احتضنت دار الثقافة مالك حداد بقسنطينة أمس الخميس ندوة علمية وطنية موسومة بـ“جهود الدولة الجزائرية في حماية التراث الثقافي في ظل التحديات العالمية”، وذلك في إطار إحياء شهر التراث 2026 وتحت شعار “تراثنا حضارتنا”، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين والخبراء، وبالتنسيق مع مخبر العقود وقانون الأعمال بجامعة قسنطينة 1.
ص دلومي
وتناولت أشغال هذه الندوة مداخلات أكاديمية وقانونية ركزت على واقع حماية التراث الثقافي في الجزائر، في ظل التحولات الدولية الراهنة، مع إبراز الرهانات المرتبطة بتثمين الممتلكات الثقافية الوطنية، والتصدي لظاهرة التهريب والاتجار غير المشروع بالموروث الحضاري، إضافة إلى استعراض أهمية توظيف الآليات القانونية الوطنية والدولية لمواجهة هذه التحديات.
الدكتورة زهرة جريدي: التراث الجزائري ثروة حضارية تواجه تحديات التهريب
وخلال تدخلها، أوضحت رئيسة الندوة الدكتورة زهرة جريدي، المتخصصة في القانون الدولي والعلاقات الدولية وأستاذة بجامعة أم البواقي وعضو بمخبر العقود وقانون الأعمال، أن الجزائر تمتلك رصيداً حضارياً متنوعاً نتج عن تعاقب حضارات عديدة، غير أن هذا التراث يواجه اليوم جملة من المخاطر، أبرزها عمليات النهب والتهريب التي تمس الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية.
وأضافت المتحدثة أن التراث الجزائري تعرض خلال الفترة الاستعمارية إلى انتهاكات واسعة، مشيرة إلى وجود قطع أثرية، من بينها رؤوس تماثيل رومانية، ما تزال معروضة في متاحف أجنبية، خاصة في فرنسا، رغم المطالب المتكررة باسترجاعها.
وفي السياق القانوني، أبرزت جريدي أن المنظومة التشريعية الوطنية، وعلى رأسها القانون 98-04، تضع إطاراً صارماً لتجريم تهريب ونقل الممتلكات الثقافية، بعقوبات جزائية تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات سجناً، إضافة إلى غرامات مالية، مؤكدة في الوقت نفسه أهمية الاتفاقيات الدولية في دعم جهود استعادة الممتلكات المنهوبة، رغم وجود بعض النقائص القانونية، خصوصاً فيما يتعلق بتكييف بعض أشكال النهب ضمن جرائم الحرب بشكل واضح وصريح.
كما تمت الإشارة خلال النقاشات إلى التحول الذي عرفه الوعي الرسمي الجزائري تجاه حماية التراث، من خلال إدراج هذا الحق في دستور 2016 وتعزيزه في دستور 2020 ضمن باب الحقوق والحريات، بما يعكس الاهتمام المتزايد للدولة بهذا الملف. وتم التطرق أيضاً إلى مختلف الآليات القانونية، المدنية والجزائية، التي تجرم الاعتداء على الممتلكات الثقافية، إلى جانب دور المؤسسات الدستورية في حمايتها، مع التوقف عند أهمية الدبلوماسية الثقافية كأداة لتعزيز حضور الجزائر دولياً عبر موروثها الحضاري والسياحي.
ومن جانب آخر، ناقشت المداخلات الآليات الإدارية المرتبطة بحماية التراث، خصوصاً ما يتعلق بالمجالات الحضرية والريفية المصنفة ضمن القطاعات المحفوظة.
البروفيسور نور الهدى زغبيب: حماية التراث تتطلب توازناً بين التثمين الاقتصادي والحفاظ على الطابع الأصيل للمواقع التاريخية
وفي هذا الإطار، أوضحت البروفيسور نور الهدى زغبيب، أستاذة متخصصة في القانون وباحثة في التراث، أن مخططات تهيئة هذه الفضاءات تهدف إلى تنظيم استغلالها وضبط قواعد حمايتها.
كما ربطت المتحدثة بين حماية التراث ودوره في التنمية الاقتصادية، مؤكدة ضرورة تحقيق توازن بين الحفاظ على الطابع الأصيل للمواقع التاريخية واستثمارها اقتصادياً، من خلال تشجيع المبادرات الشبابية في هذا المجال.
