26

0

رغم أنها تزخر بفئة مثقفة ومتقدمة علميا وعمليا في قطاعات شتى.. تبقى الإسلاموفوبيا والتمثيل السياسي الضعيف كبرى تحديات جاليتنا في الغرب!!

حوار، مع الشيخ محمد زاهد ابن العلامة عبد الفتاح أبو غدة، الداعية الكاتب والمترجم من كندا.الجزء 2

 

 

 الجزء الثاني 

مصطفى محمد حابس: جينيف / سويسرا

 

يشهد العالم اليوم تحولات ديموغرافية واجتماعية وثقافية هامة، حيث أصبحت المجتمعات الغربية أكثر تنوعا واختلاطا. وفي هذا السياق، يبرز موضوع الإسلام والمسلمين في الغرب كموضوع حيوي ومهم للبحث والدراسة، خاصة في القارة الامريكية، إذ تعتبر كندا واحدة من الدول الغربية التي شهدت نمواً ملحوظاً في عدد المسلمين، حيث يأتي المسلمون من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الدول العربية كالجزائر ولبنان وسورية.

كما يشكل الوجود الإسلامي في غير أوروبا، لا سيما في القارة الامريكية، ظاهرة اجتماعية وثقافية متنامية تستحق الدراسة والتأمل. حيث أصبحت كندا في العقود الأخيرة موطناً لمجتمع إسلامي متنوع يجمع بين مهاجرين من دول عربية وإسلامية شتى، إضافة إلى مسلمين من أصول غير عربية واعتنقوا الإسلام في بيئة تميّزها الحرية الدينية والتعدد الثقافي. ويطرح هذا التنوع أسئلة مهمة حول كيفية اندماج المسلمين في المجتمع الكندي دون التفريط في هويتهم الدينية، وحول الأساليب التي يمكن بها تعزيز قيم التفاهم والتعايش المتبادل بين مختلف المكونات المجتمعية.

نتناول في هذا الحوار، مع الشيخ محمد زاهد ابن العلامة عبد الفتاح أبو غدة، أبعاد التجربة الإسلامية في كندا مسلّطين الضوء على التحديات والفرص التي تواجه الجالية المسلمة هناك، مستعرضين كيفية الحفاظ على القيم الإسلامية الأصيلة ضمن سياق مجتمع غربي علماني، والإسهام الإيجابي في بناء المجتمع الكندي الحديث، وتعزيز جسور الحوار بين الأديان والثقافات في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم والاحترام المتبادل، في وجه التحدي الأكبر لجاليتنا وهو الإسلاموفوبيا والتمثيل السياسي الضعيف.

كما نستعرض بعض محطات نجاح مشتركة لأفراد جاليتنا، تعزز التعايش السلمي وتبني جسوراً مع المجتمع الكندي الغربي عموما.

 هل لك أن تذكر لنا أسماء شخصيات إسلامية استطاعت أن تنجح أكاديميا أو سياسيا في السنوات الأخيرة في كندا، مثل فوز 42 شخصية مسلمة بمناصب في الانتخابات الأميركية الأخيرة لعام 2025، شخصيات أبرزها زهران ممداني الذي أصبح أول رئيس بلدية مسلم لمدينة نيويورك، وغزالة هاشمي، التي هي الآن أول امرأة مسلمة تفوز بمنصب على مستوى الولاية في الولايات المتحدة بعد انتخابها نائبة لحاكم فرجينيا؟

 

هناك قائمة طويلة للناجحين في كندا من المسلمين، منهم من كان على صعيد محلي أو تخصصي، ومنهم من كان على صعيد وطني، وأول من يبرز إلى الذهن من هؤلاء الأستاذ هارون صديقي الذي هاجر من الهند إلى كندا وعمل لفترة طويلة محررا في جريدة تورونتو ستار، وكان جلُّ ما كتبه يتعلق بقضايا المسلمين، وكان له أثر كبير في تثقيف النخبة الكندية وتعريفها بالإسلام والإجابة على استفساراتها، وما يدور بذهنها من أسئلة، وقد تقاعد منذ سنوات ولم يخرج من الجالية من يملأ الفراغ الذي خلفه، أمد الله في عمره وجزاه خيرا، وإن كانت هناك أخت من الطائفة الإسماعيلية اسمها عزيزة خانجي تكتب في السياسة الخارجية وتعبر عن التطلعات الإسلامية في قضايا المسلمين، وهناك أخت محجبة ملتزمة اسمها شيماء خان تكتب بين حين وآخر في الشأن الإسلامي.

