7078

0

حينما أضاعت_فرنسا البوصلة  من يدير اللعبة .....؟!

بواسطة: بركة نيوز

بقلم الحاج بن معمر
لم يعد ما تتعرّض له الجزائر في الفضاء الإعلامي الفرنسي مجرّد إنزلاقات تحريرية أو “أخطاء تقدير” من صحفيين متحمسين، بل تحوّل إلى نمط متماسك، منتظم، ومتكرر، يشي بوجود قرار سياسي مُسبق يُنفَّذ عبر واجهة إعلامية.

فحين تتطابق العناوين، وتتوحّد الزوايا، ويُعاد إنتاج نفس السرديات العدائية على امتداد المنصات العمومية الفرنسية، فإننا لا نكون أمام صحافة تمارس استقلالها، بل أمام أداة دولة تؤدي وظيفة محددة داخل معركة نفوذ.

في نظام شديد المركزية كالنظام الفرنسي، حيث تُدار الملفات السيادية من قصر الإليزيه، يصبح من السذاجة الاعتقاد أن هذا النوع من الحملات يمكن أن يُبث دون غطاء سياسي أعلى، أو خارج منطق التنسيق العمودي بين السلطة التنفيذية وأذرعها الإعلامية.
في قلب هذا التنسيق يبرز اسم إيمانويل مولان، أمين عام رئاسة الجمهورية الفرنسية، لا بوصفه مجرد “كبير إداريين”، بل باعتباره أحد العقول التي تُمسك بخيوط الاشتباك غير المعلن.

مولان هو نموذج صارخ لرجال الدولة الجدد في فرنسا: تكنوقراطيون يتحدثون بلغة الحياد التقني، لكنهم يُديرون الصراع بلغة الضغط، ويُمارسون السلطة من وراء الستار. موقعه لا يمنحه سلطة الخطاب، بل سلطة التنظيم: من يحدد السقف، يضبط الإيقاع، ويضمن الانسجام بين القرار السياسي، والمصلحة المالية، والرسالة الإعلامية.

وحين يتعلق الأمر بدولة مثل الجزائر، ذات حمولة تاريخية وسيادية خاصة في الوعي الفرنسي، فإن هذا الانسجام لا يكون عفويًا، بل مُدارًا بدقة.
مسار مولان ليس تفصيلًا إداريًا، بل مفتاح لفهم طبيعة الدور،  فالرجل تدرّج داخل أخطر مفاصل النفوذ المالي: الخزانة الفرنسية، نادي باريس، آليات إدارة الديون والضغط الاقتصادي، ثم احتكاك مباشر بالقطاع المالي الخاص قبل العودة إلى قلب الدولة.

هذا المسار يُنتج ذهنية لا ترى في الدول شركاء متكافئين، بل ملفات قابلة للإدارة والضغط والتقويم،  في هذا المنطق، لا تُستعمل القوة الخشنة إلا عند الضرورة، بينما تُفضَّل الأدوات “الناعمة الخشنة”: الإعلام، السمعة، الصورة، والتأثير على الرأي العام.

وهنا يصبح الإعلام العمومي الفرنسي، المرتبط ببنية تمويل وإشهار وشبكات مصالح متداخلة مع عالم المال، جزءًا من منظومة النفوذ، لا سلطة مستقلة عنها.
الاستهداف الإعلامي للجزائر يخدم هذا المنطق بدقة،  فالجزائر، بالنسبة لدوائر نفوذ فرنسية نافذة، لم تعد مجرد ملف ذاكرة استعمارية، بل تحوّلت إلى دولة تُربك الحسابات: ترفض الوصاية، تُعيد تموضعها الجيوسياسي، وتُصرّ على خطاب سيادي لا ينسجم مع منطق التبعية.

هذا “التمرّد الهادئ” يُقابل، في عقلية الضغط، بمحاولة تطويق رمزي: تشويه الصورة، تضخيم الإخفاقات، بث الشكوك حول المؤسسات، وإعادة تقديم الدولة ككيان مأزوم أو معزول. إنها حرب سرديات كاملة، تُدار بعقل تقني بارد، لا بانفعال دبلوماسي.
في هذا المشهد، لا يقتصر الاشتباك على الإعلام الرسمي، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تلعب الأصوات “غير الرسمية” دورًا حاسمًا. وهنا يبرز نموذج “أمير ديزاد” بوصفه فاعلًا رقميًا يؤدي وظيفة خطيرة داخل معركة التأثير.

