66
0
من بيت فجار إلى موسكو… حين ينتصر الفن على الحصار
محمود البوليس «فنان العام 2024–2025» وتكريس الرواية الفلسطينية في قلب العالم

بقلم الحاج بن معمر
ليس حدثًا عابرًا ولا تكريمًا بروتوكوليًا يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل لحظة ثقافية فارقة تُضاف إلى سجلّ الفن العربي الملتزم، وتكتب صفحة جديدة في مسار التعاون الفني العربي-الروسي، حين أعلنت العاصمة الروسية موسكو رسميًا تتويج الفنان التشكيلي العربي الفلسطيني محمود البوليس بلقب «فنان العام 2024–2025»، في اعتراف دولي بقيمة فنية وإنسانية تتجاوز اللوحة إلى المعنى، وتتجاوز الجمال إلى الشهادة، في زمن تتكاثر فيه محاولات طمس الرواية الفلسطينية وتشويه الذاكرة، يأتي هذا التتويج ليؤكد أن الفن الصادق لا يُحاصر، وأن الريشة حين تحمل قضية، تتحول إلى وثيقة، وإلى فعل مقاومة ثقافية لا يقل أثره عن أي خطاب سياسي.
الإعلان الرسمي جرى في مؤتمر صحفي احتضنته موسكو، المدينة التي باتت في السنوات الأخيرة منصة حيوية للحوار الثقافي العالمي، حيث أعلن أندريه ميخائيلوفيتش كريلوف، المستشار العام لمدينة موسكو ورئيس لجنة الجوائز في اللجنة الثقافية التابعة لمؤسسة ROOChR، نتائج اختيار ستة فنانين تشكيليين عالميين من بين مئات الأسماء التي خضعت لتقييم دقيق من لجنة دولية متخصصة.
وفي كلمته، التي اتسمت بقدر عالٍ من الاحترام والتقدير، أكد كريلوف أن الاختيار لم يكن تقنيًا أو جماليًا فقط، بل استند إلى معيار التأثير والرسالة، مشيرًا إلى أن محمود البوليس وسليمان منصور شكّلا نموذجًا للفنان الذي يتجاوز حدود الجغرافيا ليخاطب الضمير الإنساني بلغة عالمية، هي لغة الفن.
محمود البوليس ليس اسمًا طارئًا على المشهد الفني، بل تجربة متراكمة تشكّلت على مدى عقود من العمل الدؤوب، والرؤية الواضحة، والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الإنسان، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وُلد في بلدة بيت فجار جنوب بيت لحم عام 1969، في مكان مشبع بالتاريخ والألم والمقاومة، فكان طبيعيًا أن تتحول هذه الجغرافيا إلى حضور دائم في أعماله، لا بوصفها مكانًا فقط، بل كذاكرة وهوية وجرح مفتوح، منذ طفولته، حمل قلم الرصاص قبل أن يحمل الألوان، وبدأ بتجسيد الوجوه والملامح، كأنما كان يدرك مبكرًا أن الوجه الفلسطيني ليس مجرد ملامح، بل حكاية كاملة تحتاج إلى من يحفظها من النسيان.
مع تطور تجربته، لم يبقَ البوليس أسير الواقعية المباشرة، بل شقّ طريقه نحو أسلوب خاص يمزج بين السريالية والتجريد، سريالية في الموضوع تفتح باب التأويل، وتجريد في الشكل يمنح العمل طابعًا معاصرًا، دون أن يفقده جذوره الإنسانية والوطنية، القدس، الشهداء، الأطفال، الأمهات، الصحفيون، الأطباء، الأساتذة… كلهم حضروا في لوحاته لا كرموز مجردة، بل ككائنات نابضة بالألم والكرامة معً، الفن عنده ليس ترفًا بصريًا، بل فعل توثيق ومساءلة، ومحاولة دائمة للإمساك بالحقيقة وسط ضجيج الروايات المتناقضة.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شكّل مشروع «فلسطين بعيون فنانين روس وأجانب» منصة مركزية لتجربة محمود البوليس الدولية، حيث شارك في أكثر من مئة معرض فني داخل روسيا، مقدّمًا القضية الفلسطينية للجمهور الروسي والعالمي بلغة بصرية عميقة، بعيدة عن الخطابة المباشرة، وقريبة من الإنسان أينما كان.
