على صدري خلسة قبل أيام؛ أنا إنسان"، هنا تصبح الإنسانية هي القدرة على الشعور بالخوف المبتذل من حيوان صغير مذعور دائماً وسط رعب الصواريخ، وهي محاولة لاستعادة الفردية التي تحاول عقلية الحرب وآلاتها الهوجاء صهرها في أرقام صماء، وهذا يحوّل حياة الناس وأزمنتهم الوجودية إلى هباء منثور بلا قيمة تذكر.

يحتل الجوع مكانة مركزية في الديوان، حيث يتحول من حاجة غريزية إلى إدانة إنسانية، في نص "وليمة في زمن المجاعة"، يصف الشاعر وجبة البطاطس والأرز التي تتعدى تكلفتها خمسين دولاراً بأنها وجبة أثرياء، بينما يراقبه أطفال جائعون يعتصر قلوبهم الألم، هذه المفارقة تبرز حجم الانحدار الأخلاقي للعالم الذي يسمح بتجويع شعب كامل، تجاوز عدده مليوني إنسان.

في قصيدة "خبز عاجل"، يسخر الشاعر من لغة الإعلام (العاجل) التي كثرت كثرة لافتة خلال الحرب، فوراء كل "خبر عاجل" كارثة عاجلة، مقابل بطء توفير الرغيف، يقول:

جاء في خبز عاجل هذا الصباح

أن الجارة دلال

نادت زوجتها في خبز عاجل:  نفد الدقيق!

إن الربط بين "العاجل" الإخباري و"الرغيف" المفقود يظهر عبثية الخطاب العالمي الذي يستهلك أخبار غزة كوجبات سريعة بينما يموت الناس جوعاً وعطشاً.

وربما حمل استحضار أيقونتين من أيقونات الغناء العربي؛ أم كلثوم وعبد الحليم دلالات مهمة على مستوى النص والرؤيا الإبداعية، فهما أيقونتان شعبيتان، وارتبط اسمهما بالحروب، فقد أسهما في كثير من الأغاني لدعم المجهود الحربي المصري العربي الذي له علاقة ما بفلسطين، عدا أن الاتكاء عليهما في الديوان وسط ركام غزة، يتجاوز الترف الجمالي إلى أن تصبح تقنية تصنع المفارقة الساخرة التي تعمق الإحساس بالبشاعة وفقدان الزمن الجميل.

وفي السردية الثانية من المجموعة الأولى، يصف الشاعر جلسته تحت المسيرات العسكرية والطائرات الحربية، وهو يستمع لأم كلثوم تغني "أراك عصي الدمع"، فينفجر بالبكاء، إن حضور أم كلثوم يمثل الزمن القومي الضائع؛ ويتلبس النص بمعنى "رثاء النفس" أيضا، ليمزح الإحساسين القومي والذاتي في سياق واحد، فبينما تغني الست عن الكبرياء والتمرد، يجد الشاعر نفسه "مسجى هناك" بلا كرامة إنسانية تحت وطأة الجوع والنزوح، وفي قصيدة "وليمة في زمن المجاعة"، تصدح أم كلثوم بعبارة "كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله"، لتعمل كخلفية موسيقية لمشهد أطفال يتضورون جوعاً، مما يخلق تضاداً حاداً بين الذاكرة الفنية الجمعية والواقع المرير، ولينقل النص الكلثومي من دائرة العاطفة الوجدانية إلى عاطفة التحسر على الحياة الماضية القريبة، حيث لم يكن الغزاوي يموت جوعاً أو من البرد الشديد.

يستحضر الشاعر عبد الحليم في سياقات تهكمية وحزينة، حيث تغيب "الرومانسية" الثورية في قوله "وطني حبيبي وطني الأكبر"؛ لتحل محلها "واقعية الموت" وانعدام الوطن،و في قصيدة "هوية"، يقول:

غَفى العندليب وبهَتَت الأنوار !

وعن اسميكما؛

تعلقا بِغَيمة بعيدة

متى يأتي المطر؟

أخافُ أن تُمطر الدُّنيا ولست معي!

إن غياب العندليب هو غياب للأمل وللصوت الذي كان يغني للانتصارات والهوية، فحضور عبد الحليم في الديوان يرتبط بالسخرية من "أساطير المجد" التي لم تنقذ غزة من القصف، وفي ذيل النص مع عبد الحليم يستحضر الذهبيُّ الشاعرَ نزار قباني بأغنية كاظم الساهر "حبيبتي والمطر" من خلال مطلعها "أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي"، هذه الأمنية التي غدت واقعا مريعا في غزة التي تغرق كلها تحت المطر.

