68

0

رغم أنها تزخر بفئة مثقفة ومتقدمة علميا وعمليا في قطاعات شتى.. تبقى الإسلاموفوبيا والتمثيل السياسي الضعيف كبرى تحديات جاليتنا في الغرب!!

حوار، مع الشيخ محمد زاهد ابن العلامة عبد الفتاح أبو غدة، الداعية الكاتب والمترجم من كندا.

بواسطة: بركة نيوز

 

 

 الجزء الأول 

 محمد مصطفى حابس: جينيف / سويسرا

 

يشهد العالم اليوم تحولات ديموغرافية واجتماعية وثقافية هامة، حيث أصبحت المجتمعات الغربية أكثر تنوعا واختلاطا. وفي هذا السياق، يبرز موضوع الإسلام والمسلمين في الغرب كموضوع حيوي ومهم للبحث والدراسة، خاصة في القارة الامريكية، إذ تعتبر كندا واحدة من الدول الغربية التي شهدت نمواً ملحوظاً في عدد المسلمين، حيث يأتي المسلمون من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الدول العربية كالجزائر ولبنان وسورية.

كما يشكل الوجود الإسلامي في غير أوروبا، لا سيما في القارة الامريكية، ظاهرة اجتماعية وثقافية متنامية تستحق الدراسة والتأمل، حيث أصبحت كندا في العقود الأخيرة موطناً لمجتمع إسلامي متنوع يجمع بين مهاجرين من دول عربية وإسلامية شتى، إضافة إلى مسلمين من أصول غير عربية واعتنقوا الإسلام في بيئة تميّزها الحرية الدينية والتعدد الثقافي.

ويطرح هذا التنوع أسئلة مهمة حول كيفية اندماج المسلمين في المجتمع الكندي دون التفريط في هويتهم الدينية، وحول الأساليب التي يمكن بها تعزيز قيم التفاهم والتعايش المتبادل بين مختلف المكونات المجتمعية.

نتناول في هذا الحوار، مع الشيخ محمد زاهد ابن العلامة عبد الفتاح أبو غدة، أبعاد التجربة الإسلامية في كندا مسلّطين الضوء على التحديات والفرص التي تواجه الجالية المسلمة هناك، مستعرضين كيفية الحفاظ على القيم الإسلامية الأصيلة ضمن سياق مجتمع غربي علماني، والإسهام الإيجابي في بناء المجتمع الكندي الحديث، وتعزيز جسور الحوار بين الأديان والثقافات في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم والاحترام المتبادل، في وجه التحدي الأكبر لجاليتنا وهو الإسلاموفوبيا والتمثيل السياسي الضعيف.

كما نستعرض بعض محطات نجاح مشتركة لأفراد جاليتنا، تعزز التعايش السلمي وتبني جسوراً مع المجتمع الكندي الغربي عموما.

 

 

   قبل الخوض في تفاصيل حوارنا المتشعب، والذي يحتاج حلقات و حلقات، كيف يقدم الأستاذ الدكتور زاهد أبوغدة نفسه للقراء؟ من هو ما تخصص؟  وأين هو، وماذا يشتغل حاليا؟ وأين؟

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى أهله وصحبه أجمعين.

العبد الفقير محمد زاهد أبو غدة، من نعم الله عليّ أن قدر لي أن أكون ابن الشيخ العلامة عبد الفتاح أبوغدة رحمه الله تعالى، وهذا ما أفتخر به وأعتز به، وأحمد الله عز وجل أن جعلني أنشأ تحت رعاية وتوجيه والدي رحمه الله تعالى، وأن أقضي حياتي في كنفه وأتعلم منه الفلاح والرشاد في الالتزام بأوامر الله سبحانه وتصريف أمور الدنيا، وأسأل الله أن أكون قد وفقت في ذلك.

درست الهندسة المدنية ثم درست فيما بعد علم الإدارة وحزت الماجستير في علم الإدارة من جامعة تورنتو بكندا، وأعمل مديراً لإحدى الشركات الصناعية فيها.

