309257

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 169

بواسطة: بركة نيوز

بقلم  اسماعين تماووست
 أنا إسماعيل، مفتش الشرطة الذي اختبر الجمر بيده، ووطأ الظل بقدمه، ووقف كثيرًا على حافة اللاعودة. كنت أستيقظ كل صباح، أرتدي بزّتي الرسمية، لا كمن يتهيأ لمجرد عمل، بل كمن يتأهب لمعركة لا تعرف وجه عدوها. بزّتي لم تكن قماشًا فقط، بل كانت درعًا نفسيًا، أحتمي به من الانهيار، وأستمد منه انضباطي في زمنٍ انهارت فيه كل القواعد.

كم تمنّيت أن تكون أيامي كأيام الآخرين: كوب قهوة، صباح هادئ، عمل روتيني. لكنني كنت أعيش في وطنٍ يئنّ، حيث الرصاصة تتحدث أولاً، والكلمة تأتي متأخرة. كنتُ أعلم أنني أخوض معركة ليست كسائر المعارك، معركة ضد عدو يلبس وجه الدين، ويُلوّث قداسة الشريعة.

كنت أكرر في قلبي كل صباح: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا". أستمد منها العزم، حين تخونني الكلمات، وتثقل خطواتي. كنت أواجه الرعب، لا بقوة جسدي فقط، بل بإيماني بأن الظلام لا يدوم، وأن الدم لا يغسل بالدم، بل بالعدل.

أحيانًا كنت أشعر أني أمشي فوق هشيم الأرواح، أسمع تنهدات الأرض تحت قدمي، وكأنها تئن من كل ما ابتلعته من حكايات وأجساد. وجوه الأمهات العاجزات، نظرات الأطفال الحائرة، وصرخات الصباح الباكر حين تُقتحم البيوت… هذه الصور لا تُمحى، تسكن الذاكرة حتى وإن تظاهرتُ بالنسيان.

قال أحد الحكماء: "أعظم الحروب تلك التي نخوضها في صمت داخل أنفسنا." وأنا خضتُ حربي بصمت طويل. لم أكن أروي شيئًا، لكنني كنت أحمِل كل شيء. أحمل وجع الأرامل، صمت الأيتام، وانكسار الرجال الذين لم تبكِهم الدموع، بل بكاهم الوطن.

في لحظات كثيرة، كنت أرى الخوف في عيون الزملاء، وكان عليّ أن أتماسك. لم أكن أقوى منهم، لكنني كنت أعرف أن الضعف، إن سُمح له بالخروج، سيبتلعنا جميعًا. في لحظة ما، صارت البزّة ثقيلة، لا من كثافة قماشها، بل من ثقل المسؤولية.

وأتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا."
فكنت أقول لنفسي: نحن نُقاتل كي نمنح الناس هذا المعنى البسيط: الأمان، العافية، والخبز.

لقد مرّت بي وجوه كثيرة. بعضهم كنا نعلم أنهم مذنبون، لكن لا دليل. وبعضهم أبرياء سقطوا في فخ الكراهية والاشتباه. كنت أمقت الظلم، وأتجنب أن أكون أداة لقمع أبرياء، لكنك حين تكون في قلب العاصفة، تفقد أحيانًا البوصلة، وتحتاج إلى ضوء داخلي لا يُطفأ.

كانت الجزائر تنزف، لكنني كنت أراها تقاوم. في كل حيّ تُعيد فتح متجرٍ، في كل شارع تُعاد فيه الصلاة علنًا، في كل مدرسة تفتح أبوابها من جديد… كنت أرى الحياة تنبت بين الدماء، وأقول: هذه الأمة لا تموت.

اليوم، بعد كل تلك السنوات، لا أدّعي أني بخير. لا أحد يخرج من الظلمة دون ندوب. لكنني أؤمن أن الندبة علامة نجاة، لا هزيمة. وكما قال أحد الفلاسفة: "حتى الجروح العميقة، يمكنها أن تصبح نوافذ للضوء إن عشناها بصدق."

أنا إسماعيل، المفتش، الراوي، الشاهد… أكتب كي لا تُنسى الوجوه، ولا تبهت الحكايات. أكتب كي لا يعاد الخطأ، وكي يبقى الأمل حيًّا، في وطنٍ تعلّم أن النهوض ليس خيارًا، بل قدرا. 

