216

1

من دهشة الحبّ الأوّل…  إلى عمرٍ بأكمله بصوتٍ واحد

بقلم: نهى عودة 

 

 

........لم يكن هاني شاكر فنانًا عاديًا في حياتنا، بل كان رفيق الدرب الذي لم يتأخر يومًا عن موعد الشعور. كان الصوت الذي مشى معنا من ارتباك المراهقة إلى هدوء النضج، ومن دهشة الحب الأول حتى عمرنا هذا؛ كأنّه يعرف خريطة أعمارنا، ويضع عند كل محطة أغنية تناسبها.

لم نكن نستمع إليه فحسب، بل كنّا نجد أنفسنا في طبقاته، في ذلك الصفاء الذي يشبه ماءً شفيفًا لا يعكّره شيء. في صوته تعلّمنا أن الحب ليس وعدًا عابرًا، بل حالة صدق، وأن الانتظار جزء من الحكاية، وأن الكرامة لا تسقط حتى في أكثر لحظات الخذلان وجعًا. كان يغنّي فنشعر أنّه يقرأ ما بين ضلوعنا، ويقول ما نعجز عن قوله.

وحين ذهبنا، أنا وصديقة عمري، إلى حفلته، لم نذهب لنحضر أمسية طربية فقط، بل ذهبنا لنستعيد سنواتنا. كانت الحفلة أشبه بفرحٍ كبيرٍ للذاكرة، عرسٍ تتراقص فيه صور الطفولة والمراهقة والشباب. رأيتُ نفسي الصغيرة تمسك بحلمها الأول، ورأيتُ مراهقتي تخبّئ رسائل الحب بين دفاتر المدرسة، ورأيتُ شبابي يقف أكثر ثباتًا رغم كل ما تعلّم من الحياة.

في تلك الليلة، شعرتُ أنّ الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة تعود بنا إلى بداياتنا كلّما احتجنا أن نتذكّر من كنّا. لم يتغيّر إحساسنا به، بقي صوته كما هو، نقيًا، صادقًا، حميميًا. وحدها الحياة تغيّرت؛ كبرت مشاكلنا، تضاعفت مسؤولياتنا، أثقلتنا الوقائع، وتبدّلت ملامح العالم من حولنا. لكن حين غنّى، تراجع كل ذلك خطوة إلى الخلف، وبقي الشعور الأول كما هو.

هو لم يكن مجرد فنان يغنّي للحب، بل كان ذاكرة جيلٍ كامل. غنّى للسلام كما لو أنّه ضرورة، وللحرب كما لو أنّها جرح في صدره، ولفلسطين كما لو أنّها قضيته الشخصية، وغنّى للإنسان ببساطته وضعفه وقوّته. لذلك بقي كبيرًا فينا، وغادر وهو كبير… كبير في حضوره في القلب، وفي المساحة التي احتلّها في أعمارنا.

بعض الفنانين تمرّ أغانيهم في حياتنا مرورًا عابرًا،

وبعضهم يصبحون جزءًا من تكويننا النفسي والوجداني.

وهاني شاكر كان من أولئك الذين لا نسمعهم فقط…

بل نحملهم معنا، من دهشة الحب الأول حتى عمرنا هذا،

وكأن صوته خيطٌ سرّي يشدّنا دائمًا إلى أجمل ما فينا.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services