لقد قلبت أوضاع غزة خلال الحرب معاني كثير من الموروث الأدبي والشعري، ليغدو مضاداً، بلا جدوى ولا معنى له، ليس في أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وكاظم الساهر فقط بل سيراها القارئ كذلك في أشعار محمود درويش ونصوصه.

يمثل موقف محمد الذهبي من إرث محمود درويش نقطة تحول نقدية لافتة للنظر، فإذا كان درويش قد رسخ مقولة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" كبيان عامّ للصمود الفلسطيني، فإن الذهبي يأتي في ديوانه "الثامنة بتوقيت الموت" لينفي هذه المقولة تماماً في قصيدة بعنوان "وهم"، يقول الذهبي في القصيدة:

"على هذه الأرض.. موت واحتراق..

على هذه الأرض.. يشتعل الفراق..

على هذه الأرض.. جوع ورياء..

على هذه الأرض.. ما لا يستحق الحياة!".

هذا النفي هو إعلان عن "سقوط الاستعارات الكبرى"، يرى الذهبي أن غزة بعد الحرب ليست غزة التي كتب عنها درويش في السبعينيات أو حتى غزة قبل السابع من أكتوبر 2023، وربما فتحت هذه المسألة باب المقارنة بين نصوص درويش عن غزة وبين نص الذهبي وغيره من المبدعين، فغزة الذهبي هي الدرس الوحشي الذي تجاوز كل الأوصاف الشاعرية، فبينما رأى درويش غزة تعادل تاريخ أمة، كما يراها الذهبي "مثوى الفقراء البائس" و"سنابل جفت"، وبذلك فإن ما على هذه الأرض- غزة- ما يستحق الحياة، وليس فقط ما لا يستحق الحياة.

يعمل التناص هنا كأداة "هدم" للطمأنينة الزائفة التي قد تمنحها القصيدة الثورية القديمة، فإذا كانت غزة ذات ملامح أسطورية في نص درويش، كانت مثالا للديستوبيا المدمرة في شعر محمد الذهبي في ديوانه هذا.

إذاً، يشتبك الذهبي مع خطاب درويش الذي يقول في نص "صمت من أجل غزة": "غزة تملك جدارة الحياة"، يعمّق الذهبي هذا المعنى بالتركيز على أن القيم في غزة تختلف، فالبقاء على قيد الحياة تحت الإبادة هو "انتحار بطيء" وليس حياة تستحق التمجيد، إن لا استحقاق الحياة عند الذهبي هو صرخة احتجاج ضد عالم يرى الفلسطيني يموت ولا يتحرك، وكأن الحياة نفسها أصبحت عبئاً ثقيلاً على الضحية التي تفضل الموت الهادئ على الحياة المشوهة.

يعد الغضب المحرك الأساسي للعديد من نصوص الحرب لدى أدباء غزة الذين كتبوا في سياق الحرب نصوصهم، بمن فيهم ديوان "الثامنة بتوقيت الموت"، وهو غضب لا يتوجه فقط نحو العدو، بل نحو "الزعامات"، و"العروبة"، و"الإنسانية" المدعية، ويتوسل الشاعر بالسخرية السوداء، لتمرير مرارته وتفكيك هيبة القتلة والوسطاء والمشاهدين جميعاً.

يخصص الذهبي مساحة واسعة لنقد القيادات السياسية نقدا لاذعاً من خلال قصائد مثل "فخامة الرئيس" و"المفاوض" و"أصحاب السيادة"، ففي قصيدة "فخامة الرئيس"، يسخر من خطابات العزاء الرسمية:

رَئيسُنا رأسُ بَصَل...

من قَلبِنا رَحَل...

رَئيسُنا رأسُ بَصَل...

بكي وانفعل..

عجزاً وألم!

مات الرئيس..

وعاشَ رأسُ البَصَل!

هذا الاختزال للفخامة في "رأس بصل" يعكس احتقار الشاعر للوعود الزائفة والنفاق السياسي الذي يأتي من أعلى رأس في الهرم السلطوي في فلسطين، هذا الاحتقار هو الذي جعل رأس البصل أهم من الرئيس، ليهتف بحياة الأول وبموت الثاني، لأن ثمة فائدة لرأس البصل في تلك الحرب لم تكن لفخامته، هكذا تعيد الحرب ترتيب الأشياء والقيم في وعي الشاعر المصلوب في الوقت منتظرا الموت بين كل موتين متجاورين.

وفي قصيدة "أصحاب السيادة"، يجرد الشاعر هؤلاء المدعين بأنهم من السادة أو القادة أو حتى الشهداء من كل ما تعلّق بهم من وهم، ليقول:

لا سعادة ولا سيادة...