وبالموازاة مع هذا الجانب المعيشي، فقد تشرفت بمساعدة والدي رحمه الله في بعض أعماله العلمية والدعوية، وأخرجت في حياته كتابين كان سروره بهما كبيراً، ولما قدمت إلى تورونتو سنة 1991 تابعت المشاركة في الأنشطة الإسلامية الدعوية في كندا وخارجها، وأخرجت بعض المؤلفات والترجمات التي أرجو أن يتقبلها الله مني مساهمة في الدعوة إلى الله عز وجل وفي التراث الإسلامي الخالد، وقد ترجمت إلى الإنجليزية مؤلفي والدي: كتاب من "أدب الإسلام"، وكتاب "الرسول المعلم".

   ما الأقدار التي ساقتكم إلى الغرب وإلى كندا تحديداً من القارة الامريكية؟

أتيت إلى كندا منذ قرابة أربع وثلاثين سنة بسبب الاضطهاد الإداري الذي كان نظام الأسد في سورية يقوم به إزاء من يعارض حكمه الاستبدادي، ومن ذلك منعه تجديد جوازات سفرهم وما يماثلها من الوثائق، وهو أمر عادي ومسلم به في أغلب الدول، ولكن كان بالنسبة لنا كانت عقبة كبيرة، تحول بيننا وبين السفر والعمل والإقامة خارج البلاد، فبحثت عن مهجر أخرج به من هذا الظلم والتسلط، ولم يكن في الدول العربية متسع للهجرة والعمل الحر، ووجدت كندا من أفضل الدول التي يمكن للإنسان أن يهاجر إليها، لوجود التعدد الثقافي فيها ركناً أصيلاً من سياسات حكومة حكوماتها المتعاقبة، فهي لا تطالب الإنسان أن ينسلخ عن أصله وجلده ومنشأه وعقيدته، بل تعتبر هذا التنوع إثراءاً للمجتمع الكندي،  فاختياري لكندا كان لأنها كانت - ولا تزال في رأيي - من أفضل الدولة التي يمكن للمسلم أن يهاجر إليها، ولا يطالب فيها بالتخلي عن هويته وعقيدته وتقاليده وتراثه، وإن كانت هذه الصورة قد تغيرت هذه الأيام إلى حد ما بسبب ظاهرة العداء للإسلام التي اشتد عودها وتعالى ضجيجها في السنوات الماضية.

 هل من تعريف للعمل الاسلامي هناك في كندا وما هي أحوال الجالية المسلمة هناك وعددها؟

يقدر عدد المسلمين في كندا بحدود 1.3 مليون ويعادل قرابة 4% من السكان، ويتركزون في المدن الكبيرة مثل تورونتو ومونتريال وضواحيها، ويشكلون نسبة معتبرة من سكانها، وقد تكون نسبتهم العددية في بعض البلديات 20%، ولذا فإن بروزهم وأثرهم أكبر بكثير من نسبتهم العددية.

ومجالات العمل الإسلامي في كندا واسعة جداً لاتساع رقعة البلاد وتعدد المسلمين من حيث أصولهم العرقية والثقافية وفق البلدان التي جاءوا منها، وأحوال الجالية المسلمة بخير في العموم، وتواجه تحديات مختلفة تتباين في صعوبتها ووسائل استعابها، ولكن أداء الجالية المسلمة في الثلاثين سنة الماضية كان أداءاً متميزاً وناجحاً بكافة المقاييس إذا قورن مع الجاليات المسلمة في البلدان الغربية، ونسأل الله عز وجل بفضله وكرمه أن يتمم ذلك بمزيد من التوفيق والسداد.

 

  ما هي الأقدار التي ألقت بكم على رأس هيئة إسلامية وما الأعمال والأنشطة التي تقومون بها هناك؟

من الناحية التنظيمية لست عضواً في أية منظمة إسلامية في كندا، وإن كنت قد تشرفت في السابق بعضوية إدارة بعض الجمعيات مثل إسنا، كما كنت مدير مجلس الإدارة لمركزين إسلاميين في تورونتو، ولا أزال أتشرف بالعمل مع أكثر المنظمات الموجودة وعلى رأسها الجمعية الإسلامية الكندية والحلقة الإسلامية في شمالي أمريكا، وغيرها من المنظمات.

