421
0
حين يفشل الخطاب السياسي… يُستدعى الإعلام للاستفزاز

بقلم الحاج بن معمر
لطالما مثلت العلاقات الجزائرية الفرنسية علاقة معقدة يحمل تاريخها ثقلاً من الجروح والذاكرة الجريحة، لكن ما يجري اليوم يتجاوز إرث الماضي المؤلم إلى حرب سيكولوجية وإعلامية ممنهجة تشنها دوائر رسمية فرنسية ضد الجزائر.
القناة العمومية الفرنسية "فرانس 2" لم تبث "وثائقيًا" بالمعنى المهني للحظة، بل نفذت مهمة دعائية وسياسية تهدف إلى تشويه صورة الجزائر ودولتها ومؤسساتها، في عمل يذكرنا بأسوأ أيام الحرب النفسية الاستعمارية.
لكن الجزائر اليوم ليست مستعمرة، والجزائريون ليسوا رعايا فرنسيين، والقرار الذي اتخذته وزارة الشؤون الخارجية باستدعاء القائم بالأعمال الفرنسي كان رسالة واضحة مفادها أن كرامة الأمة وشرف الدولة خطان أحمران لا يقبلان المساومة.
لم يكن "الوثائقي" المزعوم سوى نسيج من الأكاذيب والمغالطات المختلقة، صيغت بعناية فائقة لتصوير الجزائر كدولة "مشكلة"، متجاهلاً عمداً الحقائق التي لا تقبل الجدل: أن الجزائر دولة مستقرة ذات سيادة كاملة، تمتلك مؤسسات ديمقراطية منتخبة، وتشهد نمواً اقتصادياً مطرداً، وتلعب دوراً محورياً في استقرار المنطقة. الأكثر استفزازاً في هذه الحملة هو تورط السفارة الفرنسية في الجزائر، بل والسفير شخصياً، في تنشيط هذه الحملة المسيئة.
هذا ليس خطأً فردياً ولا زلة إعلامية، بل هو سياسة دولة تدار من أعلى المستويات في باريس، وتكشف عن نية مبيتة لإبقاء العلاقات الثنائية في حالة تأزم دائم، خدمة لأجندات سياسية فرنسية داخلية وخارجية.
ما يثير الاشمئزاز في هذا "الوثائقي" هو انتقائيته المريضة. فأين هو "التحقيق الجاد" عن الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر التي خلفت ملايين الضحايا؟ أين هو "الموضوعية المهنية" في الحديث عن الأرشيف السري للاستعمار الذي ترفض فرنسا إطلاع الجزائريين عليه حتى اليوم؟ أين هو "الضمير الإنساني" الذي يتغاضى عن مجازر 8 مايو 1945 ومظاهرات 17 أكتوبر 1961؟
لماذا لا تنتج القناة العمومية الفرنسية وثائقياً عن التعذيب المنهجي الذي مارسه الجيش الفرنسي طوال 132 عاماً من الاحتلال البشع؟ الإجابة بسيطة: لأن إعلام الخدمة العمومية الفرنسي تحول إلى إعلام الخدمة السياسية، مهمته ليست إعلام المشاهدين بل تضليلهم، وليس كشف الحقائق بل طمسها، وليس بناء الجسور بين الشعوب بل هدمها.
المشاركة الفاضحة للسفير الفرنسي في هذه الحملة تذكرنا بأسلوب "المقيم العام" في عهد الاستعمار، الذي كان يعتبر نفسه فوق القانون وفوق الاحترام. لكن السفير الفرنسي في الجزائر اليوم ليس حاكماً مستعمراً، بل دبلوماسياً معتمداً لدى دولة ذات سيادة، ومهمته الأساسية هي تعزيز العلاقات الودية بين البلدين، وليس تقويضها.
مشاركته الشخصية في هذه الحملة المسيئة تنتهك بشكل صارخ اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، التي تلزم الدبلوماسي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة. هذا الانزلاق الخطير يحمل رسالة مفادها أن فرنسا لا تزال تتعامل مع الجزائر بمنطق القوة والاستعلاء، متناسية أن زمن الهيمنة قد ولى إلى غير رجعة.
توقيت هذه الحملة ليس اعتباطياً. إنه يأتي في لحظة تشهد فيها الجزائر استقراراً سياسياً واقتصادياً لافتاً، وتلعب دوراً متعاظماً في المحيط الإقليمي والدولي، إنه محاولة يائسة لخلق "عدو خارجي" تشتيتاً للانتباه عن الأزمات الداخلية الفرنسية العميقة، من المشاكل الاقتصادية إلى الأزمات الاجتماعية إلى تراجع النفوذ الدولي لفرنسا.
إنها سياسة الإلهاء القديمة: عندما تعجز عن حل مشاكلك، ابحث عن عدو وهمي ووجه إليه سهامك، لكن الشعب الجزائري الذي خرج من رحم المعاناة أقوى من أن تنال منه أكاذيب إعلامية، والدولة الجزائرية التي بنيت على جماجم الشهداء أقوى من أن تهزها حملات تشويه.
الرد الجزائري كان نموذجياً في حكمته وحزمه. فلم تندفع الجزائر إلى ردود أفعال انفعالية، بل اختارت الدبلوماسية الواضحة والصارمة: استدعاء الدبلوماسي الفرنسي، وتوضيح الموقف بكل وضوح، وكشف حقيقة ما جرى.