مرة أخرى، نحن لا نتحدث عن “عميل” بمفهوم قضائي، بل عن واجهة خطابية تُعيد إنتاج نفس السرديات العدائية، لكن بلسان يبدو داخليًا، وبخطاب يُسوَّق على أنه نقد ذاتي أو معارضة وطنية، هذا النمط معروف في أدبيات الحروب النفسية: الرسالة حين تأتي من الخارج تُواجَه بالتحفّظ، لكن حين تُمرَّر عبر صوت يُقدَّم كـ“ابن الداخل”، فإنها تكتسب قوة مضاعفة وقدرة أعلى على الاختراق.
خطورة دور أمير ديزاد لا تكمن في نواياه المعلنة، بل في وظيفته الموضوعية داخل المشهد. توقيت خرجاته، طبيعة المواضيع التي يركّز عليها، طريقة التأطير التي يعتمدها، كلها تتقاطع بشكل مريب مع موجات الضغط الإعلامي الفرنسي.

هو لا يصنع السردية من الصفر، بل يُعيد تدويرها، يُكثّفها، ويمنحها غلافًا محليًا يجعلها أكثر قابلية للاستهلاك الداخلي. وبهذا المعنى، يصبح جزءًا من سلسلة تأثير، سواء أدرك ذلك أم لا، تُدار من خارج الحدود، وتخدم هدفًا واحدًا: إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، وتقديم الجزائر كدولة فاقدة للبوصلة.
هذا التلاقي بين الإعلام العمومي الفرنسي والفاعلين الرقميين ليس صدفة، بل نتيجة منطق اشتغال متكامل، فالدول التي تُدير نفوذها بذكاء لم تعد تعتمد على أدواتها الرسمية فقط، بل على شبكات من الأصوات الرمادية: لا هي ناطقة باسمها، ولا هي مستقلة عنها فعليًا. وهنا يظهر دور أمين عام الإليزيه بوضوح. فمولان، بحكم موقعه، هو الضامن السياسي لهذا الانسجام: من يترك الخطاب العدائي يتدفق دون كبح، من يملك سلطة التدخل ولا يفعل، ومن يُدير الصمت بوصفه أداة، في منطق السلطة، الصمت ليس حيادًا، بل قرار. وعدم التدخل ليس عجزًا، بل توجيهًا غير مباشر.
تحميل المسؤولية لصحفي أو برنامج أو قناة هو تبسيط مُخلّ وهروب متعمد من الحقيقة. فالمهندس الحقيقي للحملة ليس من يظهر على الشاشة، بل من يعرف كيف تتحرك الأدوات دون أن تترك بصمات واضحة.

ما يجري هو ضغط منظم، تُستعمل فيه السمعة كعملة تفاوض، والتشويه كأداة ردع، والإعلام كجبهة متقدمة في صراع نفوذ غير معلن. والجزائر، وهي تواجه هذا النمط من الاستهداف، تدرك أن المعركة لم تعد مع صحافة، بل مع منظومة كاملة اختارت الضغط بدل الندية، والتشويش بدل الاحترام.
في هذا السياق، يصبح الوعي بطبيعة المعركة ضرورة سيادية. فالصراع اليوم لا يُقاس فقط بموازين القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرة الدولة على حماية صورتها، وضبط سرديتها، وكشف الأدوار الرمادية التي تتحرك تحت غطاء “حرية التعبير” بينما تؤدي وظيفة سياسية دقيقة.

وما بين مولان في قلب الإليزيه، والإعلام العمومي الفرنسي، والفاعلين الرقميين الذين يُعاد توظيفهم داخل هذه المعركة، تتشكل لوحة واحدة: حرب سرديات مُدارة بعقل دولة، ضد دولة اختارت أن لا تعود إلى  الوراء......

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services