10
0
رقان… جريمة نووية لا تسقط بالتقادم

الحاج بن معمر
ستة وستون عامًا مرّت على تفجيرات رقان النووية التي نفذتها فرنسا الاستعمارية في قلب الصحراء الجزائرية، لكن الزمن لم ينجح في دفن الحقيقة، ولم تُطفئ السنوات وهج الذاكرة أو تُخفف وطأة الألم الذي ما تزال آثاره تسكن الأجساد والتربة والوعي الجمعي.
في الثالث عشر من فبراير عام 1960 دوّى أول تفجير نووي فرنسي في منطقة رقان جنوب الجزائر، معلنًا دخول فرنسا النادي النووي، لكنه في المقابل دشّن فصلًا مظلمًا من فصول التاريخ الاستعماري، حيث تحوّلت الأرض الجزائرية إلى مختبر مفتوح، وتحول السكان المدنيون إلى ضحايا غير مرئيين في سباق تسلّح عالمي لم يستأذنهم ولم يعترف بوجودهم.
لم تكن رقان مجرد موقع تجارب عسكرية معزول في صحراء شاسعة كما روّجت الدعاية الرسمية آنذاك، بل كانت فضاءً مأهولًا بالبشر، بالرعاة، بالنساء والأطفال، بالجنود الجزائريين المجنّدين قسرًا، وبمجتمعات كاملة لم تكن تعلم أن سماءها ستُمطر رمادًا مشعًا سيستقر في صدورها لعقود.
إن استحضار الذكرى السادسة والستين اليوم ليس تمرينًا في البكاء على الأطلال، بل هو استدعاءٌ لملف لم يُغلق، وجرح لم يلتئم، وجريمة استعمارية تتوافر فيها كل عناصر الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان كما تُعرّفها المواثيق الدولية الحديثة، حتى وإن كانت قد ارتُكبت قبل أن تتبلور تلك المواثيق بصيغتها الراهنة.
لقد اختارت فرنسا الصحراء الجزائرية مسرحًا لتجاربها النووية لأنها أرض مستعمَرة، ولأن القرار السياسي كان يعتبر أن المخاطر يمكن أن تُدار بعيدًا عن التراب الأوروبي، وهو ما يعكس منطقًا استعماريًا يقوم على تراتبية ضمنية في قيمة الإنسان. هذا البعد الأخلاقي والسياسي شدد عليه عدد من المؤرخين الفرنسيين الذين أعادوا قراءة تلك المرحلة، ومن بينهم المؤرخ الفرنسي المعروف بنجامين ستورا الذي أقرّ في عدة كتابات ومداخلات بأن ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا يظل مفتوحًا ومثقلًا بوقائع لم تُواجه بعد بالقدر الكافي من الصراحة، مؤكدًا أن التجارب النووية في الصحراء تمثل إحدى أعقد القضايا المرتبطة بالإرث الاستعماري.
إن دويّ القنبلة الأولى التي حملت اسم “اليربوع الأزرق” لم يكن مجرد حدث تقني؛ فقد بلغت قوتها التفجيرية أضعاف قنبلة هيروشيما، وانتشرت سحابة مشعة تجاوزت الحدود الجغرافية الضيقة لموقع التفجير، وفق ما أظهرته لاحقًا خرائط الانتشار الإشعاعي التي كشفت عنها تقارير صحفية وتحقيقات مستقلة.
في ذلك السياق، لم تكن إجراءات الحماية المطبقة على السكان المحليين ترقى إلى مستوى الخطر الحقيقي، بل تشير شهادات عديدة إلى أن بعض التجارب جرت في ظروف مكشوفة نسبيًا، وأن السكان لم يُبلغوا بطبيعة المخاطر التي تحيط بهم، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مبدأ “الرضا المستنير” الذي أصبح لاحقًا حجر زاوية في أخلاقيات أي نشاط ذي مخاطر صحية جسيمة. ومن داخل فرنسا نفسها، برزت أصوات حقوقية انتقدت طريقة تعامل الدولة مع ملف الضحايا، ومن بينها المحامية والناشطة الفرنسية ماري-آن توبّيانا التي رافعت عن ضحايا التجارب النووية واعتبرت أن آليات التعويض المعتمدة ظلت لفترة طويلة معقدة ومقيّدة بشروط صارمة تجعل حصول الضحايا، خصوصًا من الجزائريين، على حقوقهم أمرًا شاقًا.
إن البعد الصحي لهذه القضية لا يقل خطورة عن بعدها السياسي؛ فالإشعاع النووي لا يترك أثرًا فوريًا فحسب، بل يمتد تأثيره لسنوات طويلة عبر أمراض سرطانية واضطرابات دموية وتشوهات خلقية محتملة، وهي معطيات يؤكدها العلم الحديث في كل الدراسات المتعلقة بالتعرّض للإشعاع المؤين.
وفي مناطق جنوب الجزائر، ما تزال روايات السكان المحليين تتحدث عن ارتفاع غير طبيعي في بعض الأمراض، وعن معاناة عائلات فقدت أبناءها أو عاشت مع أمراض مزمنة دون اعتراف رسمي واضح يربط بين تلك الحالات وسياق التفجيرات.