هذه المشاركات لم تكن مجرد عرض للوحات، بل حوارات ثقافية مفتوحة، وورشات، ولقاءات، أسهمت في بناء جسر فني وإنساني بين العالم العربي وروسيا، وأكدت أن الثقافة قادرة على كسر الصور النمطية وبناء فهم متبادل أكثر عمقًا.
قرار لجنة الجوائز بمنح محمود البوليس لقب «فنان العام 2024–2025» جاء بالإجماع، بعد دراسة معمقة لأعماله ومسيرته وتأثيره الدولي. اللجنة رأت فيه فنانًا استطاع أن يحافظ على صدق تجربته، وأن يربط بين الجمالي والإنساني دون ابتذال، وأن يجعل من فنه مساحة للعدالة الرمزية، في عالم يضيق فيه الهامش أمام الأصوات الحرة. ولم يكن هذا التكريم فصلًا عن السياق العام لتكريم الفن الملتزم، بل رسالة واضحة بأن الرواية الفلسطينية، حين تُقدّم بصدق وعمق فني، تجد من ينصت إليها، حتى في أكثر العواصم بعدًا جغرافيًا.
ومع كل هذا الضوء، يبقى الحزن حاضرًا في خلفية المشهد، فالفنان الذي تُرفع أعماله اليوم في موسكو وعواصم العالم، ما زال يرسم وجع وطنه تحت سماء مثقلة بالدخان، وما زالت لوحاته تنزف أسماء الشهداء وملامح الأطفال وصرخات الأمهات.
هذا التناقض بين التكريم العالمي والألم المحلي ليس مفارقة عابرة، بل جوهر تجربة محمود البوليس، الذي لم يتعامل يومًا مع الفن كمهرب من الواقع، بل كطريقة للغوص فيه، وتحويله إلى شهادة بصرية عصيّة على النسيان.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون التوقف عند الدور الإنساني والثقافي الذي مثّله ويواصله الدكتور بسام فتحي البلعاوي، رئيس المنظمة الإقليمية العامة لجمهورية تشوفاشيا، وجمعية الصداقة والتعاون بين شعوب تشوفاشيا وروسيا وفلسطين، ورئيس الفرع الإقليمي للمنظمة الدولية العامة، الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في جمهورية تشوفاشيا، ومدير المكتب التمثيلي للمنظمة الروسية للتضامن والتعاون مع الشعوب الآسيوية والأفريقية.
هذا الجهد المتراكم في بناء جسور الصداقة الثقافية والإنسانية شكّل بيئة حاضنة لمثل هذه الإنجازات، وأسهم في إيصال الصوت الفلسطيني إلى فضاءات دولية مؤثرة، بعيدًا عن الضجيج السياسي الآني.
إن تتويج محمود البوليس ليس إنجازًا شخصيًا فحسب، بل انتصار للفن الملتزم، وللثقافة العربية، وللرواية الفلسطينية التي ترفض أن تكون هامشًا في التاريخ، هو تأكيد على أن الفن حين يكون صادقًا، يتحول إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير، وإلى ذاكرة جماعية تحفظ ما تحاول السياسة طمسه. في زمن القسوة، اختار محمود البوليس أن يكون فنانًا، وأن يحمل فلسطين على كتفيه، لا كشعار، بل كمسؤولية أخلاقية، وأن يجعل من ريشته ضوءًا في ليل طويل لم ينتهِ بعد.
في موسكو، حيث أُعلن اسمه بين نجوم الفن العالمي، لم يكن محمود البوليس يمثل نفسه فقط، بل حمل معه بيت فجار، وبيت لحم، والقدس، وكل فلسطين. حمل وجعها وأملها، وذكّر العالم بأن الحق لا يموت، وأن الفن، حين يكون شاهدًا لا زينة، لا يُهزم… مهما طال الليل.