وعلى الصعيد الإعلامي في التلفاز يبرز اسم جينلا ماسا التي كانت أول مذيعة أخبار وبرامج رئيسية محجبة في أمريكا الشمالية.

في الميدان السياسي هناك سياسيون كثيرون دخلوا البرلمان وتسلموا وزارات، منهم من هو من أصول صومالية مثل القانوني أحمد حسين، ومن هو من أصول سورية مثل المهندس عمرالغبرة، وتوجد عدة سيدات مسلمات في البرلمان الحالي أبرزهم سلمى زاهد، التي كانت أول مسلمة محجبة في البرلمان، ولكن الأثر السياسي لهؤلاء السياسيين يبقى محدوداً بسبب النظام السياسي الكندي الذي يحجر على النواب الخروج على سياسة رئيس الوزراء.

على الصعيد الأكاديمي شهدت كندا نجوماً بارزين منهم الدكتورة تيسير أبو النصر عميدة كلية الهندسة السابقة في جامعة أوتاوا والمصرية الأصل، ثم الدكتور محمد الهاشمي رئيس جامعة متروبوليتان وهو جزائري الأصل، وهناك كثير من الوجوه الناجحة من علماء وأساتذة كثيرين يضيق المجال عن ذكرهم جميعا.

 

 أنت شيخ زاهد أحببت أم كرهت، بحكم الأصل والفصل، والدكم من مجددي هذا القرن بعلمه وفقهه وكتبه، بالتالي أنت نتاج هذا العلم وهذه الأخلاق وتلك التربية الإسلامية، كيف تعرّف لنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الأب المربي، والمعلم القدوة، والإمام العالم و ..؟؟

 

والدي رحمه الله تعالى كان مربياً حصيفاً يتلمس في التربية أفضل السبل؛ بالقدوة والكلام والإشارة، وكان عالماً منغمساً أشد الانغماس في العلم والبحث والكتابة، في بيت ضمت مكتبته ألاف الكتب، وكان العلم والبحث حديثه وديدنه وشأنه كله، وتمتع بالدقة والشمول في البحث العلمي، وكان - على تواضعه الجم -  صاحب ذوق رفيع في الملبس والمظهر والمنزل، وقد برز ذوقه وإحساسه الجمالي في إخراجه كتبه على نهج جديد وسمت عال، أصبح الآن مألوفاً لكنه عندما أخرج كتبه لأول مرة كان قفزة أو انتقالاً نوعياً كبيراً في إخراج الكتاب التراثي والكتاب الإسلامي.

وإلى جانب هذا كان الوالد رحمه الله يؤمن إيماناً راسخاً أن العالم المسلم لا يمكن أن يكون منعزلاً عن مجتمعه وأهله وواجبه في الدعوة إلى الله، فكانت له خطب ودروس ومحاضرات وكتابات في الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وكشف الأباطيل والافتراءات والضلالات، أثرت تأثيراً كبيراً في أجيال ممن تتلمذوا عليه أو تخرجوا في مدرسته الدعوية أو قرأوا كتبه أو سمعوا تسجيلاته، وقد بذل في هذا السبيل شطراً كبيراً من وقته وجهده وصحته وحريته واغترابه، وما وهنت عزيمته وما فترت همته، نسأل الله له القبول والرحمة.

 

و ما كان دور الوالدة و الأولاد في ذلك، لأن المثل يقول "وراء كل رجل عظيم امرأة "وكيف استطاعت الوالدة أن تثبت معه مدة هذا المسار الطويل الشاق المنعرج .. وأكيد الممتع في سبيل الله؟

 

الوالدة رحمها الله - مثل كثيرات من زوجات العلماء والمشايخ - نذرت نفسها بطيبة نفس ورحابة صدر واحتساب للأجر، لتوفير وتسهيل ما يريده والدي وما يحتاجه من جو علمي وبحثي وإزالة كل ما يمكن أن يشوش عليه ويشغل باله، وأحسنت في ذلك كل الإحسان، فما كان لها من أولوية سوى ذلك، وبهذا الحرص من الوالدة والعمل الدؤوب حلت البركة في بيتنا من حيث إنتاج الوالد العلمي من جهة وتربيتهما لأحد عشر ولداً من طرف آخر، وكل هذا بفضل الاحتساب عند الله عز وجل وبركة العمل في سبيله، ولله الفضل والمنة.

