23
0
حين تستعيد الحكاية صوتها… المنيعة ترسم ملامح نهضة ثقافية من بوابة الذاكرة الشفوية
مقاربة جديدة للعمل الثقافي توظّف السرد الشعبي كأداة تربوية لإعادة تشكيل وعي الأجيال وتعزيز الانتماء في زمن التحولات الرقمية

في مشهد ثقافي يشهد تحولات متسارعة، لم تعد المبادرات المحلية مجرد أنشطة ظرفية بقدر ما أصبحت تعبيرًا عن وعي جديد بدور الثقافة في بناء الإنسان، وهو ما تجسد بوضوح في الفعالية التي احتضنتها ولاية المنيعة حول فن الحكواتي. هذا الحدث لم يكن مجرد استعادة شكلية لفن تقليدي، بل جاء كخطوة مدروسة ضمن رؤية تسعى إلى إعادة الاعتبار للتراث الثقافي غير المادي، عبر توظيفه كأداة حية للتواصل والتأثير.
لحسن الهوصاوي
لقد كشفت هذه المبادرة عن تحول نوعي في آليات تسيير الفعل الثقافي، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على الكم أو برمجة التظاهرات، بل امتد إلى طبيعة المحتوى وأثره العميق على الفئات المستهدفة، خاصة الأطفال. فالاعتماد على فن الحكواتي لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بقدرة السرد الشفهي على خلق تفاعل مباشر، يتجاوز حدود التلقي السلبي نحو المشاركة الوجدانية والفكرية.

وفي هذا السياق، برز الحكواتي صالح روان كنموذج للفنان الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، حيث استطاع من خلال أدائه أن يعيد إحياء الحكاية كوسيلة تعليمية وتربوية، تنقل القيم وتغذي الخيال في آن واحد. التفاعل اللافت للأطفال مع عرضه لم يكن مجرد استجابة عفوية، بل دليل على أن هذا الفن لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على التأثير إذا ما تم تقديمه بأسلوب معاصر.
نجاح هذه التظاهرة يعكس أيضًا أهمية العمل التشاركي بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات ثقافية وهيئات محلية، إلى فنانين ومنشطين، وهو ما يؤكد أن الفعل الثقافي لم يعد مسؤولية جهة واحدة، بل هو نتاج تكامل جهود متعددة. وقد لعبت مكتبة المطالعة العمومية والمركب الرياضي الجواري بحاسي القارة دورًا محوريًا في توفير البيئة المناسبة، بينما ساهم التنشيط الحيوي في تعزيز ديناميكية الحدث.
كما أن حضور وجوه فنية وأدبية أضفى على النشاط بعدًا إبداعيًا متنوعًا، عزز من ثراء التجربة وفتح المجال أمام تلاقح التعبيرات الثقافية. وفي هذا الإطار، تندرج تصريحات مسؤولي القطاع ضمن توجه وطني أوسع يهدف إلى تثمين التراث وإعادة إدماجه في الحياة اليومية، خاصة لدى الفئات الناشئة.
غير أن الأهم في هذه التجربة هو دلالاتها العميقة، إذ تعكس تحولًا في فهم الثقافة كرافعة للتنمية المجتمعية، وليست مجرد نشاط ترفيهي. فالرهان اليوم لم يعد فقط في إحياء التراث، بل في جعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجماعي، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة والثقافة الرقمية.
تصريحات رسمية حول فعالية الحكواتي بولاية المنيعة
العابد ياسين – مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة:
"يندرج تنظيم هذه التظاهرة في إطار تنفيذ برنامج ثقافي متكامل يهدف إلى تنشيط الفضاءات الثقافية المحلية وإعادة بعث الروح في الأنشطة الموجهة لفائدة مختلف فئات المجتمع، لاسيما الأطفال. نحن نراهن على مثل هذه المبادرات لترسيخ الثقافة كعنصر أساسي في بناء الوعي الجماعي، وقد لمسنا من خلال الإقبال الكبير مدى تعطش الجمهور لهذا النوع من الفعاليات النوعية، ما يدفعنا إلى العمل على استمراريتها وتوسيع نطاقها مستقبلًا."
نصرون بوحيل – مسؤول التبادل الثقافي بالوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي (AARC):
"تندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية وطنية شاملة تسعى إلى تثمين التراث الثقافي غير المادي، وعلى رأسه فنون السرد الشفهي التي تشكل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية. إن إشراك الأطفال في مثل هذه الأنشطة لا يهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى بناء وعي ثقافي متوازن منذ سن مبكرة، وتعزيز ارتباطهم بموروثهم الحضاري في ظل التحديات التي تفرضها العولمة."
الحكواتي صالح روان:
"الحكاية بالنسبة لي ليست مجرد وسيلة للإمتاع، بل هي رسالة إنسانية عميقة تحمل في طياتها القيم والتجارب التي تعكس هوية المجتمع. تفاعل الأطفال مع العرض يمنحني دافعًا كبيرًا لمواصلة هذا المسار، لأنني أؤمن بأن إحياء فن الحكواتي هو في حد ذاته إحياء للذاكرة الجماعية وربط للأجيال الجديدة بجذورها الثقافية."
بوحميدة الخنساء وبن ساسي سامية – من طاقم مكتبة المطالعة العمومية:
"حرصنا من خلال مشاركتنا في تنظيم هذه الفعالية على توفير كل الظروف الملائمة لاستقبال الأطفال في بيئة تجمع بين الترفيه والفائدة. مثل هذه الأنشطة تعزز دور المكتبة كمؤسسة ثقافية مفتوحة على محيطها، وليس فقط كمكان للمطالعة، بل كفضاء حي لنشر المعرفة وتنمية الحس الثقافي لدى الناشئة."
الزوبير معراج – مدير المركب الرياضي الجواري نفنوف بن عبد النبي بحاسي القارة:
"احتضان المركب لمثل هذه الفعاليات الثقافية يندرج ضمن رؤية جديدة تقوم على توسيع وظائف الفضاءات الجوارية، لتشمل إلى جانب الأنشطة الرياضية أبعادًا ثقافية وتربوية مكمّلة. لقد حرصنا على توفير الظروف اللوجستية والتنظيمية الملائمة لإنجاح هذا النشاط، خاصة وأنه يستهدف فئة الأطفال، التي نعتبرها أولوية في برامجنا. ونؤمن أن الانفتاح على مثل هذه المبادرات يعزز من دور المركب كفضاء جامع يخدم المجتمع بمختلف مكوناته."
يامينة بكاي – إطار بالمركب الرياضي الجواري:
"مشاركتنا في هذا النشاط كانت تجربة مميزة، حيث عملنا على مرافقة الأطفال وتأطيرهم في أجواء تربوية وتنظيمية مناسبة. التفاعل الكبير الذي لمسناه يعكس أهمية إدماج الأنشطة الثقافية ضمن الفضاءات الجوارية، لما لها من أثر إيجابي في تنمية قدرات الأطفال وتعزيز تواصلهم مع محيطهم. مثل هذه المبادرات تمنح للعمل الميداني بعدًا إنسانيًا وثقافيًا أعمق."
ما حدث في المنيعة يمكن اعتباره نموذجًا قابلًا للتعميم، إذا ما توفرت الإرادة والاستمرارية. فالحكاية، التي كانت يومًا وسيلة لنقل التجارب الإنسانية، تعود اليوم لتؤدي دورًا أكثر عمقًا: بناء الإنسان ذاته، وصون ذاكرته، وربط ماضيه بحاضره في معادلة ثقافية متوازنة.