وإلى جانب ما ذكرت سابقاً من تأليف الكتب وترجمتها والأبحاث، فقد نشر لي كتاب " الحروب العثمانية في شعر أحمد شوقي" و كتاب " تاريخ أفغانستان" العربية و قد صدر منذ شهرين. كما إنني أشارك في خطبة الجمعة كما أشارك في المؤتمرات والمناسبات بتقديم المحاضرات والأبحاث، إضافة إلى ما أكلف به من بعض المراجعات للكتب المدرسية والمناهج التربوية التخصصية، والله نسأل القبول والسداد.

 

  العمل الاسلامي مع جاليتنا المسلمة في مجتمع غربي صعب وموحش أحيانا، بل مختلف من بلد لأخر، حسب سياسة البلد المضياف، كيف تتعاملون منذ عقود مع هذا الوضع في كندا، في مساجدكم وفي الجامعات مع الطلبة و معتنقي الإسلام الجدد؟

 

كندا في الحقيقة من أفضل الدول من حيث تقبل المسلمين والتعامل معهم، فتجد أن المسلمين وأبناءهم قد وصلوا فيها إلى مناصب جيدة، ولهم مشاركة كبيرة - ومتزايدة - في الحكومة وقطاع العمل والإنتاج، ولا توجد عوائق قانونية أو سياسات رسمية تقف أمام الجالية المسلمة لتمارس العمل الإسلامي في كندا.

ومع ذلك فإن هناك تحيزاً - تتباين شدته - تجاه الإسلام عند بعض السياسيين وموظفي الحكومة، وقد يكون فردياً وقد يكون في هيئة بؤر غير رسمية تضم هؤلاء الأفراد في إحدى الوزارات أو الجهات الحكومية، وينتج عن هذا من حين لآخر منغصات في صورة بعض التوجهات والممارسات - ولا أقول السياسات -المعادية للإسلام، والتي تظهر وجهها القبيح في التدقيق على المسلمين والتضييق على منظماتهم، وتفحص أنشطتهم زيادة عن غيرها، أو في اتهامها لهم اتهامات أمنية أو عنصرية باطلة لا أساس لها.

وبمرور الزمن فإن الرأي العام الكندي عند غير المسلمين أصبح يتقبل المسلمين كثيراً، وإن كان متأخراً في تقبله للإسلام، ويتوجس خيفة منه، ولكن هذا يزول شيئاً فشيئاً مع الأجيال الجديدة المنفتحة في تفكيرها والعالمية في نظرتها والتي شاركت مقاعد الدراسة ومهام العمل مع أبنائنا من المسلمين وعرفتهم عن كثب، فزال من منطلقاتها كثير من التحيز الأعمى، على أنه يجب أن نراعي أن المجتمع الكندي يصنف أنه: مجتمع ما بعد الدين، فليس للدين أهمية كبيرة عند أغلبية أفراده، وتتراجع مكانته وممارسة عباداته لدى القسم الأكبر من السكان، وهذا يساهم في تمرير بعض السياسات الاجتماعية المعادية للأسرة التي تتعارض مع تعاليم الأديان الثلاثة.

أما من حيث العمل مع الجالية المسلمة، فهو صعب لتنوع أصول هذه الجالية، فمنها من جاء من شبه القارة الهندية؛ من الهند وباكستان، ومنها من جاء من شمال أفريقيا من بلاد المغرب العربي وعادة ما يذهب هؤلاء إلى مونتريال وكوبيك بشكل عام، وكل منهم يأتي وفي ذهنه تصور عما ينبغي عمله في منطقته أو مسجده أو منظمته من حيث الأولويات والبرامج، وهو ما يروق لبعض الناس أن يسموه - تجاوزاً - اختلافات ثقافية، فالإخوة القادمين، وهناك دائما عدد من القادمين إلى كندا، يريد عدد منهم أن يفرضوا تصوراتهم غير الناضجة في كثير من الأحيان في العمل الإسلامي والمنظمات الإسلامية، ويسببون ارتباكاً ومنازعات فيها مضيعة للوقت والمال والجهد.