 

ما هي أهم كتب و مأثر الوالد التي اشتغلتم عليها  أو ترجمت أو تحتاج لترجمة، و ما هي الكتب التي تنصحون بها جاليتنا المسلمة خاصة في الغرب للاستفادة منها؟

كما سبق وأن أشرت، تشرفت بأن ترجمت إلى الإنجليزية بعض كتب والدي، وأولها كتاب: "من أدب الإسلام". الذي كان له أثر كبير في توجيه الشباب وصقل أخلاقهم وتحسين سلوكهم، وقد ترجم هذا الكتاب إلى عدد من اللغات مثل الفرنسية والتركية والفارسية والملاوية، وكنت قد اقترحت على والدي رحمه الله قبل وفاته إعادة ترتيبه، وقد وافق على ذلك وقد طبعت منه بالإنجليزية طبعتان، ولقي والحمد لله قبولا كبيرا.

وترجمت كتاب والدي: "الرسول المعلم"، وقد ترجمه غيري ترجمة غير شرعية لأنهم لم يستأذنوا في ترجمتها، فجاء فيها نقص وعدم إدراك لبعض المعاني، وقد ترجمت هذا الكتاب لما فيه من بيان عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وليطلع عليها ويستنير بهديها أهل العلم والتربية والتدريس في الغرب.

وترجمت مؤخرا كتابين نشرهما والدي وليسا من مؤلفاته، أولهما كتاب: "فقه أهل العراق وحديثهم". الذي كتبه شيخ والدي الإمام محمد زاهد الكوثري كمقدمة على كتاب "نصب الراية للإمام الزيلعي"، واستعرض الكوثري فيها تطور الفقه الحنفي وعلماء الحديث من الأحناف، والثاني عنوانه: "مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث". وقد ألفه عالم من كبار علماء الهند والباكستان في الحديث هو مولانا محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله، وعنوانه يغني عن الحديث في مضمونه.

وتأتي أهمية هاذين الكتابين لوجود قسم من الشباب الواقع تحت تأثير بعض -  وأشدد على كلمة بعض - الدعاية السلفية التي فيها شيء من التجهيل والانتقاص من العلماء السابقين، والهدف من ترجمتهما تنوير الشباب المسلم الصاعد حول نشأة الفقه الحنفي ونشأة علم الفقه والمذاهب، وحول الإمام أبي حنيفة ومكانته كمحدث، وموضوعهما في غاية الأهمية لتصبح لدى هؤلاء الشباب نظرة شاملة وواضحة ومقدِرة لجهود من سبقنا من علماء الإسلام والمسلمين، وأنصح بترجمة هذين الكتابين إلى اللغة الفرنسية ليكونا في متناول الناطقين بها لأهميتهما، وهما وإن تناولا الفقه الحنفي والإمام أبي حنيفة ولكن كثيراً من العوامل والملابسات التي صاحبت نشوء المذهب الحنفي تماثل جهود الأئمة العظام مالك والشافعي وأحمد ونشأة مدارسهما الفقهية.

وأعمل الآن على ترجمة كتاب من كتب والدي العزيزة إلى نفسه، وهو: "صفحات من صبر العلماء"، وقد قام بترجمته مترجم محترف، لكن الترجمة احتاجت فيما بعد إلى مراجعة واسعة، وانتهيت منها، والآن في صدد إعداد الكتب الثلاثة للطباعة بعون الله تعالى.

ما أنصح الشباب به هو أن يقسروا أنفسهم قسراً على قراءة كتاب كامل غير مقرر عليهم دراسياً، وذلك لتكوين عادة القراءة المتعمقة بدلاً من التصفح على شاشة الحاسوب أو الهاتف، وأنصحهم بقراءة كتاب في السيرة النبوية مقترحاً عليهم مختصر سيرة ابن هشام الذي اختصره الأستاذ العلامة عبد السلام هارون رحمه الله، وقد ترجم إلى الإنجليزية ولعله قد ترجم إلى الفرنسية.

