130013

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 129

بقلم اسماعين تماووست

كنتُ أنظر إلى ذلك المراهق الذي بالكاد بلغ الرابعة عشرة من عمره، ذلك الشاهد البريء الذي وجد نفسه دون اختيار في عوالم القسوة والقتل، مجرّدًا من أي ذنب سوى أنه وُلِد ابنًا لإرهابي، هذا الفتى كان قد رافق الإرهابي بوياعلي، زعيم العصابة، في رحلاته المريبة، حيث كان يشهد تجاوزات لا يمكن للعقل تصديقها، وهو يمر بالحواجز الأمنية دونما عائق، كمن يملك مفاتيح الشر ذاته.
ورغم صغر سنه، جاءت شهادته مليئة بالتفاصيل، وصوته يحمل مرارةً وضيقًا كأنما يتحدى إرث والده، لكن ما أثارني أكثر هو تطرقه إلى كيفية استغلال والده للآيات القرآنية، كيف كان يرددها متباهياً ومُضلِّلاً، زاعماً أنه في خدمة الدين بينما هو في واقع الأمر يسعى لإرهاب الأبرياء ونشر الرعب والدمار، هذا الفتى بريء من ذلك الإرث الظلامي الذي ألقي عليه، فهو شاهد على جرائم تتنافى كلياً مع قيم الدين الحقيقية.
لقد رأيت في كلمات هذا المراهق وعيًا غير مألوفٍ، إدراكًا بأن كل من يستغل الدين من أجل العنف والإرهاب لا يُسيء إلا لنفسه، وأن الدين الإسلامي بريء من أفعال هؤلاء المجرمين، تذكّرت أن ديننا الحنيف يحثّنا على كل فضيلة، من إيمانٍ وتقوى وصبرٍ وإحسان واحترام، وعلى كل القيم النبيلة التي تُعزّز الحياة وتحفظ الأرواح، ورغم ذلك، كم من إنسان أعمته الأطماع الشخصية والرغبة في السيطرة، حتى سلك مسار المجرمين بلا رادع ولا ضمير.
أولئك الإرهابيون الذين اعتدوا على مدرسة الشرطة في الصومعة  البليدة، تجاوزوا حدود الإنسانية، وقد انطلقوا في غيّهم إلى حد القتل المتعمد والوحشي للنساء والأطفال والرجال، خالفوا تمامًا تعاليم الله تعالى، فزرعوا الرعب بين الناس وأثخنوا القلوب بالخوف، وأحدثوا شرخاً عميقاً في أمن الوطن.
وبينما كنتُ أستمع لشهادة هذا الفتى، شعرت بمزيج من الحزن والشفقة، وقلت في نفسي، إن هذا الطفل الذي شهد على تلك الأحداث البشعة في سن مبكرة هو برهان على أن العدالة يجب أن تتحقق،  فكل فرد، مهما كان قريبًا من دائرة الشر، لا يُحمل ذنب الآخرين، بل يجب أن يُعامل بإنصاف، وأن يُنظر له ككيان مستقل بعيداً عن أفعال ذويه، وكما قال الله عز وجل: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، أدركت أن العدالة الحقة هي في محاسبة كل إنسان بما اقترفت يداه، وأن يُترك هذا الفتى ليبني مستقبله بعيدًا عن تلك الظلال القاتمة..

ورغم هذا الخراب الذي عايشناه بألم، أجد نفسي، كمفتش ورجل عايش التفاصيل الدقيقة لهذا الوطن، أتساءل دومًا: ما الذي دفعهم إلى اتباع هذا الطريق المظلم؟ كأنهم تعمدوا الغرق في بحار الجهل وظلام العقول، مُدمرين ومشوهين كل ما هو جميل،  كان جليًا أن مسعاهم لم يكن لتحقيق غاية سامية، بل كان فشلهم حتميًا، ذلك أن الحقيقة لا يمكن حجبها إلى الأبد،  بلدٌ مثل الجزائر، بني على قيم الكرامة والحرية، لن يسمح أبدًا لقوى الظلام أن تسيطر عليه.
وربما، من موقعي كمن قضى سنوات طويلة من عمره في ملاحقة المجرمين للوصول  للحقائق، أرى أن طموحهم الأساسي لم يكن التدمير فقط، بل كان الوصول إلى الحكم والسيطرة،  لقد اختاروا درب العنف ظنًا منهم أن ذلك يُخضع الشعب ويثبت هيمنتهم، لكنهم غفلوا عن الحقيقة، أن هذا الشعب إرادته من فلاذ و أن الوطن عصي عليهم، فالسلطة لا تُنتزع بالقوة، بل تُنال بالعقول التي تتقد علمًا وعدلاً.
حينما أستحضر هذه الأحداث، أجد أن فكرة العدالة ليست مجرد تطبيق قوانين، بل هي انعكاس لروح الأمة، كنت أشاهد في كل جريمة تُرتكب كيف تظل بعض النفوس صامدة، وأن بريق الأمل لا يزال ينبض في قلوب الشعب، أما المجرمون فقد زرعوا  للأسف بذور الفتنة، لكنها لم تُثمر كما أرادوا، لأن حب الوطن والإيمان بالمستقبل يعيش في قلب كل جزائري.
كثيرًا ما أتأمل تلك العقول الضائعة، فهذه الأيديولوجيات الظلامية لن تُطفئ نور المعرفة، ولن توقف مسيرتنا نحو النور. المعرفة هي سلاحنا، وأعلم جيدًا أن هذا الشعب لا يمكن قهره بهذه الوسائل البائسة.
وأقول إن قوة الجزائر ليست فقط في أرضها وجبالها، بل في صمود أبنائها وإيمانهم العميق بعدالة قضيتهم، رغم كل ما مررنا به من فتن ومصاعب، يبقى الشعب الجزائري شامخًا، يحمل شعلة الأمل بين يديه، ويرفض الرضوخ لأي قوى ظلامية تسعى لطمس هويته وكسر إرادته.

