17

0

قراءة في فضائح "جزيرة إبستين".. مستنقع الحضارة الغربية وتهافت الانبهار

 

مصطفى محمد حابس: جينيف / سويسرا

 

دعيت نهاية هذا الأسبوع لندوة حوارية حول ما اصطلح عليه بفضيحة القرن لمناقشة أصول و أبعاد بل وإفرازات هذا الزلزال الذي جاء على الأخضر واليابس ليس فقط في المجتمع الأمريكي و الغربي بل في العالم أجمع بما فيه الإسلامي.

النقاش دار حول موضوع حساس ومعقد وخطير مثل فضائح جيفري إبستين ومجتمع " الميم" التي غطت على كل الاخبار، طبعا الأمر يتطلب توازناً دقيقاً بين استعراض الحقائق المؤلمة وبين تقديم الرؤية الشرعية والأخلاقية التي تحصن الأسرة والمجتمع، لكن نظرا لضيق الوقت وتشعب الحوار الذي يتطلب صفحات وصفعات، قد لا نستطيع الإلمام بكل ما جاء فيه، إلا أنه ومن باب "ما لا يدرك كله، لا يترك جُلّه" هذه قراءة سريعة للمشهد، على أن نعود في قابل الأيام لتغطية موسعة للحدث وافرازاته مع قطوف من الندوة.. 

بريق زائف دوّخ عقولاً ظنت أن الغرب هو منتهى الرقي البشري والإنساني 

كشفت التسريبات الأمريكية الأخيرة هذا الأسبوع عن فصل جديد في قضية إجرام جيفري إبستين وشلته، بعدما أطاحت بوابل من الأسماء البارزة في عالمي المال والأعمال ومشاهير الفن والسياسة، كاشفة أكواما من الرسائل والصور صادمة للغاية تعيد فتح واحد من أخطر الملفات الجنائية التي تطال شخصيات نافذة حول العالم عرفته البشرية في القرون الاخيرة..

وهذا يتطلب منا وقفة صراحة مع الذات، لما نحن ذاهبون اليه كأفراد ومجتمعات خاصة لدى بعض المستلبين ثقافيا وحضاريا ببريق بعض وجوه الثقافة والفن والعفن في بلاد الغرب كما في الشرق، بريق سراب لطالما أقض مضاجعا، حيث وقفت فئات عريضة من مجتمعاتنا المسلمة مشدوهة أمام "النموذج الغربي"، مبهورةً بناطحات سحابه، وأناقة نخبه، وشعارات حقوق الإنسان ورعاية الطفل وحرية المرأة التي يصدّرونها لنا ليل نهار. وقد استطاع هذا البريق الزائف أن يدوّخ عقولاً ظنت منذ قرون أن الغرب هو منتهى الرقي البشري والإنساني. لكن، جاءت فضائح "جيفري إبستين" لتضرب هذا الصنم ضربة قاصمة، كاشفةً عن مستنقع آسن يختبئ تحت بدلات السياسيين الرسمية وابتسامات المشاهير ومجون الأثرياء. لم تكن مجرد جريمة مكتملة الأركان فحسب، بل كانت إعلان إفلاس أخلاقي لحضارة مادية كاملة من المحيط الى الخليج..

إذ أجزم أحد المتدخلين في الندوة، أن ملاحظون كثر وفي عقر دار الغرب، يرون أن قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد فضيحة جنائية عابرة، بل كانت زلزالاً أخلاقياً كشف عن التفسخ الذي قد يختبئ خلف بريق الثراء والسلطة في الحضارة المادية الحديثة. وبينما ينشغل العالم بتفاصيل الأسماء المتورطة و هي تعد بالآلاف، يحتاج المسلم ا, الانسان العادي إلى قراءة هادئة لهذا الحدث بعين البصيرة، مستلهماً من دينه الحنيف الدروس التي تحمي لبنة المجتمع الأولى: الأسرة ومحيطها الضيق. 

وهم "الحرية المطلقة" وسقوط القيم إلى درك البهيمية


 إن ما كشفته الوثائق ليس مجرد انحراف فردي لبعض الحيارى والتائهين التافهين، بل هو نتاج منظومة فكرية تقدس "الحرية الشخصية" بلا ضوابط و لا بوصلة، وتفصل الأخلاق عن الممارسة الحياتية.

