15

0

حين يصمت المتفرّجون وتتكلم الكرامة

 

بقلم الحاج بن معمر
ليس أخطر على الأوطان من عدوٍّ واضح الملامح، ولا من خصمٍ يعلن عداءه جهارًا، فهؤلاء مفهومون، يمكن رصدهم ومواجهتهم. الخطر الحقيقي، العفن الذي ينخر الجسد ببطء، هو صمت من يفترض أنهم الحُرّاس، برود من يُفترض أنهم الضمير، وتواطؤ من يُفترض أنهم النخبة.

أولئك الذين يراقبون الإهانة من مقاعدهم الوثيرة، ثم يلوّحون لك بنصٍّ أدبي أو تنظيرٍ أخلاقي فارغ، ليقنعوك أن ما يحدث “أصغر من أن يستحق الموقف”.
من يشتم وطنك يشتمك، هذه ليست عبارة عاطفية، بل حقيقة وجودية. الوطن ليس شعارًا في نهاية مقال، ولا صورة مؤطرة في مكتب، ولا بطاقة تعريف تُستخرج عند الحاجة.

الوطن جلدك، اسمك، ذاكرتك الجماعية، وكرامتك حين تُختبر. ومن يتعدّى على أبناء بلدك، في ملعب، أو منبر، أو شاشة، أو اتفاقٍ خفي، إنما يختبر صمتك قبل أن يختبر قوتك. وحين تصمت، فأنت لا تكون محايدًا، بل شاهد زور.
لكن “النخبة” — أو من تحب أن تسمّي نفسها كذلك — لها رأي آخر. هي لا ترى في الإهانة إهانة، بل “سوء فهم”. لا ترى في التعدّي تعدّيًا، بل “سجالًا عابرًا”. لا ترى في سرقة الحق سرقة، بل “جزءًا من لعبة أكبر”. لأنها — كما تقول — أرقى من الانجرار إلى ما تسميه الشعبوية، وأذكى من أن تُستفز، وأنقى من أن تتسخ بمعارك الكرامة اليومية. هي تقرأ كثيرًا، تكتب أكثر، لكنها لا تقول شيئًا حين يكون الصمت خيانة.
هذه النخبة لا تنزل إلى الشارع، لا ترفع صوتها، لا تغضب. غضبها مؤجل دائمًا، مشروط دائمًا، مرتبط دائمًا بميزان الربح والخسارة. لا تتحرك إلا إذا ضمنت أن موقفها لن يكلّفها دعوة، أو منحة، أو مقعدًا في ندوة، أو صورة مع راعٍ سخي. وحين تُهان البلاد، تتقن هذه النخبة لعبة التجاهل، وتسمّي الجبن حكمة، والانسحاب تعقّلًا، والحياد فضيلة.
المفارقة أن من يدافعون عن الكرامة لا يدّعون النخبوية،  لا يملكون معاجم فلسفية، ولا يقتبسون من الكتب الثقيلة، ولا يتقنون لغة الصالونات. هم أناس عاديون، بسطاء، يتحركون بغريزة الانتماء. يغضبون لأنهم يشعرون، يصرخون لأنهم أحياء، يدافعون لأن الوطن بالنسبة لهم ليس فكرة مجردة، بل دم يجري في العروق. لا يسألون: “هل هذا مناسب الآن؟” بل يسألون: “كيف نسمح بهذا؟”.
هنا يظهر الفرق الجوهري: هناك من يرى الوطن مشروعًا ثقافيًا قابلًا للتأجيل، وهناك من يراه خطًا أحمر لا يقبل المساومة. هناك من يتعامل مع الإهانة كخبر، وهناك من يتعامل معها كطعنة، هناك من يزن الموقف بميزان المصالح، وهناك من يزنه بميزان الكرامة. وبين الميزانين، تضيع الحقيقة، إن لم يتكلم من يجب أن يتكلم.