أما في الجامعات فالنشاط الإسلامي يقوم على اتحاد الطلبة المسلمين، وهي المؤسسة الكبيرة التي تعمل في الجامعات منذ عشرات السنين، ولها طابعها الخاص، لأن الطلبة لا يمكثون في الجامعة سوى أربع أو خمس سنوات ثم يتغيرون، فطابع اتحاد الطلبة المسلمين طابع متغير ونشاطه أو خموله يعتمد على من يُنتخب من أعضائه من الطلاب، وعموماً فنشاطهم متشابه في إقامة صلاة الجمعة وبعض الأنشطة الدينية والثقافية، وحسب علمي لا يوجد أي تضيق على أنشطتهم، بل في كثير من الأحيان يجدون التسهيل والتعاون من إدارة الجامعة مثلهم مثل المنظمات الطلابية الأخرى فيها.

بالنسبة لمعتنقي الإسلام الجدد لا يوجد في الحقيقة نشاط منظم ملموس في الدعوة بين غير المسلمين، وأغلب من يعتنق الإسلام يعتنقه على أساس فردي، ويكون قد  بحث عن الإسلام إلى أن اهتدى إلى ما شرح الله صدره، ونحن مقصرون بحق هؤلاء الإخوة والأخوات، لأننا نرحب بهم في المساجد ونفرح بإشهار إسلامهم ثم ننساهم، وهذا أكبر تقصير من الجالية الإسلامية، وهو أنها لا تهتم بالمسلمين الجدد اهتماما حقيقيا وترعاهم الرعاية اللازمة لتوجيههم والعناية بهم، وقام بعض المهتدين في السابق بتأسيس جمعية خاصة برعاية المسلمين الجدد وتوفير الوسط الاجتماعي والديني المناسب لهم، وهذا أمر في غاية الأهمية لكن كأنه لم يكتب لها النجاح والاستمرارية.

 

 ما هي المعيقات والاكراهات التي تجابهكم كدعاة في الميدان هناك؟  وهل هناك اختلاف في العمل الاسلامي من جهة لأخرى في القارة الامريكية؟

 

ذكرت من قبل بعض المعيقات والإكراهات التي نجابهها، عموما لا توجد معيقات حكومية تُذكر في كندا، فهي من هذه الناحية تختلف عن أمريكا كثيرا، لأن سياسة التعدد الثقافي سياسة راسخة في كندا، وعدد المهاجرين و ذوي الأصول المهاجرة عدد كبير في كندا، فكلنا قادمون سواء منا من جاء من قريب ومن جاء أهله من بعيد، وأضرب مثالاً على ذلك بأكبر تجمع سكاني في كندا في تورنتو وما حولها من البلدان -  ويسمى تورنتو الكبرى -  والتي يبلغ سكانها خمسة ملايين، فإن نصف سكانها لم يولدوا في كندا، ولذا فإن بيئة المدن الكبرى تكاد تخلو من معيقات جوهرية أمام الدعوة والعمل الإسلامي.

والعوائق الكبرى التي نواجهها هي نوعان:

داخلية: في فهم المسلمين أنفسهم للإسلام، ثم في الأولويات، ثم في الاتفاق على الأولويات الدعوية في هذه البلد.

خارجية: تتعلق بالعلاقة مع الحكومة وسياساتها وبخاصة السياسة الخارجية فيما يتعلق بفلسطين

هناك اختلاف في الجالية الإسلامية يشتد أحياناً ويضعف أحياناً محوره: كيف نتصرف؟ وفقاً لما أراه أنا من الأولويات أم ما يراه أخي أم أخي الثالث، وهنا يبرز ضعف التقاليد لدى المسلمين في الشورى والنقاش العلمي للوصول لاتفاق مقبول قد لا يكون مثالياً، وألا نضحي بوحدة الجالية المسلمة التي ينبغي أن تكون على رأس أولوياتنا.