في تلك الفترات العصيبة، حيث كانت الجزائر تعيش تحت وطأة الإرهاب والعنف، كنتُ  أقف في مواجهة الخطر بكل قوتي، واضعا  نصب عيني ملاحقة أولئك الذين استباحوا دماء الأبرياء ودمّروا الوطن بآرائهم الضالة وأعمالهم الإرهابية. كنت أتساءل دومًا، في كل عملية، وفي كل مطاردة، ما الذي دفع هؤلاء إلى هذا الطريق؟ كان الجواب يبدو واضحًا ولكن مريرًا: سعيهم المحموم للوصول إلى السلطة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك يعني تدمير كل شيء جميل في هذا الوطن.
ففي كل قضية كان أمامي، كنت أجد نفسي أمام قادة هذه الجماعات الإرهابية، الذين ظنوا أنهم بتلك الأعمال الوحشية يمكنهم فرض سيطرتهم على البلاد.

كان عملي كمفتش يشمل التحقيق في الجرائم، جمع الأدلة، وملاحقة المجرمين الذين كان جلّهم يحاولون اختباء وراء شعارات دينية زائفة وأيديولوجيات ضالة، لكنني كنت أعرف جيدًا أن الحقيقة لا يمكن أن تُخفى إلى الأبد، وأن هؤلاء الذين يعتقدون أنهم قادرون على فرض إرادتهم بالقوة لا يعلمون أن الإرادة الشعبية أقوى من أي قوة مسلحة، فكل عملية أخوضها ، وكل معلومة أتوصل إليها، تقربني خطوة جديدة نحو الإضاءة على هذه الزوايا المظلمة التي اختبأ فيها المجرمون.
كنتُ دائمًا أتابع هؤلاء الإرهابيين من خلال خيوط بسيطة؛ علامات صغيرة تظهر على مسرح الجريمة، أو إشارات قد تبدو غير مهمة في البداية، لكن مع الخبرة الطويلة والتدريب، أصبح بإمكاني أن أقرأ هذه التفاصيل وأفهم نواياهم.

كانت لحظات المطاردة تتطلب يقظة كبيرة، وكان عليّ أن أكون دائمًا في حالة تأهب، مستعدًا لكل الاحتمالات، في كل مرة كنت ألجأ فيها إلى التحقيق، كنت أكتشف أن هؤلاء المجرمين لم يكونوا سوى أدوات في يد من يسعى إلى الفوضى.
لكنني، رغم كل التحديات، كنت دائمًا أؤمن بأن العدالة ستنتصر في النهاية، كان التحقيق بالنسبة لي ليس مجرد بحث عن المجرمين فقط، بل كان محاولة لفهم دوافعهم، والبحث في كيفية إصلاح الأضرار التي ألحقوها بالوطن.

كان دافعهم الأساسي، كما اكتشفت بعد ملاحقتهم على الأرض وبين أزقة المدن والمروج والجبال، هو الوصول إلى السلطة. كانوا يظنون أن العنف سيمكنهم من فرض سيطرتهم، لكنهم لم يعرفوا أن الشعب الجزائري لا يُسحق بسهولة، وأن الإرادة الوطنية أقوى من أي قوة إرهابية.
لقد كانت كل لحظة في عملي بمثابة اختبار لقيمتي الوطنية والإنسانية،  ومع كل قضية و عملية أتولاها ، أتذكر أن العدالة ليست مجرد تطهير البلاد من الإرهاب، بل هي أيضًا إعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته، بين المواطن والدولة، وكنت أعرف كذالك أن الطريق كان طويلًا، وأن التحديات كبيرة، إلا أنني كنت أيضًا على يقين أن لا شيء سيوقفنا عن المضي قدمًا في محاربة الظلم...

يتبع...

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services