لم يكن كل ما عشناه ناريًا... كان بعضها صامتًا، باردًا، ينهشك دون صوت.
أحيانا، كان أكثر ما يؤلم ليس الرصاص، ولا التفجيرات، بل تلك اللحظات التي خذلنا فيها من كنا نحسبهم عونًا. كنا نظن أننا نقف في صف واحد: الوطن، والشعب، والحقيقة. لكن الحقيقة؟ كانت موجعة. كُنا في كثير من الأحيان وحدنا... وحدنا تمامًا.

هناك من صلّى معنا في المسجد، وباعنا في الزقاق. هناك من ابتسم في وجوهنا صباحًا، ثم دسّ عيوننا في قوائم الموت ليلاً.
لم يكن الوجه المألوف يطمئنني. صار كل شيء موضع شك. نظرة الطفل، عيون العجوز، حتى همس النساء خلف النوافذ... صار الوطن كله متاهة.

أحيانًا كنت أتوقف لأسأل نفسي: "هل نحن فعلًا نُحارب الإرهاب؟ أم نحارب خيباتنا؟"
لأن العدو حين يختبئ خلف وجوه الأحباب، يصعب أن تُصوّب بندقيتك دون أن تنكسر روحك.
كُنا نحرس المدارس، ونحرس المساجد، ونحرس حتى الأمل... لكن من يُحرسنا نحن؟
من يُداوي أرواحًا تعبت من النزيف الداخلي، من هواجس الارتباك، من الحيرة بين الصواب والخطأ؟

أتذكّر ليلة داهمنا فيها بيتًا في أحد الأحياء. لم نجد إلا صمتًا، وثلاثة أطفال نائمين، وامرأة تشرب الشاي في عزّ الليل.
قلنا لها: "أين زوجكِ؟"
أجابت بهدوء قاتل: "سبقكم إلى الجنّة."
هل كان انتحاريًا؟ أم مقتولًا؟
لا نعرف...
لكن نبرة صوتها كانت أكثر برودًا من فوهة مسدسي.

في تلك الليالي، كان الوقت يتمدد.
الثانية تُصبح ساعة. والصمت يُصبح صراخًا.
كُنا نمشي بين الموتى... لكنهم لا يُدفنون.
إنهم يسكنون العيون، يختبئون في نظرات الناجين، في أسئلة الأطفال، وفي تجاعيد العجائز.

قالت لي زميلتي ذات مرة:
"النجاة ليست دائمًا نعمة، أحيانًا هي لعنة نحتاج أن نُشفى منها."
وفهمت.
لأننا كلما نجونا، حملنا المزيد. المزيد من الوجوه، من الذكريات، من القصص التي لا نجرؤ على روايتها.

حين كُنا نخلع بزّاتنا في آخر النهار، لم نخلع القلق.
كنا نحمله معنا إلى البيت، إلى سريرنا، إلى أحلامنا.
كنا نخاف أن نضحك كثيرًا، لأن الضحك كان ترفًا، والترف خيانة لزملائنا الذين سقطوا.
هل تصدقون أنني فقدت قدرتي على الضحك العفوي لسنوات؟
كل شيء صار مشروطًا بالحذر.

"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، كنت أرددها بصوت خافت في لحظات الانكسار.
لا لأثبت إيماني فقط، بل لأُقنع قلبي أن ما نفعله له معنى، وأن هذا الليل الطويل، لا بد أن يعقبه فجر.

في الشوارع التي امتلأت ذات يوم بالخراب، يعود اليوم الأطفال يركضون…
لكن بعض البيوت لا تزال مغلقة، كأنها تحتفظ بسِرّها.
بعض الجدران لم تُرمّم، وبعض الأرواح كذلك.

نحن الذين عدنا من الجبهات، لم نعد كما كنا.
أقدامنا تسير، لكن قلوبنا أُصيبت بعطب لا يُرى.
نُجيد الابتسام، لكن لا أحد يسمع صمتنا الداخلي.

لم نكتب كي يُقال عنّا أبطالًا، ولا كي يُمنح لنا وسام.
كتبنا لأننا ما زلنا نبحث عن سلام، عن معنى، عن نَفَس لا يخرج منه أنين.
كتبنا لأن الوطن الذي نجونا من أجله، يستحق أن يعرف الحكاية.
كل الحكاية.
بصدقها، بمرارتها، و…بخذلانها...

يتبع...

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services