11
0
من هيروشيما إلى ستارت الجديدة وما بعدها: هندسة الردع النووي بين منطق البقاء وفوضى ما بعد الضبط

بقلم الحاج بن معمر
لم يكن تفجير هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية مجرد حدث عسكري عابر، بل شكّل لحظة فاصلة في تاريخ البشرية، نقلت العالم من منطق الحروب التقليدية إلى عصر جديد تحكمه معادلات الردع النووي، وهندسة الخوف، وإدارة الفناء المحتمل. منذ تلك اللحظة، لم يعد السلاح النووي مجرد أداة تفوق عسكري، بل تحوّل إلى مركز ثقل استراتيجي أعاد تعريف مفهوم القوة، والانتصار، والسيادة، وحتى الأخلاق السياسية.
لقد سقطت الإمبراطورية اليابانية، لكن ما انهار فعليًا هو المعادلة القديمة التي كانت تربط بين النصر العسكري والمكسب السياسي، إذ أثبت العصر النووي أن الانتصار قد يكون مرادفًا للهزيمة الشاملة، وأن التفوق قد يقود إلى الفناء المتبادل بدل الهيمنة.
في قلب الحرب الباردة، أصبح السلاح النووي الركيزة الأساسية للصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وتحوّل التنافس إلى سباق محموم على الرؤوس النووية، والمنصات الصاروخية، والغواصات الاستراتيجية، والتحالفات العسكرية والتكنولوجية.
لم يكن الصراع يدور فقط حول عدد الأسلحة، بل حول القدرة على التأثير في قرار الخصم، وإدارة التوازن النفسي والسياسي، ومنع الانزلاق إلى حرب لا رابح فيها. في هذا السياق، بدأ الفكر الاستراتيجي العالمي يتجه نحو إعادة تعريف الغاية من القوة المسلحة، فبرز المفكر الأمريكي برنارد برودي عام 1946 بمقولته الشهيرة: "حتى الآن كانت الغاية الأساسية من القوات المسلحة هي كسب الحروب، أما اليوم فغايتها الأساسية هي منعها." كانت هذه العبارة بمثابة إعلان ميلاد فلسفة الردع النووي، التي نقلت مركز الثقل من القدرة على التدمير إلى القدرة على منع التدمير، ومن تحقيق النصر إلى تجنب الكارثة.
تحوّل الردع النووي تدريجيًا من مجرد امتلاك للقوة إلى منظومة فكرية وهندسية معقدة، تركز على السلوك والتواصل والإشارات السياسية والنفسية، كما طوّرها توماس شيلينغ في نظريته حول الردع كفن لإدارة التهديد دون تنفيذ فعلي، وكشبكة من الالتزامات والإشارات التي تقيّد خيارات الخصم وتمنعه من المغامرة. في هذا الإطار، لم يعد الوضوح وحده هو العامل الحاسم، بل أصبح الغموض المدروس عنصرًا فاعلًا في تعزيز الردع، حيث يكمن جزء من القوة في ترك الخصم غير متأكد من حدود التصعيد، ومن طبيعة الرد المحتمل.
لكن الردع لم يكن يومًا ضمانة مطلقة، وهو ما دفع المفكر الاستراتيجي هيرمان كان إلى طرح سؤاله الجوهري: "ماذا لو فشل الردع؟" إذ اعتبر أن الخطر الحقيقي يكمن في افتراض أن الردع لا يمكن أن يفشل، وأن تجاهل سيناريوهات الانهيار قد يقود إلى كوارث غير محسوبة. كما أشار ألبرت وولستتر إلى مفهوم "الاستقرار الأزموي"، موضحًا أن الردع قد يفشل ليس بسبب ضعف القوة، بل بسبب هشاشة التوازن في لحظات الأزمات، حيث تضيق نافذة القرار وتتصاعد الضغوط النفسية والسياسية، وتصبح الأخطاء أكثر احتمالًا.
من هذا الإدراك، نشأت الحاجة إلى هندسة زمنية وسياسية تضبط الإيقاع الاستراتيجي بين القوى الكبرى، وتمنع التفوق الحاسم، وتقيّد الإغراء بالضربة الأولى. وهكذا بدأت مسيرة معاهدات ضبط التسلح النووي، بدءًا من محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT) عام 1969، التي أفضت إلى توقيع معاهدة SALT ومعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM) عام 1972 في موسكو. لم تكن هذه المعاهدات مجرد ترتيبات تقنية، بل كانت تعبيرًا عن فلسفة جديدة مفادها أن الاستقرار لا يتحقق عبر التفوق المطلق، بل عبر التوازن المدروس، وأن تقييد الدفاع الشامل قد يكون ضروريًا للحفاظ على الردع، لأن الحصانة الكاملة قد تغري بالضربة الأولى، بينما الهشاشة المتبادلة تفرض الحذر وتطيل زمن القرار.