النخبة الصامتة تحب أن تعلّم الآخرين معنى الوطنية، لكنها تفرّ منها حين تُطلب منها ممارسة. تكتب عن الهوية، لكنها ترتجف حين تُختبر. تنظّر عن السيادة، لكنها تصاب بالعمى حين تُنتهك. هي بارعة في نقد العامة، في السخرية من الغضب الشعبي، في تسفيه أي رد فعل عفوي، لكنها عاجزة عن تقديم موقف شجاع واحد حين يكون الثمن حقيقيًا.
الأخطر من ذلك أن هذا الصمت يُقدَّم بوصفه سموًا أخلاقيًا. يُقال لك إن الانفعال ضعف، وإن الدفاع عن الكرامة تهور، وإن الرد على الإهانة انحدار إلى مستوى “الآخر”. وكأن الكرامة رفاهية، وكأن الدفاع عن الذات تهمة، وكأن الصمت فضيلة مطلقة. لا أحد يخبرك أن هذا الخطاب ليس سوى غطاء أنيق للخوف، وأن الحياد في معركة الكرامة ليس موقفًا، بل انحيازٌ للمهين.
الوطن لا يحتاج خطباء في أوقات الهدوء فقط، ولا شعراء يكتبون بعد أن تهدأ العاصفة. الوطن يحتاج من يقف حين تعصف الريح، من يقول “لا” دون حسابات، من يدفع ثمن الموقف دون انتظار مقابل. يحتاج من يفهم أن المعارك الصغيرة — في الرياضة، في الثقافة، في الإعلام — ليست صغيرة أبدًا، لأنها مؤشرات على نظرة الآخرين إليك، وعلى استعدادهم لتجاوزك إن لم ترد.
وحين تُسرق رموزك، أو يُزوّر تاريخك، أو يُهان جمهورك، أو تُداس كرامتك تحت لافتة المنافسة أو السياسة أو الترفيه، فإن الصمت ليس نضجًا، بل إعلان ضعف. العالم لا يحترم من يصمت عن نفسه. والخصوم لا يتوقفون لأنك متعقّل، بل يتمادون لأنك قابل للتجاوز.
المثير للسخرية أن من يصمتون اليوم، سيكتبون غدًا عن “أزمة القيم”، وعن “انحطاط الخطاب”، وعن “غياب الوعي الجمعي”. سيبكون على الأطلال، ويتحسرون على وطن لم يدافعوا عنه حين كان يحتاجهم. سيكتبون نصوصًا حزينة، وقصائد مكسورة، ومقالات مليئة بالحكمة المتأخرة. لكن الحكمة بعد فوات الأوان، لا تُنقذ وطنًا.
الوطن لا يشرّفه أن يتحدث باسمه من يخجل من الدفاع عنه. لا يحتاج إلى وجوه مصقولة، ولا إلى خطابات متوازنة أكثر من اللازم، ولا إلى مثقفين يخافون على صورتهم أكثر من خوفهم على كرامة البلاد. الوطن تحميه المواقف، لا الكلمات. تحميه الشجاعة، لا البلاغة. تحميه الجرأة على قول الحقيقة، لا الاختباء خلف العموميات.
ليس المطلوب تهوّرًا أعمى، ولا سبًّا مجانيًا، ولا فوضى خطاب. المطلوب فقط موقف واضح: أن تقول إن الإهانة إهانة، وإن التعدّي تعدٍّ، وإن الصمت تواطؤ. المطلوب أن تفهم أن الدفاع عن الكرامة ليس هبوطًا، بل ارتقاء. وأن الوقوف مع الوطن حين يُهان، ليس انحيازًا ضيقًا، بل التزام أخلاقي.
في النهاية، سيبقى الوطن، وستتغيّر الوجوه. سيبقى من دافعوا، وسيُنسى من صمتوا. التاريخ لا يذكر المتفرجين، ولا يخلّد المتردّدين. يذكر فقط أولئك الذين قالوا “هنا نقف”، حين كان الوقوف مكلفًا. أما النخبة التي اختارت السلامة، فستبقى مثالًا على أن الثقافة بلا شجاعة، مجرد زينة… وأن الصمت حين تُهان الأوطان، ليس حكمة، بل عار.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services