15

0

مسعد بولس....يدحض الرواية المخزنية

 

بقلم الحاج بن معمر 

في حوار حصري بثّته فرانس 24، أعاد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية التأكيد على توصيف بالغ الدلالة في ملف الصحراء الغربية: الجزائر ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، بل فاعلًا إقليميًا معنيًا ومراقبًا بحكم الجغرافيا والتاريخ والاعتبارات الإنسانية.

هذا التصريح، وإن لم يكن جديدًا في أدبيات التعاطي الدولي مع القضية، أعاد فتح نقاش قديم يتجدد كلما تصاعدت حدة السجال السياسي والإعلامي: هل الجزائر طرف مباشر في النزاع، كما تروّج له الرباط، أم أن النزاع في جوهره بين المغرب وجبهة البوليساريو تحت رعاية الأمم المتحدة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الإطار القانوني الذي يحكم القضية، وإلى طبيعة العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة منذ عقود. فالنزاع حول الصحراء الغربية مُدرج على جدول أعمال الأمم المتحدة باعتباره مسألة تصفية استعمار، وتُعالج في إطار مسار ترعاه المنظمة الدولية عبر مبعوثها الشخصي، وتُشرف عليه بعثة “المينورسو”. الأطراف المعنية مباشرة في هذا المسار، وفق الصيغة الأممية، هما المملكة المغربية وجبهة البوليساريو باعتبارها الممثل المعترف به من طرف الأمم المتحدة للشعب الصحراوي. أما الجزائر وموريتانيا فتشاركان في الاجتماعات بصفة “دول مجاورة” أو “أطراف مراقبة”، وهو توصيف يحمل دلالة قانونية وسياسية واضحة.
التوصيف الأمريكي الذي عبّر عنه المسؤول في مقابلة فرانس 24 لا يخرج عن هذا الإطار الأممي. فقد أشار بوضوح إلى أن النزاع يدور بين المغرب والبوليساريو، بينما تُعد الجزائر دولة جارة لها تأثير بحكم استضافتها مخيمات اللاجئين الصحراويين ودعمها السياسي للقضية، لكنها ليست طرفًا مباشرًا في النزاع من الناحية القانونية.

هذا التفريق مهم، لأنه يضع الحدود بين “الدعم السياسي” و”الانخراط العسكري أو السيادي المباشر”، وهما أمران مختلفان جذريًا في القانون الدولي.
في المقابل، يصرّ الخطاب الرسمي المغربي على اعتبار الجزائر طرفًا مباشرًا، بل ويذهب أحيانًا إلى تحميلها “المسؤولية الكاملة” عن استمرار النزاع. هذا الطرح يقوم على حجج سياسية أكثر منها قانونية، أبرزها أن الجزائر تدعم جبهة البوليساريو سياسيًا ودبلوماسيًا وتستضيف اللاجئين فوق أراضيها.

غير أن الدعم السياسي، في القانون الدولي، لا يُحوّل الدولة الداعمة إلى طرف نزاع ما لم تكن منخرطة عسكريًا أو تمارس سيطرة فعلية على القرار السيادي للطرف المعني. وحتى في هذه الحالة، يتطلب الأمر أدلة قانونية دامغة تُثبت علاقة تبعية مباشرة، وهو ما لم يُثبت في أي قرار أممي.
إن محاولات نقل صفة “الطرف المباشر” إلى الجزائر تُقرأ، في سياقها السياسي، كجزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة طبيعة النزاع من كونه قضية تصفية استعمار إلى كونه نزاعًا إقليميًا ثنائيًا بين الرباط والجزائر.

هذا التحويل، لو تحقق، سيغيّر معادلة الحل جذريًا، لأنه سينقل النقاش من حق تقرير المصير إلى نزاع حدودي أو سياسي بين دولتين. غير أن قرارات الأمم المتحدة، منذ إدراج الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لم تعتمد هذا التوصيف، بل أبقت النزاع في إطاره الأصلي.
من جهة أخرى، تؤكد الجزائر في خطابها الرسمي أنها ليست طرفًا في النزاع، بل تدعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق الشرعية الدولية. هذا الموقف ثابت في بياناتها الرسمية وفي مداخلاتها داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. كما أن مشاركتها في الموائد المستديرة التي دعا إليها المبعوث الأممي تمت بصفتها “دولة مجاورة”، وهو توصيف وافقت عليه جميع الأطراف المشاركة، بما في ذلك المغرب نفسه، ضمن الصيغة التي اعتمدتها الأمم المتحدة.
الجدير بالذكر أن النزاع في الصحراء الغربية لا يمكن فصله عن سياقه التاريخي. فالإقليم كان مستعمرة إسبانية حتى عام 1975، وعقب انسحاب مدريد، دخلت المنطقة في مسار معقد انتهى باندلاع نزاع مسلح بين المغرب وجبهة البوليساريو.

