462

0

مسار التحول الإدراكي في تجربة الفنان عامر الخطيب

من الواقعية الجديدة إلى فنون الإدراك والمجسات البصرية: تحليل فلسفي و أنطولوجي في تجربة الفنان السوري عامر الخطيب

بواسطة: بركة نيوز

 

 

تقرير: إبراهيم شلبي / مصر

 

تمهيد: الفن شهادة وجودية ومختبر للوعي

 

يمثل الفنان السوري عامر سليم الخطيب حالة دراسية بالغة الأهمية في المشهد التشكيلي العربي المعاصر، حيث يجسد مساره الفني تحول جذري في وظيفة الصورة: من كونها أداة تمثيلية تحاكي الواقع، إلى أداة إدراكية تعيد بناء الوعي به. تمتد تجربته لأكثر من أربعة عقود، وقد شهدت انتقال دقيق من الواقعية الجديدة ذات الجذور الاجتماعية العميقة إلى خطاب بصري مفاهيمي يعالج أسئلة الذاكرة، والحضور الإنساني، والإدراك في زمن السيولة التكنولوجية.

هذه الدراسة تسعى إلى تحليل هذا المسار المتصاعد، وتقصي الجماليات الجديدة التي أسسها الخطيب من خلال تحويل اللوحة إلى فضاء للتجريب الحسي والفلسفي.

1 -  الواقعية الجديدة (المنطلق): الذاكرة والجسد كموضوع

كانت أعمال الخطيب المبكرة، التي ظهرت في سورية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، منطلق متين  للرؤية.

لقد انشغل الفنان بالإنسان كمحور العالم وموضوع الصورة، ملتزم بمسار الواقعية الجديدة التي تأثرت بالتحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

 

-  الالتزام البنائي والعمق الاجتماعي:

 

تتميز هذه المرحلة بـ دقة بنائية عالية تتأثر بالمنهج الأكاديمي، حيث يستخدم الضوء والظل لتأكيد الكتلة والتجسيد. لم يكن هدفه مجرد النقل الفوتوغرافي، كان يسعى لجعل اللوحة شهادة على الوجود الإنساني في لحظة هشاشة. كان يستلهم الوجوه اليومية للعمال والفلاحين والمدن القديمة، في محاولة لتوثيق الهوية الجماعية.

- اللون حقل دلالي:

في هذه المرحلة، يمثل اللون لدى الخطيب حقل دلالي ينقل التجربة النفسية والاجتماعية. فالألوان مشبعة بـ”ألوان الأرض” والتراث، لنقل الطاقة الوجدانية التي تقترب من التعبيرية. كان الخطيب في هذه المرحلة مشدود إلى ما أسماه موريس ميرلو-بونتي بـ «الرؤية الملتصقة بالعالم»؛ أي الرؤية التي تنبع من تماس الجسد والحواس مع المادة والضوء في الواقع الملموس.  أعماله مثل صانعة الخبز والفلاح تجسد هذا التعلق بالذاكرة الواقعية الجمعية.

 

2 -   التحول الإدراكي: اللوحة فضاء للتأمل المعرفي

 

مع بداية الألفية الجديدة، بدأ الخطيب مرحلة التحول النوعي، متجهاً نحو ما يمكن تسميته بـ «فنون الإدراك» (Perceptual Art)، حيث أصبح العمل الفني وسيلة لتفكيك العلاقة المعقدة بين العين والوعي.

 

-  تحرير الصورة من التمثيل:

 

تحولت اللوحة لديه من محاكاة العالم إلى اختبار لكيفية حضور العالم في الوعي الإنساني. في هذه المرحلة، بدأت تظهر أعمال تبدو وكأنها ”انعكاس لحالة وعي متذبذبة بين الواقع والتخيل”. لم يعد الفنان يلاحق تفاصيل المكان الخارجي،كان يستدعيها من الداخل: من الذاكرة البصرية ومن المخزون الحسي. هذا التحول يمثل نقل لمحور الصدق الفني من ”الإخلاص للمشهد” إلى ”الإخلاص للتجربة”.

-  الجماليات الجديدة والتجسد الإدراكي:

برزت التجربة التقنية كمكون أساسي في هذا التحول، حيث بدأ الخطيب في توظيف مواد غير تقليدية مثل الخامات الشفافة، اللامعة، والأقمشة النصف عاكسة، بالإضافة إلى طبقات لونية تتفاعل مع الضوء.

كسر حدود اللوحة: هذه البنية البصرية تجعل العمل يتجاوز حدود اللوحة المسطحة إلى فضاء إدراكي متعدد الأبعاد.