البيان الرسمي لم يترك مجالاً لأي تأويل: ما حدث ليس خطأً تقنياً ولا سوء فهم، بل هو اعتداء إعلامي ممنهج تتحمل مسؤوليته القناة الفرنسية العمومية والحكومة الفرنسية التي تشرف عليها، الجزائر احتفظت بحقها في الرد اللاحق، ما يعني أن الخيارات كلها مفتوحة، من إعادة النظر في كامل العلاقات الثنائية إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية وقانونية صارمة.
الحقيقة التي يجب أن تدركها فرنسا جيداً هي أن الجزائر لم تعد ذلك "الكيان الهش" الذي تحاول تصويره. فاقتصادياً، تحتل الجزائر المرتبة الأولى إفريقياً في احتياطي العملات الصعبة، وتتمتع بسيادة مالية تمكنها من الصمود أمام أي ضغوط.
وأمنياً، أصبحت الجزائر قلعة حصينة في مواجهة الإرهاب ونموذجاً في التعاون الأمني الإقليمي. وسياسياً، تمتلك الجزائر مؤسسات ديمقراطية تطور نفسها باستمرار، ومجتمعاً مدنياً حياً، ووعياً شعبياً عميقاً بضرورة الحفاظ على السيادة والكرامة. هذا الواقع هو الذي يزعج دوائر في فرنسا ما زالت تعيش في أوهام العظمة الاستعمارية.
الخيارات المتاحة للجزائر في مواجهة هذه الحملة الاستفزازية متعددة ومتنوعة. فإعلامياً، يمكن تعزيز القدرات الإعلامية الوطنية والدولية، وإنتاج محتوى احترافي يفضح أكاذيب الإعلام الفرنسي ويكشف تناقضاته. ودبلوماسياً، يمكن نقل الملف إلى المحافل الدولية، خاصة اليونسكو والمؤسسات المعنية بأخلاقيات الإعلام، وكشف كيف تتحول قناة عمومية في دولة تدعي الدفاع عن حرية التعبير إلى أداة دعاية حكومية. وقانونياً، يمكن رفع دعاوى قضائية ضد القناة ومسؤوليها بتهمة التشهير بالدولة والمؤسسات. واقتصادياً، يمكن تسريع عملية تنويع الشركاء الاقتصاديين والحد من الاعتماد على فرنسا، في إطار استراتيجية السيادة الاقتصادية التي تنتهجها الدولة.
لكن الأهم من كل هذه الخيارات هو الاستمرار في مسيرة البناء والتنمية، لأن خير رد على الأكاذيب هو إنجازات الحقيقة. فالجزائر التي تقيم مشاريع تنموية كبرى، وتوفر لشعبها حياة كريمة، وتلعب دوراً إيجابياً في محيطها الإقليمي، هي الرد الأقوى على أي محاولات تشويه. الشعب الجزائري الذي بنى دولة حديثة من بين أنقاض استعمار دموي، لا يمكن أن تنال منه حملات إعلامية مهما بلغت حقدها.
السؤال الذي ترفض فرنسا الإجابة عنه هو: ما الذي تخسره إذا تعاملت مع الجزائر باحترام؟ لماذا تصر على لعب دور "الشرطي الاستعماري" في وقت تحتاج فيه إلى شركاء حقيقيين في منطقة تشهد تحولات كبرى؟
التاريخ يعلمنا أن العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل هي الوحيدة القادرة على الاستمرار، أما العلاقات القائمة على الاستعلاء والإهانة فمصيرها الفشل الحتمي. الجزائر قدمت يدها للسلام والتعاون المبني على المساواة، لكنها أبداً لن تنحني للإهانة.
الخلاصة التي يجب أن تصل إليها فرنسا بسرعة هي أن الجزائر وشعبها تجاوزا نقطة اللاعودة في مسيرة استعادة الكرامة والسيادة. مليون ونصف المليون شهيد لم يضحوا من أجل أن تقبل الأجيال الحالية بالإهانة. الذاكرة الجمعية الجزائرية تحمل دروساً قاسية: أن الحرية والكرامة لا توهبان، بل تنتزعان انتزاعاً. الحملات الإعلامية الفرنسية، مهما تكررت وتنوعت أساليبها، لن تستطيع طمس حقائق التاريخ، ولن تقوّض إرادة شعب اختار أن يكون سيداً في أرضه.
الجزائر ستواصل مسيرتها التنموية بثبات، وستحافظ على دورها الإقليمي الفاعل، وستدافع عن كرامتها بكل الحزم المطلوب.
فرنسا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتعامل مع الجزائر كدولة شريكة متساوية السيادة، وتحترم خياراتها وسياساتها، وإما أن تستمر في سياسة الاستفزاز والعداء، وفي هذه الحالة ستكون الخسارة فرنسية بامتياز.
لأن الجزائر، بشعبها الأبيّ وقيادتها الحكيمة، أقوى من كل الأكاذيب، وأعظم من كل الدسائس، وأبقى من كل محاولات التشويه. الكرامة لا تُشترى، والسيادة لا تُوهب، والجزائر باقية شامخة كما أرادها شهداؤها الأبرار.