هذه الشهادات الشعبية، وإن كانت تحتاج دائمًا إلى دراسات وبائية دقيقة، تشكّل عنصرًا أساسيًا في بناء سردية الذاكرة، لأنها تعبّر عن معايشة مباشرة للأثر، بعيدًا عن لغة الأرشيف الباردة.
وقد أشار عدد من الباحثين الفرنسيين المتخصصين في التاريخ النووي إلى أن الأرشيف المتعلق بالتجارب ظل لفترة طويلة خاضعًا للسرية العسكرية، ما صعّب على المؤرخين والضحايا الوصول إلى المعلومات الكاملة حول حجم الإشعاع وإجراءات السلامة المتبعة آنذاك.
إن مسألة فتح الأرشيف تُعد اليوم مطلبًا مركزيًا في مسار العدالة الذاكراتية، لأن الحقيقة التاريخية لا تُبنى على التخمين، بل على الوثائق.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤرخون أن الاعتراف لا ينبغي أن يكون رمزيًا فقط، بل أن يترافق مع كشف كامل للمعطيات التقنية والطبية المتعلقة بالتجارب، حتى يُتاح للخبراء تقييم الأثر الحقيقي على الإنسان والبيئة.
في المقابل، سنت فرنسا تشريعات لتعويض بعض ضحايا تجاربها النووية، غير أن جمعيات حقوقية فرنسية وجزائرية اعتبرت أن شروط الاستفادة كانت في بداياتها ضيقة للغاية، وأن عبء الإثبات وُضع على عاتق الضحية بدل أن تتحمل الدولة مسؤولية أوسع، وهو ما أعاد فتح النقاش حول العدالة الانتقالية ومعاييرها.
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في قيمة التعويضات المادية، بل في الاعتراف الصريح بأن ما جرى لم يكن مجرد خيار تقني معزول عن سياقه، بل كان نتاج منظومة استعمارية وضعت اعتبارات القوة فوق كرامة الإنسان المستعمَر.
هنا تتقاطع الذاكرة مع القانون الدولي؛ فمفهوم الجريمة ضد الإنسانية، كما تطور بعد الحرب العالمية الثانية، يقوم على أن بعض الانتهاكات الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف حق دائم.
ورغم أن توصيفًا قانونيًا دقيقًا يتطلب مسارًا قضائيًا معقدًا، فإن البعد الأخلاقي والسياسي واضح: لا يمكن طيّ الصفحة دون قراءة ما كُتب فيها.
لقد أصبحت رقان رمزًا لمعركة أوسع تتعلق بالذاكرة الاستعمارية بين الجزائر وفرنسا، وهي معركة لا تُدار بالسلاح بل بالكلمات والوثائق والإرادة السياسية. وفي كل ذكرى جديدة، يعود السؤال ذاته: هل يكفي التعبير عن “الأسف”؟ أم أن المرحلة تقتضي انتقالًا نحو اعتراف رسمي كامل، مقرون بآليات عملية لمعالجة الآثار البيئية والصحية؟ إن التربة التي احتضنت الانفجارات ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها جزء من السيادة الوطنية والكرامة الجماعية. لذلك، فإن مطلب تطهير المواقع المتضررة من أي مخلفات مشعة، وإجراء دراسات مستقلة بشفافية، يندرج ضمن حقوق الدولة والمجتمع معًا.
كما أن إشراك خبراء دوليين قد يسهم في بناء ثقة متبادلة قائمة على العلم لا على الخطاب السياسي وحده.
إن رقان ليست قصة ماضٍ منسي، بل مرآة تعكس كيف يمكن للتقدم التكنولوجي أن يتحول إلى أداة انتهاك عندما ينفصل عن الضوابط الأخلاقية. وإذا كانت فرنسا قد احتفت يومًا بدخولها العصر النووي، فإن على الذاكرة الإنسانية أن تتذكر أيضًا الثمن الذي دُفع خارج حدودها الأوروبية.
إن العدالة هنا ليست انتقامًا، بل تصحيحًا لمسار التاريخ، وإعادة اعتبار لأناس لم يكن لهم صوت في لحظة اتخاذ القرار.
بعد ستة وستين عامًا، لم تعد القضية مجرد خلاف دبلوماسي، بل أصبحت اختبارًا لمدى قدرة الدول على مواجهة ماضيها بشجاعة.
فالتاريخ، مهما طال الزمن، لا يُمحى بالتجاهل، والجرائم الكبرى لا يبتلعها الرمل، حتى وإن كانت قد ارتُكبت في عمق الصحراء. رقان اليوم ليست فقط اسم منطقة في الجنوب الجزائري، بل عنوان لمعركة الذاكرة والاعتراف، ومعيارًا أخلاقيًا يُقاس به صدق الإرادة في طيّ صفحات الاستعمار على أساس الحقيقة والإنصاف.
وفي ظل عالم يرفع شعارات حقوق الإنسان والعدالة الدولية، تبقى رقان شاهدًا على أن هذه المبادئ لا تكتمل إلا عندما تشمل الجميع، بلا تمييز في الجغرافيا أو اللون أو التاريخ.

