34

0

حين أعلن الجزائريون العصيان الشامل: إضراب الثمانية أيام كسر ميزان القوة

من المنيعة… قراءة سياسية جديدة لحدث حوّل الاقتصاد إلى جبهة مقاومة وأعاد تعريف الفعل الثوري

بواسطة: بركة نيوز

لم يكن إضراب الثمانية أيام مجرد توقف عن العمل، بل كان إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن الجزائريين قرروا نقل المواجهة مع الاستعمار من ساحات القتال إلى عمق المنظومة التي يستند إليها: الاقتصاد. في تلك الأيام الثمانية من سنة 1957، اختبر الاستعمار لأول مرة معنى العصيان الشعبي المنظم، حين التقت الإرادة السياسية بالالتزام الجماعي، وتحوّل التجار والحرفيون إلى فاعلين مركزيين في معركة السيادة.

 

الهوصاوي لحسن

 

ومن هذا المنطلق، احتضن مقر المجلس الشعبي الولائي لولاية المنيعة، صبيحة  اليوم الأربعاء ، ندوة تاريخية أحيت الذكرى التاسعة والستين لهذا الإضراب المفصلي، في مبادرة لم تهدف إلى الاستذكار الرمزي، بل إلى إعادة تفكيك الحدث باعتباره قرارًا سياسيًا جماعيًا غيّر قواعد الصراع مع المستعمر، وأسّس لمنطق جديد في إدارة الثورة.

 

 

الندوة، التي نظمتها مديرية المجاهدين وذوي الحقوق بالتنسيق مع مديرية التجارة، أعادت طرح سؤال جوهري: كيف تحوّل الفعل الاقتصادي إلى أداة سيادية؟ وكيف نجحت الثورة في تعبئة فئات اجتماعية لطالما اعتُبرت خارج دائرة القرار السياسي؟ الإجابة كانت واضحة في المداخلات، حيث برز التجار والحرفيون كحلقة وصل بين النضال الشعبي والتنظيم الثوري، مساهمين في شلّ الجهاز الاستعماري وإرباك حساباته الداخلية والخارجية.

وشهد اللقاء حضور المفتش العام للولاية مسعود كروط، ممثلًا عن والي ولاية المنيعة بن مالك مختار، إلى جانب مدير مديرية المجاهدين وذوي الحقوق السيد حمزة واضح، وممثلي قطاع التجارة وغرفة التجارة “الورود”، وبمشاركة واسعة للتجار والحرفيين، في رسالة رمزية مفادها أن هذا القطاع ما يزال يحتفظ بموقعه داخل المعادلة الوطنية، ليس فقط كرافد اقتصادي، بل كذاكرة نضالية حية.

 

 

وفي مداخلته، أكد حمزة واضح أن إضراب الثمانية أيام مثّل لحظة وعي جماعي غير مسبوقة، حيث اختار التجار التضحية بمداخيلهم في ظرف بالغ القسوة، إدراكًا منهم بأن الاستقلال لا يُنتزع دون كلفة. وشدّد على أن استحضار هذه الذكرى اليوم يجب أن يتجاوز البعد العاطفي، ليُترجم إلى ثقافة التزام ومسؤولية وطنية لدى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة.

من جانبه، اعتبر المفتش العام للولاية مسعود كروط أن الإضراب كشف حدود القوة الاستعمارية، وأثبت أن السيطرة العسكرية تفقد فعاليتها عندما تواجه شعبًا منضبطًا وموحدًا. وأضاف أن إعادة قراءة هذا الحدث في السياق الراهن تفرض استلهام دروس الانضباط والوحدة، باعتبارهما شرطين أساسيين لمواجهة التحديات الوطنية المعاصرة، وترسيخ مناعة الدولة من الداخل.

 

 

المداخلات التاريخية التي قُدمت خلال الندوة ذهبت أبعد من السرد الكلاسيكي، حيث تناولت الإضراب كرسالة سياسية موجهة للرأي العام الدولي، وكأداة ضغط أربكت الإدارة الاستعمارية وأضعفت خطابها حول “الاستقرار”، مؤكدة أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا أحسن توظيف كل أدوات الصراع.

واختُتمت الفعالية بتكريم قدماء التجار بالمنطقة، في خطوة تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتعكس إقرارًا رسميًا بأن الذاكرة الوطنية لا تُصان إلا بالاعتراف بالأدوار المغيّبة، وبإعادة إدماج الفاعلين الاقتصاديين في السردية الوطنية كصنّاع قرار وتاريخ.

ويأتي هذا النشاط في سياق وطني أوسع يسعى إلى إعادة تثبيت الذاكرة التحريرية كرافعة للتماسك الاجتماعي، وربط الماضي النضالي بالحاضر السياسي والتنموي، بما يعزز مناعة الدولة ويكرّس الوفاء لتضحيات من صنعوا استقلال الجزائر.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services