أما الإسلام فإنه يرى أن الحرية مقيدة بـ "حدود الله"، وأن المال والسلطة هما "ابتلاء" وليسا تشريفاً مطلقاً. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}. هذا الطغيان الذي رأيناه في استغلال القاصرات هو نتيجة مباشرة للاستغناء عن الرقابة الإلهية والشعور بالحصانة الدنيوية الزائفة.

الإسلام رسالة ومنهج حياة جاء ليكرم بني آدم، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. حرم الإسلام الزنا ووسائله، وحرم استغلال الضعفاء، وجعل النظر إلى المرأة نظرة شهوانية محرمة صيانةً لكرامتها. فالمنظور الإسلامي يرفض "الشيئية" التي تحول الإنسان إلى أداة متعة ويفرض سياجاً من العفة يحمي المجتمع من الانحدار إلى درك البهيمية، أجل الله قدركم. 

تفكك الأسرة الغربية.. بين التكريم الإلهي والتسليع الغربي 

تفكك الأسرة الغربية هي الثغرة التي دخل منها الشيطان، وإلا كيف استطاع صعلوك مثل إبستين وشريكته اصطياد هؤلاء الفتيات من جهات اجتماعية وعرقية و دينية شتى؟ لقد استغلوا التفكك الأسري، وغياب  سلطة الأب و الام، وحاجة الفتيات للمال أو المأوى أو لأمور أخرى !!

 و أتي بعضهم يصدع رؤوسنا ليل نهار بحقوق المرأة وحماية الطفولة، ثم نكتشف أن أطفالاً وفتيات قاصرات تم شحنهن كالبضائع لجزيرة معزولة ليكونوا "أدوات متعة" لنخبة مميزة من وحوش غابة يرتفع فيها شياطين الغرب و "صفوة" قادته !!

هذا هو حصاد "الفردانية" و الأنانية الغربية التي حطمت الأسرة الممتدة. الفتاة في الغرب بمجرد بلوغها الثامنة عشرة (وأحياناً قبلها) تجد نفسها وحيدة تصارع وحوش الرأسمالية. أما في مجتمعاتنا المسلمة - رغم ما يعتريها من ضعف - تظل الأسرة "حصناً". الوالدين، الأخ، العم، والأسرة، كلهم سياج يحمي الفتاة. الإسلام فرض النفقة على الولي حتى لا تضطر الحرة أن تأكل بثدييها. إن الفضيحة المدوية اليوم في بلاد الغرب هي إدانة لنظام اجتماعي غربي يترك الفرد وحيداً بلا ظهير حتى تفترسه ذئاب الشر.. 

الغرب الرأسمالي حول الإنسان إلى "شيء" قابل للاستهلاك والشراء وحتى الاستعباد 

هنا يتجلى الفرق بين "الحضارة" التي تدعي الحقوق وبين "الشريعة" التي تصونها، و بالتالي بات في الشريعة السمحاء لهذا الدين الإسلامي، "قضية العرض خط أحمر، والطفل ريحانة، والمرأة مكرمة لا يجوز النظر إليها بشهوة فضلاً عن استغلال حاجتها". الغرب الرأسمالي حول الإنسان إلى "شيء" قابل للاستهلاك والشراء والبيع وحتى الاستعباد، على حد تعبير المفكر الإسلامي مالك بن نبي ( رحمه الله)، بينما الإسلام رفع الإنسان فوق مستوى المادة. تلك هي رسالة المجتمعات المسلمة "النظيفة" وهي فعلا نظيفة لأنها ما زالت تستقبح الرذيلة وتستعظم انتهاك العرض، بينما النخبة الغربية " المستقورة" تطبعت مع الرذيلة حتى صارت طقساً سرياً يمارسونه بلا تأنيب ضمير ولا خجل ولا وجل!!

هنا تبرز عظمة نظام الأسرة في الإسلام الذي تسعى هيئات مسؤولة حتى في أروقة الأمم المتحدة لهدمه وتقليص سلكته ونفوذه. فالأب "راعٍ ومسؤول عن رعيته" والأم كذلك، والنفقة واجبة من ولي الامر، والتربية الاسرية القائمة على المراقبة والحب هي الدرع الواقي. الإسلام لا يترك الفتاة وحيدة تواجه ذئاب المجتمع في أدغال محيطات لا شاطئ لها، بل يحيطها بولي أمر، وعصبة، ومجتمع متكافل (نظام الزكاة والصدقات) يغنيها عن بيع كرامتها وعفتها من أجل المال أو التكسب الحرام. 