 

  مع عودة الرئيس ترامب للحكم على رأس الولايات المتحدة وسياسته المتحفظة والعنصرية تجاه الأجانب عموما والمهاجرين المسلمين خصوصا، كيف يبدو لكم المشهد في القريب المنظور في بلد ككندا ؟

 

إن كندا تتأثر كثيراً بما يجري في أمريكا من الناحية الاقتصادية والثقافية والإعلامية، وقد كانت لعودة الرئيس ترامب نتائج سلبية عميقة على كندا من نواحي عديدة، ولكن ليس لسياساته أثر كبير على الإسلام والمسلمين في كندا، وسياساته المتقلبة العجيبة المعادية للإسلام عموماً، والتي تدغدغ مشاعر بعض المتعصبين من المسيحيين ومن غيرهم، والذين ينظرون إليه كقدوة، ويودون محاكاته، ولكن الظروف في البلد لا تسمح لهم كثيرا بهذا، لأن هذه السياسات لا تجد لها صدى كبيرا في أغلب كندا، بل تستنكر وتستهجن إلا في مقاطعة ألبيرتا التي لا تزال متخلفة قليلاً عن الركب الكندي في تقبل الآخر والتعامل مع الآخر وإن كان هذا أيضا يتغير بفضل الله عز وجل.

  وحتى داخل كندا هل هناك فروقات بين الجهات الناطقة بالفرنسية والناطقة بالإنكليزية؟ وهل فيهم من تأثر بالثقافة الفرنسية أو الأوروبية سلبا أو إيجابا ؟

 

هناك فروقات كبيرة وملموسة عن بقية كندا الناطقة بالإنجليزية نجدها في مقاطعة كوبيك الناطقة بالفرنسية، حيث يتخذ العداء الصريح للإسلام قالباً سياسياً تختلط فيه النزعة الكاثوليكية القديمة بالثقافة العلمانية المعاصرة، ويصور المسلمين على أنهم خطر على كوبيك وشخصيتها، وينبغي إخضاعهم لاختبارات للتأكد من تحضرهم بل وبعدهم عن إسلامهم، وتسن القوانين في هذه المقاطعة باسم العلمانية والغرض الواضح منها تحجيم المظاهر والممارسات الإسلامية، التي يحميها الدستور الكندي، والتي كان اليهود يمارسونها دون اعتراض كبير، وأقدر من تحليلي الشخصي أن الناطقين بالفرنسية في كوبيك يتأثرون كثيراً بفرنسا وبما يجري في فرنسا، وأغلب تصرفاتهم المعادية للإسلام والمضايقة على المسلمين ليست إلا انعكاسا لما يجري في فرنسا.

كوبيك والناطقين بالفرنسية فيها شعب معتز بنفسه وبشخصيته المميزة وبتراثه العريق، وكان ولاؤه تاريخياً لفرنسا الملكية قبل أن يقع تحت الاحتلال أو الاستعمار الإنجليزي، ويدخل في مواجهة معه للحفاظ على تميزه اللغوي والثقافي وامتيازات الكنيسة الكاثوليكية التي تولت الدفاع عنه، ويواجه هذا الشعب اليوم مداً طاغياً من الثقافة الإنجليزية الأمريكية، ولولا نزعته القوية للحفاظ على تراثه وشخصيته لأغرقته أمواج هذه الثقافة التي تضرب شطآنه، وصيحات الخطر الزائف التي تدوي في أجواء فرنسا تجد لها قبولاً وصدى في كوبيك يطغى على صوت الحقيقة، وهي أن المهاجرين من المسلمين في كوبيك، وأغلبهم من الشعوب المسلمة الناطقة بالفرنسية، يثرون تراثها المميز،  ويوفرون الكثرة العددية للغة الفرنسية والثقافة الفرنسية،  وقد يكون بقاء اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية مرهوناً بهؤلاء وأمثالهم، لأنهم يوفرون الكثرة العددية للغة الفرنسية والثقافة الفرنسية مقابل التناقص العددي للكوبيكيين بسبب ضعف البنيان الأسري عندهم وقلة إنجابهم.

وهذه المواقف العدائية من الساسة الكوبيكين والتي تلقى قبولاً لدى الدهماء فيها، ستبقى ما لم يستقل أهل كوبيك بتفكيرهم ويفكوا ارتباطهم بفرنسا وسياساتها الجوفاء، وإلى حين ذلك أتوقع أن يواجه المسلمون التضييق تلو التضييق، نسأله سبحانه أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين.