الجزائر، في تلك المرحلة، أعلنت دعمها لحق الصحراويين في تقرير المصير، وهو موقف ينسجم مع سياستها التقليدية الداعمة لحركات التحرر، بحكم تجربتها الاستعمارية الخاصة. لكن الدعم السياسي لا يعني، بالضرورة، أنها طرف مباشر في النزاع من منظور قانوني.
توصيف الجزائر كطرف مراقب لا يلغي، بطبيعة الحال، تأثيرها الإقليمي. فهي فاعل أساسي في شمال إفريقيا والساحل، ولها ثقل دبلوماسي وأمني معتبر. لذلك فإن أي مسار حل سياسي لا يمكن أن يتجاهل دورها أو تأثيرها. غير أن الاعتراف بالتأثير لا يساوي الاعتراف بصفة “الطرف المباشر”. الفرق بين المفهومين جوهري: الأول يتعلق بالدور الإقليمي، والثاني يتعلق بالمسؤولية القانونية في النزاع.
في هذا السياق، تبدو تصريحات المسؤول الأمريكي محاولة لإعادة النقاش إلى إطاره الأممي، بعيدًا عن السجالات الثنائية. فواشنطن، رغم دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، لم تعلن يومًا أن الجزائر طرف مباشر في النزاع، بل دعت إلى انخراطها البنّاء ضمن العملية السياسية. هذا الموقف يعكس توازنًا دبلوماسيًا بين دعم مقترح سياسي معين والحفاظ على توصيف النزاع كما هو في الأمم المتحدة.
أما من الناحية العملية، فإن تحميل الجزائر صفة الطرف المباشر لا ينسجم مع آليات التفاوض القائمة. فالمبعوث الأممي يدعو المغرب والبوليساريو إلى التفاوض حول مستقبل الإقليم، بينما تشارك الجزائر وموريتانيا بصفة مراقب. لو كانت الجزائر طرفًا مباشرًا، لكانت طرفًا رئيسيًا في التفاوض على الوضع النهائي، وهو ما لم يحدث في أي جولة رسمية.
كذلك، فإن الحديث عن “نزاع مغربي-جزائري” يتجاهل حقيقة وجود كيان سياسي هو جبهة البوليساريو، المعترف بها إفريقيًا كعضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي. تجاهل هذا المعطى لا يُغيّر من الواقع القانوني، بل يختزله في سردية سياسية تخدم خطابًا معينًا. ومن هنا، فإن الجدل حول صفة الجزائر يعكس صراعًا حول طبيعة القضية نفسها.
في المحصلة، يُظهر النقاش أن وصف الجزائر كطرف مباشر لا يستند إلى سند قانوني صريح في قرارات الأمم المتحدة، بل إلى قراءة سياسية تهدف إلى إعادة تعريف النزاع. تصريحات المسؤول الأمريكي أعادت التأكيد على هذا الفارق، حين فرّقت بين الطرفين المباشرين في النزاع وبين الدول المعنية إقليميًا. وبين هذا وذاك، يبقى الحل مرهونًا بإرادة سياسية حقيقية، وباحترام الإطار الأممي الذي يحدد طبيعة النزاع وأطرافه.
إن قوة الحجة لا تقاس بشدة الخطاب، بل بصلابة الأساس القانوني الذي تستند إليه. وفي ملف الصحراء الغربية، لا تزال المرجعية الأممية هي الفيصل في تحديد صفة الأطراف. وحتى الآن، لا يوجد في تلك المرجعية ما يثبت أن الجزائر طرف مباشر في النزاع، بل دولة جارة معنية ومؤثرة، تشارك في المسار السياسي بصفة مراقب، وتؤكد دعمها لحل يقوم على تقرير المصير وفق الشرعية الدولية. وبين الروايتين، تبقى الكلمة الأخيرة للقانون الدولي ولمسار تفاوضي يضع حدًا لأحد أطول النزاعات في القارة الإفريقية.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services