لا شَهادة ولا وطن...

ورقة!

من كتاب تاریخ صفحاته ممسوحة!

عن الأنجاس واللئام..

وأصحاب اللثام..

بأفعال عنتر زمان.

هذا الهجوم يعكس شعور الإنسان الغزي بالخديعة من قبل النخب التي تتاجر بدمائه، أما العروبة، فيراها الشاعر في قصيدة "عشم" "رسم وهنُ ووهم قد هوى"، مؤكداً أن أوطان العروبة لم تعد موجودة إلا في الأغاني البالية والأناشيد التي أكلت مشاعره واستهلكتها بلا طائل، فلم تعد "بلاد العرب أوطاني"، فهذا النشيد العروبيّ الذي تشبع به الشاعر وجيله، تفضحه الحرب وتداعياتها، ليكتشف أنه لم يكن أكثر من كذبة بائسة.

تتجلى السخرية السوداء في قصيدة "زومبي"، حيث يصف الفلسطيني بأنه "المصلوب الوحيد/ لا مات ولا عاش"، هذه الحالة من "بينَ بين" هي التي تميز إنسان غزة؛ فهو "نصف حي" و"نصف ميت" في آن واحد، وفي قصيدة "انتحار"، يسخر من مفهوم المواطن الغاضب الذي يشرب العقاقير لانقطاع عيشه، بينما الشعب ثار في الآثار، "وأما سيد القرار/ فأغدق صمتا في وقار/ لم يلذ بالفرارْ/ كم نحن فِقارْ"، هذا التباين يبرز حالة التيه والضياع، ويصنع مشهدية مؤلمة تستدعي السخرية المرّة.

يتميز أسلوب محمد الذهبي بما يمكن تسميته شعرية الارتطام بالواقع، اللغة في الديوان خالية من التزويق، تميل إلى الإيقاع السريع الانفعالي العفوي و"الومضة" المكثفة التي تشبه شظية القنبلة، ليكون قادراً على إدانة كل من حوله، ممن يتابع أفعال الإبادة ولا يرى فيها مبرراً للتحرك أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من غزة التي لم تعد غزة، فالنتيجة الطبيعة الكفر بكل تلك القيم والرموز فلم يعد لها قيمة في ظل هذا الضياع الممتد بلا نهاية:

على هامش اليأس كفرنا

بالحزب والأغنيات والوطن؛

بالبلاد والعِبادِ والمحن

عُقِرنا.. بترنا.. فامتعضنا

وئدنا؛ فنادي القصر :

عاشَ الوَطَن!

عاشَ الوَطَن!

يستخدم الشاعر تقنية "تراسل الحواس" لتقريب بشاعة الموت، فنحن "نشم رائحة الحرب في العقول"، و"نرى أنين الموت"، و"نتذوق طعم الدهشة المر"، وفي قصيدة "رثاء"، يقول:

ستبقى رائحة الحرب تفوح في عقولنا

ذاكرة الفراق غضّة

ذاكرة الموت رثاء.

هنا تتحول الرائحة من مدرك حسي إلى فعل ذهني، يستوطن الذاكرة الجمعية، كما أن صوت الصواريخ يتحول إلى وحش مجنون ينهش الروح.

أما المكان فيتحول في الديوان من مدينة جميلة كانت عروساً إلى مدينة ميتة مطفأة ومقبرة أموات،  وتبرز الخيمة رمزاً للتحول الجذري في الواقع الفلسطيني البائس جدا بعد الحرب وخلالها؛ فهي لم تعد ملجأ مؤقتاً لحين العودة التي كانت أملاً شبه قريب، بل أصبحت رمزا للموت المؤجل والهزيمة الواضحة، فلا شيء ثابت إلا الحرب والكل متغيّر تحت وطأتها، حيث دفعت الحرب الناس ليغيروا من تفاصيل حياتهم الصغيرة: "منذ عام وأيام، الثابت الوحيد هو الحرب، ونحن المتغيرون، متغيرون في كل شيء، في أرواحنا وتصرفاتنا وردود أفعالنا".