وقدمت في هذا السياق أمثلة من مدينة قسنطينة، على غرار القصبة والسويقة، باعتبارها فضاءات قابلة لتجسيد مشاريع حرفية وسياحية، إلى جانب إمكانية استغلالها في إنشاء معارض مفتوحة ومتاحف في الهواء الطلق، بما يدعم السياحة الثقافية، فضلاً عن اقتراح مشاريع لفنادق تراثية.
كما تم التأكيد على أهمية الدور التحفيزي للدولة عبر إجراءات ضريبية وتشجيعية لدعم الاستثمار في هذا القطاع، مع التطرق إلى إشكالية الملكية الخاصة لبعض الممتلكات التراثية، حيث تعود في حالات متعددة إلى أفراد، ما يطرح تحديات قانونية دقيقة، وهو ما يعالجه القانون 98-04 عبر آليات تضمن حماية الممتلك الثقافي مع الحفاظ على حقوق الملاك.
واختتمت الأشغال بالتأكيد على أن شهر التراث، الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، يمثل محطة أساسية للتوعية والتحسيس، من خلال إشراك مختلف القطاعات المعنية، على غرار الثقافة والتعليم العالي والتربية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، بهدف ترسيخ ثقافة حماية التراث لدى المواطن.
طرطاق زكريا: حماية التراث الثقافي المغمور تستوجب تفعيل القوانين الوطنية والتعاون الدولي
من جانبه أكد الأستاذ طرطاق زكريا خلال مداخلته ضمن أشغال الندوة العلمية الوطنية الموسومة بـ“جهود الدولة الجزائرية في حماية التراث الثقافي في ظل التحديات العالمية”، وفي إطار المحور الثاني المتعلق بـالتراث الثقافي في القوانين الدولية والوطنية، أن التراث الثقافي المادي المغمور يمثل أحد أهم مكونات الذاكرة الإنسانية، لما يحتويه من آثار غارقة تحت المياه تشمل السفن التاريخية والمدن القديمة والموانئ الأثرية.
وأوضح أن هذا النوع من التراث ازداد الاهتمام به مع التطور التكنولوجي في مجالات الاستكشاف البحري والملاحة، ما فرض ضرورة وضع منظومة قانونية دقيقة لحمايته من التهريب والاستغلال غير المشروع.
وفي حديثه عن الإطار المفاهيمي، أبرز أن التراث الثقافي المغمور يشمل جميع الممتلكات ذات الطابع الثقافي أو التاريخي أو العلمي الموجودة تحت الماء، سواء بشكل كلي أو جزئي، ولمدة زمنية معتبرة تقارب 100 سنة، وفق ما تنص عليه اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية هذا النوع من التراث، ويضم ذلك حطام السفن والطائرات القديمة، وبقايا الحضارات الغارقة، والموانئ والمنشآت البحرية، إضافة إلى اللقى الأثرية المرتبطة بالنشاط البشري.
أما في الجانب القانوني الوطني،فأكد الأستاذ طرطاق أن الجزائر وضعت إطاراً تشريعياً متكاملاً لحماية التراث الثقافي، من خلال القانون 98-04 المتعلق بحماية التراث الثقافي، الذي يعد المرجع الأساسي في هذا المجال، حيث يشمل الممتلكات الثقافية البرية وتحت الماء على حد سواء، وينص على تصنيفها ضمن قائمة الممتلكات المحمية، بما يترتب عنه إخضاعها لنظام قانوني خاص يمنع التصرف غير المشروع فيها أو إتلافها.
وأضاف أن القانون ذاته يجرم كل أشكال الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، كما يفرض خضوع عمليات التنقيب الأثري للترخيص المسبق والرقابة العلمية والإدارية من طرف الدولة، مع منع أي تنقيبات غير قانونية.
وفي جانب التدابير الوقائية، أشار إلى أن حماية التراث المغمور لا تقتصر على النصوص القانونية فقط، بل تشمل أيضاً إجراءات ميدانية، أبرزها المراقبة البحرية وتتبع الأنشطة المشبوهة على السواحل، والتعاون مع حرس السواحل لمكافحة التهريب وحماية المواقع الأثرية، إضافة إلى تنظيم نشاط الغوص ومنع أي عمليات غوص في المواقع الأثرية دون ترخيص رسمي، حفاظاً على هذه الثروة التاريخية من التخريب أو النهب غير المقصود.