خواء النخبة و صفوتها.. عندما يسقط القناع عن "القدوة"!! 

في الغرب ومنذ عقود، يُقدم هؤلاء المتورطون (رؤساء، أمراء، علماء، فنانون وممثلون) على أنهم "صفوة البشرية" وقادة التنوير ومرشديه!!  والحقيقة أن هذه الفضيحة تكشف بجلاء لا لبس فيه زيف "القدوة" في الحضارة المادية على عمومها، غربية كانت أم شرقية. إ

كما تكشف أيضا خواء "سيادة القانون".. فالعدالة العرجاء حتى في الغرب، رأينا كيف تم التستر على القضية لسنوات، وكيف أُغلقت ملفات، وكيف "انتحر" المتهم الرئيسي في ظروف غامضة، تلفها أسرار وأسرار، وكيف أن كثيراً من الأسماء الكبرى لن تطالها يد العدالة الأرضية.. إنهم أناس ملكوا المال وبعض العلم والتكنولوجيا، لكنهم فقدوا "تزكية النفس"، فقدوا "حياة الروح"، بل فقدوا معادلة الترجيح والتكامل بين " المادة و الروح". 

الإسلام يعلمنا أن الحضارة ليست مجرد أسمنت وحديد، بل هي "بنيان إنسان" يحمل قيماً 

وهنا الإسلام يعلمنا أن الحضارة ليست مجرد أسمنت وحديد، بل هي "إنسان" يحمل قيماً، عملا بقوله تعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً}. لقد ظهر للعالم أن هؤلاء "الكبار" هم في الحقيقة "صغار" و صغار جداً أمام شهواتهم الحيوانية الشاذة وتافهين من قمة الرأس الى أخمص القدمين، وأن التقدم المادي لا يعني بالضرورة رقياً إنسانياً. "هذا درس بليغ لكل مسلم منبهر: لا تغتر بالمظهر، فالباطن قد يكون مظلماً وعفناً"، كما يحلو لبعض مشايخنا قوله!!

العودة إلى النبع الصافي إن ما حدث في دهاليز الغرب المظلمة يؤكد لنا أن الحضارة بلا دين هي وحشية مقنعة. لقد آن الأوان للمجتمعات المسلمة أن ترفع رأسها، وأن تعتز بطهارتها، وأن تدرك أن ما لديها من قيم أسرية وأخلاقية هو "طوق النجاة" الوحيد للبشرية التائهة. فلنحمد الله على نعمة الإسلام، و لنحذر من جحور الضب التي يريدوننا أن ندخلها خلفهم. 

مفهوم السننية الشاملة وآليات تطبيقها في القرآن الكريم 

وتقريبا لهذا الفهم استوقفتني اليوم رسالة أستاذنا الدكتور الطيب برغوث على صفحة "منتدى دراسات النهضة الحضارية"، وهو يرد على رسالة الأستاذ الدكتور محي الدين بن عمار، الذي يشرح فيه لزملائه ابعاد نظرية الشيخ الطيب برغوث، بقوله: ما أتقن ما صور به أستاذنا الطيب برغوث مفهوم السننية الشاملة وآليات تطبيقها في القرآن الكريم وما أصدق لسانه حينما نصح النخب المثقفة أن تستوعب هذه النظرية السننية الشاملة وتحولها إلى إنعاش النهضة الحضارية المغيبة منذ قرون وما أعمق تفكيره حينما ربط مفهوم السننية الشاملة بإبداعية العلوم والمعارف الإنسانية في ترشيد وعي الإنسان وإعادة صياغته روحيا وعقليا وسلوكيا جامعا بين الأصالة والمعاصرة وفق مقاصد القرآن ونظرية الاستخلاف الإلهي في الأرض...ووفق الله الأستاذ مكي بودر في رسالته للدكتوراه الذي حاول أن يجمع فيها بين سننية القرآن وعمق التراكيب اللغوية القرآنية". 