المشاركة الإدراكية: يصبح المشاهد مشارك فعلي في توليد الصورة، فالمعنى لا يكتمل إلا بحركة العين وموضع المتلقي.

هذا يجسد مفهوم «التجسد الإدراكي» الذي يرى أن الرؤية ليست مجرد استقبال بصري سلبي.

 

 3 - المجسات البصرية: من الإدراك إلى الوعي الخوارزمي

 

في أعماله الأحدث (ما بعد 2020)، يصل الخطيب إلى ذروة التجريب المفاهيمي، حيث تنفتح فنون الإدراك على مجال «المجسات البصرية» و”الوعي الخوارزمي”.

 

-  الضوء والفراغ كلغة فلسفية:

 

اصبح الخطيب يصمم فعل الرؤية نفسه ،لا ان يرسم المشهد. تستفيد أعماله من التكنولوجيا الرقمية والضوء الصناعي، ليخلق عوالم هجينة تجعل المشاهد جزء من التجربة كـ “جهاز إدراكي” يلتقط تغيرات الزمن والمكان. إنه يحول الضوء إلى لغة فلسفية، والفراغ إلى كيان ملموس، والجسد إلى أثر إدراكي. الفن هنا هو محاولة لاستدعاء أثر الإنسان وحضوره المتذبذب في الفضاء، وليس تصويره.

 

- الوعي الخوارزمي والتحليل البنائي:

 

في أعمال مثل محاكاة لبيكاسو (2023)، يظهر أن اللوحة بالاضافة لكونها حدث بصري ، أصبحت نظام إدراكي تحليلي . إن التفكيك البنائي الذي يستخدمه هنا لا يعكس تكعيبية القرن العشرين بقدر ما يحاكي عمليات التحليل البنائي في الفن الناتج عن الذكاء الاصطناعي، حيث تعاد بناء الصورة من وحدات متكررة تشبه الشيفرات البصرية.

ليلتقي الخطيب فكرياً مع الاتجاهات العالمية في فنون البيانات (كـ رفيق أناضول وأولافور إلياسون)، لكنه يحتفظ بلسان عربي يستبطن المأساة والذاكرة الجماعية. الفنان يصبح ”مبرمج إدراكي” يكتب معادلة لفهمه للعالم، أكثر من كونه رساماً له.

4 - الجماليات الإدراكية: فلسفة الاحتمال والغياب

 

يقدم الخطيب نموذج فريد لما يمكن تسميته بـ «الجماليات الإدراكية»؛ وهي مقاربة تسعى لخلق تجربة حسية وفكرية متكاملة.

- تجاوز الجماليات الكلاسيكية:

 

يتجاوز الخطيب حدود الجماليات الكلاسيكية (المبنية على التناسق والانسجام) ليؤسس لـ جماليات الاحتمال والغياب. ليصبح الصمت، والفراغ، والظل، عناصر بنائية توازي الأشكال المرئية نفسها.

 القيمة الجمالية تكمن في التجسيد البصري لزمن الرؤية نفسه ،اللحظة التي يتقاطع فيها الإحساس والذاكرة والضوء والوعي.

 

-  التجربة كحدث أنطولوجي:

 

إن التجربة في أعماله حدث إدراكي يشارك فيه المشاهد بعقله وجسده في آن واحد، مما يقربها من فنون الأداء والتجهيز الفراغي المعاصر. إنها تضع المشاهد أمام سؤال أنطولوجي أساسي: هل نحن نرى اللوحة، أم أن اللوحة هي التي ترانا وتختبر حدود وعينا؟

الفن هنا هو وسيلة لاكتشاف ما يختبئ وراء الجمال من وعي وقلق وسؤال.

 

خاتمة:

 

عامر الخطيب صوت في الفن الكوني

يحتل عامر الخطيب موقع متقدم ومتميز في المشهد العربي المعاصر؛ فهو يشكل حلقة وصل حية بين تقاليد الرسم العربي الحديثة وبين الاتجاهات العالمية في فنون الإدراك والتجريب المفاهيمي.

لقد اختزل الخطيب مساره في تحول جوهري من المحاكاة الواقعية إلى التجربة الإدراكية، ليعلن أن الفن لم يعد  صناعة صورة ، انما بناء وعي.

إن أعماله وعي يعاش، يمزج بين الوجدان العربي والفكر الإدراكي الحديث، مؤكداً أن الفن هو خبرة إنسانية تعاش وتختبر في لحظتها، وتعيد بناء العلاقة بين الرائي والمرئي في زمن التحولات الكبرى .

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services