كانت معاهدة ABM تمثل القلب الفلسفي لمنطق الردع، إذ قامت على فكرة صادمة مفادها أن الدفاع المطلق يقوض الاستقرار، وأن الخوف المتبادل من الرد هو ما يمنع البدء بالحرب. لم تكن الهشاشة ضعفًا، بل تصميمًا واعيًا لمنع المغامرة، وإطالة زمن التفكير، وكبح اندفاع القادة في لحظات الأزمات. وبهذا، لم يكن الهدف تحقيق تفوق حاسم، بل منع نشوء ظروف تدفع نحو الحرب النووية.
ومع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة جديدة من ضبط التسلح النووي، تجسدت في معاهدة ستارت الأولى (START I)، التي وُقعت عام 1991 ودخلت حيز التنفيذ عام 1994. كانت هذه المعاهدة واحدة من أكثر اتفاقيات ضبط التسلح صرامة في التاريخ، حيث انتقلت من إدارة سباق التسلح إلى تفكيك فعلي للترسانات النووية، وخفض عدد الرؤوس الاستراتيجية إلى نحو 6000 رأس لكل طرف بعد أن كانت تتجاوز 10 آلاف. كما ركزت على تفكيك الصواريخ الثقيلة متعددة الرؤوس (MIRVs) نظرًا لخطورتها في تعزيز احتمالات الضربة الأولى.
تميّزت ستارت الأولى بآليات تحقق غير مسبوقة، شملت التفتيش الميداني المباشر، والمراقبة المستمرة لبعض المواقع، وتبادل بيانات موسعة، وتدمير فعلي للمنصات والصواريخ، وتوثيق بصري وتقني دقيق. وقد اعتبرتها الولايات المتحدة "ذهب المعاهدات"، لما حققته من تقليص حقيقي للترسانات النووية، ولما وفرته من استقرار خلال مرحلة انتقالية شديدة الحساسية في التسعينيات. كما أسهمت في جعل أوكرانيا دولة غير نووية، ضمن سياق دولي كان يخشى فقدان السيطرة على الترسانة السوفيتية السابقة وتسرب الأسلحة النووية.
غير أن نجاح ستارت الأولى كان مرتبطًا بسياق سياسي وتاريخي استثنائي لم يعد قائمًا اليوم، حيث كانت تمثل مشروعًا لتفكيك عالم قديم أكثر من كونها مجرد إدارة للخطر. ومع مرور الوقت، انتقل العالم من منطق التفكيك إلى منطق إدارة الشك، كما ظهر في محاولة إطلاق ستارت الثانية (START II) عام 1993، التي هدفت إلى خفض الرؤوس النووية إلى 3000–3500 رأس وحظر الصواريخ متعددة الرؤوس، لكنها فشلت سياسيًا ولم تدخل حيز التنفيذ، مما عكس تراجع الإرادة الدولية نحو تخفيض جذري للترسانات.
مع تآكل منظومة SALT وABM وSTART، لم يفقد العالم مجرد قيود قانونية، بل فقد أيضًا الهندسة الزمنية التي كانت تمنح القادة هامشًا عقلانيًا لاتخاذ القرار تحت الضغط. لم يعد السؤال الرئيسي هو عدد الأسلحة التي تملكها الدول، بل عدد الثواني المتاحة قبل اتخاذ أسوأ قرار ممكن. في هذا السياق، وُلدت معاهدة ستارت الجديدة (NEW START) كصمام أمان أخير، تهدف إلى تحديد سقف 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منشورًا لكل طرف، مع التركيز على الشفافية، والتحقق، ومنع سوء التقدير.
وُقعت ستارت الجديدة عام 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا، ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، ثم مُددت عام 2021 لمدة خمس سنوات دون إمكانية تمديد إضافي. لعبت المعاهدة دورًا مهمًا في تقليل المخاطر، وتعزيز قابلية التنبؤ عبر تبادل البيانات والإشعارات، وإجراء عمليات تفتيش ميدانية، وإنشاء آليات مشتركة لحل الإشكالات التقنية. لم تُلغِ المعاهدة الردع النووي، لكنها جعلته أقل فوضوية وأكثر قابلية للإدارة، وساهمت في تقليل احتمالات سوء الحساب والإنذارات الكاذبة.