 

 كمراقبين من أوروبا نلاحظ أنه من الوجوه السياسية وحتى في سدة الحكم للدولة الكندية، نلاحظ وجود أسماء إسلامية وعربية، كما ان هناك أسماء إطارات في البحث والطب وأمور أخرى..  ما هي أنواع الجاليات المتواجدة في كندا..؟ وأيهم أكبر عددا وتنظيما، أو أكبر نفوذا التي يمكنها فرض أصواتها أو بعض قناعاتها الإسلامية على برامج ما في الانتخابات المحلية والفدرالية مثلا؟؟

 

لقد تقدم المسلمون في كندا تقدماً كبيراً في الساحة السياسية خلال ثلث القرن الماضي، وأصبح لهم وجود بارز وواضح سواء في البرلمان أو في الوزارات أو حتى في الدوائر الحكومية المختلفة في حكومات المقاطعات، وهذا له عدة أسباب أولها الزيادة العددية للمسلمين وما يتبع ذلك من زيادة أنشطتهم، وثانيها التفوق العلمي للمسلمين، فالجالية المسلمة في كندا تختلف عن المتوسط العام للسكان في التعليم، في أن نسبة من حصل منها على شهادات جامعية هي ضعف نسبة بقية السكان، فهي إذن فئة مثقفة ومتقدمة علميا وعمليا وفي قطاع الاقتصاد.

أيضا ينبغي أن نذكر أن الأحزاب الكندية وبخاصة الحزب الليبرالي (الأحرار) بذل جهداً إضافياً لإدخال المسلمين في السياسة، ضمن سياسته بإدخال الأقليات أو الجاليات، ذلك إن التفكير التقليدي السياسي في كندا يقول إن المهاجرين يصوتون للحزب الليبرالي أما المواطنون القدماء أو السكان البيض فيصوتون للمحافظين، ولكن هذه الصورة النمطية تغيرت إلى حد لا بأس به، وبخاصة بعد تبني الحكومة الليبرالية السابقة لسياسات اجتماعية تستهدف زعزعة كيان الأسرة المألوف وترويج هذه السياسات بالدعم المادي والمعنوي الذي اقترب من الأساليب الشيوعية في منافسة الوالدين على توجيه الأولاد وتكوين أفكارهم.

الوجود الإسلامي في كندا يشمل كافة الرقعة الجغرافية، وهو كما أسلفت يتركز في المدن الكبرى، وأكبر الجاليات الموجودة من حيث العدد هي الجاليات التي قدمت من الهند وباكستان، وكانت لها الريادة في تأسيس المساجد والمراكز الإسلامية، ويليها الجالية العربية وأقدمها في الوجود اللبنانيون، وإلى جانب هؤلاء هناك الجالية الإسماعيلية التابعة للآغا خان وهي جالية منظمة وقوية ولها نفوذ وتتعامل مع بقية المسلمين تعاملاً إيجابياً مشكورا.

يحظر القانون الكندي العمل السياسي على المنظمات الخيرية التي تتمتع بالإعفاءات الضريبية، وهذا ينطبق على كل المؤسسات الإسلامية باستثناء اثنتين أو ثلاثة  تعمل على تمثيل المسلمين والدفاع عن حقوقهم، وإيصال مطالبهم السياسية إلى الحكومات والأحزاب، وقد حققت هذه المؤسسات وجوداً دائماً وصوتاً معتدلاً، ولكن نجاحها في تحقيق ما تطمح إليه بقي محدوداً، ولا سيما في السياسة الخارجية فيما يتعلق بفلسطين، لأن لكن كندا في هذا الجانب من السياسة الخارجية جزء من المنظومة الغربية، فهي تتبع هذه المنظومة وزعيمتها أمريكا، وإن كانت هناك بعض التغيرات التي رأيناها مؤخرا بتأثير حرب الإبادة التي شهدتها غزة منذ سنتين ونيف.

 

 

 يتبع ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services