رؤية كلية عن حقيقة الإسلام الكبرى كما جاء بها القرآن وتاقت إليها البشرية عبر الأجيال 

فكان رد الشيخ الطيب على رسالة الأستاذ محي الدين، بعد التحية والسلام، هذه القطوف: " سعيد جدا ومعتز بشهادة أستاذ مثلكم من الفضلاء الذين يتذوقون الأفكار الكبرى ويقدرونها ويضعونها في مكانها الصحيح من منظورات ومنظومات الفكر السنني الذي ترتبط به حياة الأفراد والمجتمعات ومصائرهم الأخروية.  فمن يحاول استكناه حقيقة القرآن ومقاصده الكلية في الحياة وبنيته المنهجية الكلية في تحقيق هذه المقاصد، سيصل إلى أن منظور السننية الشاملة يمثل خلاصة كلية لذلك كله. فمنظور السننية الشاملة أخي العزيز د. سي محي الدين، ليست فكرة الطيب برغوث في الأساس، ولكنها رؤية كلية عن حقيقة الإسلام الكبرى كما جاء بها القرآن الكريم وتاقت إليها الخبرة البشرية عبر الأجيال، وستظل تتوق إليها وتتحرك نحوها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فالإنسان لا يمكنه أن يتوازن، والمجتمع لا يمكنه أن يتوازن، وكذا النهضة الحضارية لا يمكنها أن تتحقق وتتوازن وتعظم فعاليتها وخيريتها وبركتها ورحمتها العامة، بدون الوعي بمنظور السننية الشاملة، وبدون استثمار معطياته بشكل شمولي وتكاملي في فهم الحياة وإدارتها، لأنه المنظور الذي ينفتح على كل الساحات الكونية التي وزع الله فيها سننه في الخلق، ويدعو الإنسان إلى الانفتاح عليها جميعا، واستثمارها جميعا في تحقيق توازنه ورفع فعاليته الإنجازية إلى مستوياتها النموذجية القصوى، على خلاف المنظورات السننية الجزئية المتنافرة المهيمنة على الوعي والحركة الإنسانيين بشكل كبير، فإنها تحصر اهتمام الانسان في بعض الساحات السننية فقط. 

فضائح "جزيرة إبستين" هي جرس إنذار للإنسانية جمعاء 

ولعل في هذه الصدمة العالمية المزلزلة، على حد قول المفكر الجزائري الطيب برغوث،  التي فجرتها جزيرة الشياطين في أمريكا، ما يدل فعلا على خطورة المنظورات الجزئية المتنافرة التي تهيمن على تفكير الناس وتصوراتهم واهتماماتهم ومناهج عملهم، والتي لا يمكنها أن تخرج للبشرية إلا نماذج فكرية، ونماذج بشرية، ونماذج اجتماعية، ونماذج حضارية مختلة التوازن، خطيرة النتائج على الإنسان والحضارة الإنسانية، والمصير الأخروي للإنسان، وهو ما يعزز الضرورة القصوى للعناية بمنظور السننية الشاملة لتلافي هذه المخاطر المهلكة، فإن الإنسان الذي تبنيه المنظورات الجزئية المتنافرة، كثيرا ما يعاني من ازدواجية فكرية ونفسية وسلوكية واجتماعية تؤثرا سلبا على أدائه الذاتي والاجتماعي معا، وتسمه بكثير من التنافرية والاهتلاكية التي تضعف فعاليته الاجتماعية الكلية في نهاية المطاف، في الوقت الذي تتحقق فيه النهضة المتوازنة للمجتمعات بهذه الفعالية الاجتماعية الكلية المتكاملة.

وختاما لهذه القراءة المقتضبة لجريمة العصر، يجب أن يفهم الجميع، على اختلاف مستوياتنا وهمومنا، أن فضائح "جزيرة إبستين" هي جرس إنذار للإنسانية جمعاء، وتذكرة للمسلمين بنعمة الإسلام وتشريعاته. وأن العفة ليست قيوداً، بل هي حماية. والأسرة ليست مجرد سكن، بل هي حصن. والمجتمع الذي لا يخشى الله في خلواته، لن تمنعه القوانين الوضعية من ارتكاب الفظائع والكبائر. علينا أن نعود لتعزيز قيم المراقبة الذاتية (الإحسان) في نفوس أبناء الامة عبر الاجيال، وأن نكون لهم الملاذ الآمن حتى لا يبحثوا عن الأمان في أحضان الوحوش المفترسة، كما توضحه جليا هذه الفضائح الغربية التي كشفت خبايا "جاهلية حديثة"، أبطالها رموز المادية والفن والعفن.. ولله في خلقه شؤون!!

 
 
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً



حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً



حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services