غير أن التوترات المتزايدة، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، أدت إلى تعطيل بعض آليات التفتيش، وإعلان روسيا تعليق مشاركتها في المعاهدة عام 2023، ما جعل ستارت الجديدة آخر صمام أمان متبقٍ في نظام ضبط التسلح النووي العالمي. ومعانتهاء العمل بها، يواجه العالم خطر الدخول في مرحلة ردع فوضوي قائم على الشك، وتعدد اللاعبين النوويين، وتراجع الشفافية، وتصاعد سباقات التسلح الإقليمية.
تتفاقم المخاطر مع صعود قوى نووية جديدة أو محتملة، مثل كوريا الشمالية التي تمتلك ترسانة نووية متنامية وعقيدة تسمح بالضربة الاستباقية، وباكستان التي تواجه تحديات الاستقرار الداخلي والتصعيد مع الهند، وإيران التي تمتلك القدرات التقنية والمعرفية اللازمة للانتقال إلى العتبة النووية بقرار سياسي، فضلًا عن احتمالات دخول دول أخرى مثل السعودية وتركيا واليابان وكوريا الجنوبية في سباق نووي إذا انهارت الضمانات الأمنية الدولية.
في هذا المشهد المعقد، تلعب إسرائيل دورًا خاصًا عبر سياسة الغموض النووي، حيث لم تعترف رسميًا بامتلاك السلاح النووي رغم التقديرات التي تشير إلى امتلاكها ما بين 75 و400 رأس نووي. تعتمد إسرائيل على عقيدة بيغين لمنع أي خصم إقليمي من تطوير قدرات نووية، كما يظهر في ضرباتها الاستباقية لمفاعلات العراق وسوريا، وتهديداتها المستمرة لإيران. يمثل السلاح النووي الإسرائيلي "خيار شمشون"، أي الملاذ الأخير في حال تعرض الكيان لتهديد وجودي، وهو ما يعزز ردع الحروب الشاملة دون منع الصراعات دون العتبة النووية.
أما فرنسا، فتنتهج عقيدة ردع مستقلة تقوم على "الحد الأدنى الكافي"، مع ترسانة تُقدّر بنحو 300 رأس نووي، وتؤكد أن سلاحها النووي مخصص للدفاع عن المصالح الحيوية للدولة فقط. في المقابل، تعتمد بريطانيا على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتمتلك ترسانة نووية تُقدّر بنحو 225–260 رأسًا، مع تركيز على الردع البحري عبر الغواصات النووية، ما يجعل ردعها عالي البقاء لكنه محدود المرونة.
في ظل هذا التعدد النووي، يتراجع منطق الردع الثنائي الذي ساد خلال الحرب الباردة، ليحل محله نظام أكثر تعقيدًا وتعددًا في اللاعبين، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتتصاعد احتمالات سوء التقدير، وتزداد الحاجة إلى آليات جديدة لضبط المخاطر. لم يعد التحدي الأساسي هو خفض عدد الأسلحة النووية، بل منع استخدامها بالخطأ أو تحت ضغط الأزمات، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في فلسفة الأمن الدولي، من ضبط التسلح إلى ضبط الفشل.
إن انتهاء ستارت الجديدة لا يعني فقط فقدان اتفاقية قانونية، بل يعني انهيار آخر جهاز قياس مشترك بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم، وارتفاع مستوى الضبابية المعلوماتية، وتصاعد الضغوط الداخلية لتبني أسوأ السيناريوهات، وتآكل المثال القيادي الذي كان يشجع الدول الأصغر على الالتزام بضبط التسلح. في عالم تتزايد فيه الأزمات، وتتراجع فيه الثقة، وتتعدد فيه ساحات الصراع من شرق آسيا إلى جنوب آسيا والشرق الأوسط، يصبح خطر الانزلاق إلى كارثة نووية أكثر واقعية من أي وقت مضى.
وهكذا، يقف العالم اليوم أمام مفترق تاريخي جديد: إما إعادة هندسة نظام دولي جديد لإدارة الردع النووي ومنع الفشل، أو الدخول في عصر جديد من الفوضى النووية، حيث يصبح السؤال المركزي ليس كيف نخفض السلاح النووي، بل كيف نمنع استخدامه عندما تفشل كل الضمانات. في هذا التحول، تتجسد المعضلة الكبرى للأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين: الانتقال من حلم نزع السلاح إلى ضرورة إدارة الخطر، ومن منطق السيطرة إلى منطق البقاء.