وحيث لم تبق إلا أسابيع قليلة على قدوم شهر رمضان شهر القرآن، فأقترح على الشباب تخصيص قدر مناسب من وقتهم لقراءة تفسير جزء مما يحفظوه من القرآن الكريم، وليكن جزء عمَّ، وذلك لمعرفة معاني كلماته وتفسير آياته وأسباب نزولها، وبهذا تتم الفائدة والبركة بتدبر آيات الله واستيعاب معانيها وتطبيقها في نواحي حياتنا.

 

متمنين السلامة لسورية ولشعبها من أعماقنا، هل أنت حاليا أو بعض أفراد العائلة تفكرون للعودة الى بلدكم سوريا؟ كيف تقرأ الانطباع هناك، وبماذا تنصح السوريين في الخارج؟

 

نشكركم على أمانيكم الأخوية الصادقة، ونحمد الله العزيز الجبار أن أطاح بهذا الحكم الظالم الغاشم، الذي ما كنا نتصور سعة ظلمه وعمق اضطهاده وسفكه للدماء، وكما يقولون: لا بد من الوطن، وأنا بصدد ترتيب ذلك بعون الله عز وجل.

والأمور في سورية بعون الله تعالى مبشرة، والنهوض بالبلاد يحتاج إلى تضافر الجهود والتعاون وإخلاص النوايا، فنسأل الله عز وجل أن يتم نعمته على سورية وأن يجمع شمل جميع السوريين على المحبة والتجرد والعمل لوجه الله تعالى فذلك مفتاح التوفيق والتيسير.

السوريون في الخارج أضحوا امتداداً هاماً لوطنهم الأم، وكثيرون منهم تعلموا مهارات و أحرزوا خبرات واكتسبوا ثروات، فهم ذخر لأوطانهم عليهم أن يشيعوا فيها روح التفاؤل والتكافل والتعاضد، وألا يبخلوا عليها بخبراتهم المعنوية وثرواتهم المادية، وأن يقدروا تضحيات إخوانهم ممن تحملوا وطأة الطغيان أو حاربوه حتى أطاحوا به.

أما العودة إلى الوطن والاستقرار فيه فلا تزال دونه عوائق تحول دون عودة عدد كبير منهم من نقص في السكن والبنية التحتية وتوفر الأعمال لهم ولأولادهم، ولكن أملنا بالله أنها ستزول في المستقبل القريب وأن المجال سيكون أمامهم للمشاركة في بناء الوطن وإعلاء صرحه على أسس علمية متينة وقواعد إدارية سليمة.

 

هناك قراءة تقول " أن الخطابات الأولية - بعد عصر الأسد - تطمئن المهموم بمآل سوريا على نهاية آمنة على الساحة الإقليمية، لكن الواقع قد يكون مختلفا نوعا ما، لذلك، ستكون المسؤولية التاريخية ثقيلة في أعناق زعماء الدولة وكل أطياف النخبة السورية اليوم، أما الأطراف الأجنبية الدولية، فلا يرتجى منها خير يخالف مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كما هو واضح"، ما تعليقك على هذه القراءة؟

 

الحالة في سورية تركة ثقيلة جداً، ولكن لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فنحن لدينا الأمل الكبير أولا بالله عز وجل الذي هيأ أسباب هذا النصر، وجعله فتحاً إلهياً ومعجزة ربانية، ثم عندنا أمل كبير بإمكانيات الشعب السوري، نقول هذا بعيداً عن العنصرية والتحيز، ولكن أفراد الشعب السوري مشهود لهم بالغاية في الابتكار وحب العمل الحر والسعي وراء الرزق، والحرص - في نفس الوقت - على شعائر الدين بفضل الله عز وجل، فهذا كله يجعلنا واثقين من أن الله عز وجل سيهيئ نهضة كبيرة في سوريا بعون الله عز وجل على الصعيد الداخلي.

