240
0
هل يحق للسنغال الطعن أمام “الطاس” رغم عدم استئنافها الحكم الابتدائي؟

ضياء الدين سعداوي
يثير النزاع الرياضي بين المغرب والسنغال إشكالا قانونياً دقيقاً ، يتمحور حول ما إذا كان بإمكان الإتحاد السنغالي اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي (“الطاس”) رغم أنه لم يستأنف الحكم الإبتدائي الذي صدر لصالحه. هذا السؤال انطلق من أطروحة قانونية ترى أن السنغال أسقطت حقها في الطعن لأنها صرحت بعدم الاستئناف، ولأنها لم تستنفذ المسطرة الداخلية داخل “الكاف”. غير أن هذه الأطروحة، رغم منطقيتها الظاهرية، تستدعي وقفة متأنية لتفكيك عناصرها على ضوء قاعدتين أساسيتين في القانون الرياضي الدولي: وجوب استنفاد المساطر الداخلية، واشتراط المصلحة في الطعن.
أولاً: السياق العام للنزاع
المعروف أن المنتخب السنغالي كان قد اعتبر فائزاً في المرحلة الإبتدائية من النزاع، مما جعله يعتقد أن القضية انتهت لصالحه، فلم يقدم أي استئناف. في المقابل، تقدم الطرف المغربي بالطعن، مما أدى إلى إنتقال القضية إلى لجنة الإستئناف داخل “الكاف”، التي أصدرت قراراً جديداً قلبت فيه النتيجة لصالح المغرب، وأصبحت السنغال في موقع المهزوم. هنا يبرز السؤال المحوري: هل يحق للسنغال، التي لم تستأنف في البداية، أن تطعن في القرار الاستئنافي أمام “الطاس”؟
ثانياً: القاعدة الأولى – استنفاد المساطر الداخلية
تنص القواعد المنظمة للتقاضي الرياضي الدولي على أن اللجوء إلى “الطاس” لا يقبل إلا بعد استنفاد جميع طرق الطعن الداخلية داخل الهيئات الرياضية المعنية. وقد ركزت الأطروحة المذكورة على هذه القاعدة، معتبرة أن من لم يستأنف لا يكون قد استنفذ المسطرة الداخلية، وبالتالي لا يحق له الشالتجاء إلى التحكيم الدولي.
لكن هذا الطرح يخلط بين شرط موضوعي وآخر شخصي. فاستنفاد المساطر لا يعني أن كل طرف ملزم بأن يباشر بنفسه جميع درجات التقاضي، بل المطلوب هو أن النزاع قد مر فعلياً عبر هذه المراحل وانتهى بقرار نهائي. وهذا ما تحقق في هذه القضية، حيث انتقل الملف إلى لجنة الإستئناف بفضل طعن المغرب، وصدر قرار استئنافي نهائي غيّر نتيجة النزاع. وبالتالي فإن شرط استنفاد المساطر قد تحقق موضوعيا بغض النظر عن الطرف الذي حرك المسطرة.
شش
القاعدة الحاسمة التي أغفلها التحليل المشار إليه هي المصلحة في الطعن، وهي ركن أساسي في أي دعوى قضائية، إذ يستقر الفقه والقضاء على أن “لا دعوى بدون مصلحة”. والمصلحة ليست صفة ثابتة، بل هي حالة قانونية متغيرة تتحدد وفقاً للمركز القانوني للطرف في كل مرحلة من مراحل النزاع.
في المرحلة الإبتدائية، كانت السنغال في موقع المنتصر، وبالتالي لم تكن لها أي مصلحة في الطعن. بل إن استئنافها في تلك المرحلة كان سيكون غير مقبول قانوناً لانتفاء هذا الشرط. لكن بعد صدور القرار الاستئنافي الذي قلب النتيجة ضدها، تحولت من فريق فائز إلى فريق متضرر، ومن هذه اللحظة بالذات نشأت لها مصلحة قائمة ومباشرة في الطعن. وبالتالي فإن القول إن السنغال “قبلت بالحكم الابتدائي” لا يعني أنها ملزمة بقبول الحكم الاستئنافي، لأن القبول كان مرتبطاً بوضعية انتصارها التي تغيرت لاحقًا بشكل جذري.
رابعاً : الموقف لا يقاس بالتصريحات السابقة
من المهم التأكيد على أن المواقف في التقاضي لا تقاس بالتصريحات السابقة، بل بالمراكز القانونية الجديدة التي تفرزها الأحكام اللاحقة. فتصريح السنغال بعدم الاستئناف كان في سياق حكم ابتشدائي صالحها، ولا يمكن تفسيره على أنه تنازل مسبق عن حق الطعن في أي حكم لاحق مهما كان. فالخصومة القضائية تتجدد بتجدد الأحكام، وتتغير معها حقوق الأطراف وفقاً لمصلحتهم المتجددة.
خامساً :المثال المقابل – حالة الجامعة المغربية
لعل المثال الموازي يوضح الصورة بشكل أعمق. ففي المرحلة الإبتدائية، كانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم متضررة من الحكم، لكنها لم تكن تستطيع اللجوء مباشرة إلى “الطاس” لأن مسطرة الاستئناف الداخلية لم تكن قد استنفدت بعد. لذلك اضطرت إلى سلوك هذا الطريق أولاً، رغم وجود المصلحة لديها.
أما بعد صدور القرار الإستئنافي، فقد اكتمل شرط استنفاد المساطر، وأصبح من حق الطرف المتضرر – أيا كان – اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي. وهنا يتجلى الفرق الجوهري: ففي الحالة الأولى، كان الحق في الطعن غير ممكن لغياب استنفاد المساطر رغم وجود المصلحة. وفي الحالة الثانية، تحقق استنفاد المساطر وظهرت المصلحة معاش، فاجتمع الشرطان الموجبان لقبول الطعن.
إن النقاش حول حق السنغال في اللجوء إلى “الطاس” لا ينبغي أن يختزل في سؤال “هل استأنفت أم لا؟”، بل في سؤال أدق: هل استنفدت المساطر الداخلية موضوعيا ؟ وهل أصبحت متضررة من القرار النهائي؟ والإجابة عن هذين السؤالين إيجابية، مما يعني أن باب “الطاس” يبقى مفتوحاً أمامها.
فالعدالة الرياضية لا تعاقب من لم يطعن في حكم أنصفه، بل تضمن له حق الدفاع عن نفسه عندما يسلب منه ذلك الحكم في مرحلة لاحقة. إن الاجتهادات المستقرة لمحكمة التحكيم الرياضي تؤكد هذا التوجه، حيث تنظر إلى النزاع في وحدته العضوية، وتراعي المصلحة كمعيار متحرك يتكيف مع تطورات مسار التقاضي، ولا تحرم طرفاً من حقه في الطعن لمجرد أنه لم يبادر إلى إستئناف حكم كان في صالحه.