وفي مواجهة المحرقة التي تهدف إلى محو الأسماء وتحويل البشر إلى أرقام، يصر الشاعر على ذكر تفاصيله الشخصية، فيذكر خوفه من الفئران- كما سبق وذكرت أعلاه- وبرد الضحايا المشردين، وضياع خيامهم في البحر، هذا الإصرار على الذات وتصرفاتها وما يتعلق بها هو فعل مقاومة وجودي، فالشاعر لا يريد أن يكون بطلاً أسطورياً، بل يريد أن يكون إنساناً عادياً يشتري برتقالة ويخاف عليها من السرقة، ويلتذذ بطعمها كأي إنسان عاديّ يأكل برتقال؛ كأن هذه الحرب جرّدت الفلسطيني من أهل غزة بالإحساس الآدمي بالحياة ومذاقاتها في هذه الأشياء التي لم يكن لها هذا الحضور المكثف لولا الحرب وويلاتها، ومرّة أخرى أسهمت الحرب في انقلاب المفاهيم والشعريات والقيم.

في قصيدة "أو شيء ما" يتمنى الشاعر أن يتحول إلى "عصفور يهرب من الصواريخ وأزيز الرصاص"، أو "غيمة تقفز فوق الطائرات فلا تراني"، أو حتى ذبابة أو حشرة تستطيع اجتياز الحدود والهروب من "حفلة الموت" هذا التصور الممسوخ للذات يعبر عن ذلك الإحساس باليأس المطبق الذي لا يمكن أن ينبت الأمل في وجوده؛ فالكائنات الدنيا (الحقيرة) أصبحت تملك حرية حركة يفتقدها الإنسان المحاصر في غزة المحكوم عليه بالموت قصفا أو جوعا أو بهما معا، فكم من جائع مات قصفا بالصواريخ والأسلحة النارية المتطورة، وهي سخرية لاذعة من القوانين الدولية التي لم تعد تحفل بالإنسان الغزي، ولا تحمي الأطفال المحاصرين المعرضين للموت في كل حين، فهي لم تعد تراه، وكأن هذه القصيدة ترجمة شعرية لما قالته- وهي تبكي- واحدة من الصحفيات الناشاطات من قلب غزة بأننا أصبحنا غير مرئيين في غزة، وهي تخاطب المؤسسات الدولية والإعلام العالمي الذي كان يغض الطرف، بل ويتسلى بالمعاناة، كأن هؤلاء ليسوا بشراً يجب على الضمير الإنساني أن يفعل شيئا ما لينقذ حياتهم.

إن ديوان "الثامنة بتوقيت الموت" للشاعر محمد الذهبي يمثل صرخة احتجاج إنسانية ضد الإبادة الجماعية، وضد النسيان، ويفضح الخذلان، ويؤكد الخيبة الشخصية والجماعية، وقد نجح الشاعر في توظيف الرموز الفنية والتناصات مع غيره من الشعراء؛ لخلق لغة شعرية جديدة، لغة ما بعد الاستعارة، حيث الكلمة لم تعد تجمّل الواقع بل تصدمه، وهذا ملمح مهم من ملامح قصائد الإبادة ونصوصها إجمالاً، حيث الواقع قد فاق كل تصوّر، فجاءت اللغة الواقعية متجاوزة الاستعارات الشعرية التي يتكئ عليها الشاعر- عادة- في التعبير، فمن أين له باستعارة أكبر من هذا الواقع، لذلك ولدت لغة "ما بعد الاستعارة" في شعر شعراء غزة بعد حرب الإبادة، وقد التفت إلى مثل هذه الملاحظة الشاعر خالد جمعة الذي كتب ديوانه عن الحرب أيضاً "واختلطت عليك الخيلُ" خلال فعالية إطلاق الديوان في متحف محمود درويش بتاريخ: 3/11/2025.

يبقى ديوان "الثامنة بتوقيت الموت" وثيقة تاريخية وأدبية وإنسانية مشبعة بكل معاني الموت والحزن واليأس والخراب النفسي والمادي، ليذكّر القارئ، الآن وبعد حين، بأن غزة عاشت أقسى ظروفها التاريخية، ليغدو الديوان ساعة الحقيقة التي يواجه فيها الشاعر والقرّاء مرآة ضميرهم، في زمن لم يعد فيه للحبر قيمة إلا إذا كان ممزوجاً بدم الضحايا وعرق النازحين، على الرغم من أن الشاعر لا يطالب أحدا بفعل أي شيء، إنما هو يكتب ليوثق على طريقته تلك الحالة من الموت الفريد، وقعت تحت عين العالم وبصره وفكره التنويري التحرري والفلسفيّ، لكنّ غزة كانت خارج كل هذا السياق، ليفترسها وحش العقل التكنولوجي المتحكمة به شهية موت لا ترتوي من دماء الضحايا ولا تشبع من لحمهم الطريّ أو عظامهم الطفولية الهشة، فأي عالم هذا الذي نحيا فيه؟ إن مآلات الحرب على غزة كفيلة بأن تقدّم إجابة بليغة لهذا السؤال، ولكل سؤال مشابه في المستقبل.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services