 أما الصعيد الخارجي فالعوامل فيه متضاربة، وكثير منها سلبي لا يريد لبلدنا الخير، ولا يريد له النهوض، بل يريد لسورية أن تبقى ضعيفة حتى يكون هو سيد الموقف مسيطراً على الأمور، ولكن مواجهة التحديات الخارجية تبدأ من الداخل، فإذا كان أفراد الأسرة متعاضدين متعاونين، فلا يمكن لدخيل أن يفرق بينهم، فلا بد من بناء البيت الداخلي على أسس سليمة ومتينة، ليواجه المطامع الخارجية الكثيرة التي تتربص به الدوائر، وتريد أن تتسلط على مقادير الشعب السوري، ولا تنفك تزرع له الألغام هنا وهناك، ولكن بفضل الله عز وجل ومساعدة الدول المخلصة الصادقة من دول الجوار مثل تركيا ودولة قطر الشقيقة التي وقفت مع الثورة لا تتردد ولا تتزحزح،  نرجو أن يهيأ الله فرجاً قريباً حتى على الصعيد الخارجي.

ولكن لا بد من تنظيف الساحة الداخلية من المرتزقة والمهزوزين، وتمتين البيت الداخلي، ثم بناء قوة تجعل من يسول له شيطانه بالاعتداء عليه وتهديمه من جديد يفكر ألف مرة قبل أن يقوم بعدوانه.

النخبة السورية الموجودة داخل البلاد وخارجها لا يزال فيها تنافر وتدافع، وشيء من التطلع للمغانم التي هي في الحقيقة مغارم، فنسأل الله عز وجل أن يلهمهم الرشد والصواب للتعاون لما فيه خير البلاد وأن يتذكروا دائما قول الله عز وجل: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.

 

يرى ملاحظون اليوم أن المرحلة الأصعب في مسار الشأن السوري، هو إعادة بناء الدولة وتنظيم الحكم المؤسّساتي والانتقال السّلس للسلطة على أسس ديمقراطية، في بلد يضمّ تركيبة مجتمعيّة ملغمة، من ناحية المكونات الطائفية والعرقية والدينية، ناهيك عن ترسّبات نفسية عميقة موروثة عن عهد القمع والاستبداد منذ ستينيات القرن العشرين.. كيف تبدو لك هذه القراءة؟ وإلى أين تتجه سوريا اليوم في نظرك؟

 

لا يزال بناء البيت الداخلي وإنشاء المؤسسات الجديدة في بدايته، والاستقطاب الطائفي والعرقي في الساحة السياسية أسلوب استعماري معروف، أدخله إلى سورية المستعمر الفرنسي ليتسنى له حكم البلاد بأقل قدر من المعارضة والمقاومة، وبعد الاستقلال وفي إبان الفترات الديمقراطية اختفى هذا الاستقطاب وشاركت كل مكونات المجتمع السوري في السياسة وكان الاحتكام لصندوق الاقتراع ورضا المواطنين تام بما يأتي به، وعندما جاء حزب البعث للحكم غلبت العناصر الطائفية على مكوناته الفعالة، ولما انتزع منه حافظ أسد الحكم استند إلى قاعدة طائفية ملموسة عانى منها جميع السوريين، وأصبحت البلاد تدار على أساس طائفي وعرقي مقابل الكفاءة والمؤهلات، فأصبحت الطائفة أو العرق هي العامل السياسي الأول في الحكم.

والمأمول أن تقوم المؤسسات الجديدة على أساس العدل الذي أمر به الإسلام وجعله طريقاً للتقوى، فيكون كل مواطن على اختلاف منشأه وعنصره ودينه مطمئناً إلى أن حقه في العيش الكريم، وحقه في التقدم والازدهار، وحق أولاده وأحفاده، لن يُغمط ولن ينال منه أحد، وأنه سيعامل معاملة شريفة كريمة على قدم المساواة مع غيره، وبذلك فقط يتراجع الاستقطاب والتناحر والتشرذم عن الساحة السياسية، وهذه مرحلة تحتاج إلى كثير من الحنكة والصبر والشفافية والثقة بالشعب السوري وإمكانياته، وما خلفه النظام البائد يمكن استصلاح كثير منه لتأسيس مرحلة جديدة ودولة جديدة بإذن الله تعالى.

مع هذا علينا ألا نغرق في التفاؤل، لأن كثيراً من الناس في أساليب حياتهم وأنماط تفكيرهم وإدارتهم هم نتاج مدرسة الأسد الاستبدادية، التي قامت على التحيز والظلم والفساد، ودافعت عن بقائها بالنار والخراب والدمار، والتخلص من هذه العقلية في التفكير والأساليب في التعامل والإدارة يأخذ وقتاً ليس بالقصير، حتى ينشأ جيل تشبع بمبادئ الدين الحنيف في العدل والمساواة والحرية البناءة والشفافية والثقة المتبادلة فيسير عليها وينهض بالبلاد نهضة تختصر الزمن وتتجاوز العقبات وتأتي بالتنمية والرخاء، بإذن الله تعالى.

