12

0

نَعشٌ من ثلج

 

مرح مراد عبد الله حسن / مدرسة تلفيت الثانوية المختلطة (11 علمي)

 

قتلوه مرة... ثم جمّدوا زمن وداعه في ثلاجة العار، ليعلموني أن كرامة الشهيد ممنوعة إلا بإذن الجلاد! أنا لست أم شهيد فحسب، أنا الأم التي تتوسل لقيا رفات ابنها من براد العدم المقيت! قدري أن أصبح الشاهد الحي على حقارة الجلاد الذي يصادر حتى حق الموت الكريم، أي حقارة هذه، أن تتوسل الأم لقاتل ابنها أن يعيد إليها أشلاءه ليسترها التراب، لا الثلج؟

أنا لا ارتدي ثوب الحداد، بل ارتدي قناع الأمومة التي ترفض الهزيمة، إنني أقسم أن البرد القارس الذي يَهُب الآن على مدينتي، هو نَفَس من تلك الثلاجات التي تختزلك إلى مجرد شهادة وجع مُرقّمة. كل ليلة أحاول أن أرسل إليك حزمة من دفء أضلعي، أخشى عليك من وحشة العدم التي تحيط بك، ومن قسوة الأرقام المدونة التي لا تنادي اسمك ولا تُجيب عليه، يا ولدي، كيف ينام قلبي وهو يعلم أن جسدك الذي ربّته الشمس الفلسطينية، صار حبيس برودة قسرية؟!

صورك تملأ الجدران، كشمس مُعلّقة لا تغيب ولا تتحرك، تضحكني وتبكيني في آن واحد، تنظر إلي بعينيك الواسعتين، بتلك الابتسامة التي لم تكتمل بعد، ما أقسى أن أراك تبتسم بذات العمر، بذات النقاء، بينما أنا أسير إلى الشيخوخة وحيدة، تخُط التجاعيد على وجهي قصص حزني، أمسح الغبار عن إطار صورتك، أفتش في ملامحك الزجاجية عن أي حركة، أي نفَس، أي وعد بالحياة سُرق منا...

ما زالت رائحة مقلوبتك المحببة تعبق في الهواء، أوقد النار تحت القدور وكأنني أوقدها في أضلعي، أحرّك الطعام بيد ترتجف شوقًا للمسة يدك التي طالما امتدت لتتذوق سر المذاق، أقسّم الخبز على غيابك، وأضع حصتك في صحن مملوء بالفراغ، لكن المقعد خالٍ، والصحن معزول، والمائدة لم تكتمل أركانها، أقسم ألّا يطاق طعام حتى يفيض البرد من الثلاجات ويرتد ابني حيّا! حتى يعود الآكل أو يطيب الفؤاد...

كل عام، يعود يوم ميلادك ليطرق باب الوجع من جديد، أشتري الشمع وأرصه على كعكة لا يعترف طعمها بالحياة، كل شعلة ترقص أمام عينيّ هي أمنية مستحيلة، أقف أمامها لا أنفخ ولا أتمنى، أستجديها أن ترسل نفسًا منك لتطفئها، كيف يمكن أن تكون أمنيتي اليوم ليست طول عمرك، بل أن يعيدوا لي بعض رفات جسدك المجمد! أطفئ الشمعة بيدي لأزداد يقينًا أن الحياة بعدك هي مجرد بقاء مهين، أتذكر كيف كنت تقف متأهبًا، تحدق في اللهب بعيني طفل يصنع أمنية، وكيف كانت أنفاسك الفتية هي من تقتل النار، أما الآن، فالنار لن تنطفئ، لأن تلك الأنفاس باتت محاصرة في عمق ثلاجة غامضة...

لم تجد يدي الشاحبة القوة لتغسل هذا القميص الذي ما زال معلقًا كعلم منكوب في زاوية خزانتك. إن كل بقعة سوداء متخثرة عليه، هي توقيع الجلاد على صفحة اغتيالك، ليست أوساخًا، بل هي الدليل المادي الوحيد الذي تبقى لديّ على أن دمك سفك هنا على هذه الأرض، أضم هذا الثوب بكفيّ المرتعشتين كل ليلة، وأجد فيه عطرًا يحارب رائحة الفقد العفنة. إنه وثيقة اتهامي لمن قتلوك ثم صادروا حقك في تراب دافئ يحتضنك، سأحتفظ بهذا الأثر لأعلن لكل من يرى أن كل دم مسفوك هو صك ملكية يثبت حقنا في الوطن، رغمًا عن حقارتهم.

 وها أنا كلما اشتد بي الوجع، أذهب لأضع رأسي على تلك الأحذية المتسخة بتراب الوطن، وأنتظر. أنتظر خبرًا، همسًا، أي شيء يعيد لي ابني من مزرعة الثلج التي زرعوا فيها القتل واللا-إنسانية. سأبقى هنا، صامدة كسنديانة في جرح الأرض، أعلّم أحفادي كيف ينادونك بالاسم لا بالرقم، وكيف يرسمون على الجدران وجه شهيد لم تخنه أمه حتى في مقابر الأرقام.

أرتدي كل صباح قناع الشامخة التي تبني من ركام قلبها صرحًا للصبر. أقابل العالم بوجهٍ لا تخطر عليه علامات الانكسار، ألقي كلمات العزة وأزفر التقبل، لأعلن للجميع أنني أم نجمٍ صاعدٍ لم يغب، فلن أمنح الجلاد لذة الرؤية لانهيار أم شهيد. إنني أمارس فعل الصمود كفرضِ عينٍ، كواجبٍ يمليه عليّ دمك المصادر في ثلاجاتهم. لكنني أعلن، في عزلة الليل البهيم، حقيقةً واحدةً: أن كل خطوة أمشيها في النهار هي خطوة مشويةٌ باللهب، وأنني حينما أخلو بنفسي، أفرغ كل ذلك الضغط على قميصك المتخثر، أقبله وأبكي، مدركة أن قوتي للجميع لم تغير واقع أم يصادر ابنها مرتين، مرة بالقتل ومرة بإبقائه حبيس صقيع الأرقام، تلك هي قصتي.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services