 

 كداعية و متقن للغات في بلاد الغرب بماذا تنصح جاليتنا، عائلات وشباب خصوصا؟ كلمة ختامية؟

 

إن المسلمين في الغرب عموماً يواجهون تحديات كثيرة، وأرى أن أهم هذه التحديات: الجيل القادم وقياداته، وتوجيه هذه القيادات التوجيه الإسلامي و الحركي السليم.

الأجيال الشابة خبيرة بوسطها الغربي، وتعرف أكثر مما يعرف آباؤها عن الدولة والسياسة والإدارة الحكومية، ولها علاقات وصداقات أكثر بكثير مما كان الجيل الأول عليه، لكن ما نلاحظه أن هذا الجيل الثاني أو الثالث هشٌ - إن لم يكن فارغاً - من الناحية العلمية والشرعية، وهناك - إذن - نقص معيب وعدم توازن كبير في هذه الناحية، و نرجو ونأمل أن تبذل المنظمات والهيئات الإسلامية قصارى جهدها في معالجة هذا الخلل  والنقص، وألا يبقى المعول عليه إحضار الأئمة والمربين والموجهين من الدول العربية أو الإسلامية.

ينبغي أن نخرج أجيالا من المولودين في الغرب، وإن أمكن فبتماثل من الشباب والشابات، والذين نشأوا فيه، يتمتعون بمتانة المعرفة الإسلامية وعمق المعرفة الفقهية وسعة الاطلاع، ليجتمع ذلك مع المعرفة بالسياسة وأساليب الحكم ومداخل التأثير على المجتمع، فتكون لهذه الأجيال - بإذن الله تعالى - مشاركة بناءة وكبيرة في مجتمعاتها تتجاوز المسجد والمدرسة والمركز الشبابي.

إن المجتمعات الغربية تحتاج إلى الإسلام، وبسبب تقدمها التقني وتعاليها النفسي يتوهم كثير من أهلها أنهم في غنى عن الإسلام، والحقيقة أن رسالة الإسلام إذا قُدمت بالشكل الصالح والحنكة التي أرشدنا الله إليها؛ بالحكمة والموعظة الحسنة، من شأنها أن تلقى قبولاً كبيراً عند جزءٍ كبيرٍ من المجتمعات الغربية، لا بمعنى أن يصبحوا مسلمين، ولكنهم سيجدون في الإسلام معاني وجوانباً ووجوهاً يمكنهم تطبيقها في حياتهم لسعادتهم و لازدهار المجتمع الغربي، ولتقدمه التقدم الإنساني الحقيقي بعيداً عن التقدم المادي الأجوف، الذي يندر أن يجلب الأمان النفسي والاستقرار الداخلي.

فنسأل الله عز وجل أن يهيئ للجاليات الإسلامية هذا الأمر في أقرب وقت ممكن، وأن نجد من أبناء المسلمين في الغرب من يعيد لنا ذكرى المفكرين العاملين المخلصين ويجددوا لنا أمثال ابن باديس والإبراهيمي ومالك بن نبي ومحمد الغزالي وعبد الفتاح أبو غدة وأحمد سحنون ومريم الغزالي وعائشة عبد الرحمن، الذين تمثلوا القرآن الكريم و استوعبوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعوا بين العلم المتين والعمل المخلص، وتميزوا بالحكمة والنباهة وبعد النظر والفقه بالمآلات وحسن التأتي، فبارك الله في أعمالهم، وجعلنا كلنا مدينين لهم ومن حسناتهم.

فهذا هو أكبر تحد نواجهه في الغرب لأن الجيل الجديد المولود في الغرب جيل يحب الإسلام وينافح عنه ويعتز به في شخصيته الإسلامية، فهم في هذا الجانب ربما يفضلون الجيل السابق، ولكن ترجمة هذه المشاعر إلى علم متين واطلاع شامل وتطبيق سوي يحتاج إلى جهد كبير وإلى رواد لهذه النهضة العلمية التي نطمح إليها في الغرب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services