45
0
المجلس الأعلى للغة العربية يستشرف مستقبل التعليم البيني في عصر الذكاء الاصطناعي
احتفاءً باليوم العالمي للعيش بسلام

هاجر شرفي
في إطار مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم في ظل الذكاء الاصطناعي والرقمنة، نظم المجلس الأعلى للغة العربية، اليوم وغدا 17 و18 ماي، بفندق الأولمبيك بالجزائر العاصمة، فعاليات الطبعة الثالثة من الملتقى العلمي الدولي الموسوم: “التعليم البيني في عصر الذكاء الاصطناعي”، وذلك احتفاءً باليوم العالمي للعيش بسلام، وبمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من داخل الوطن وخارجه.
وتأتي هذه الطبعة امتداداً للنجاح الذي حققته الطبعتان السابقتان، حيث تناولت الطبعة الأولى موضوع توظيف الذكاء الاصطناعي في بناء المناهج التعليمية، فيما عالجت الطبعة الثانية إشكالية الذكاء الاصطناعي وأثره في البيداغوجيا.
أما هذه الطبعة، فقد فتحت أفقاً علمياً جديداً من خلال طرح الإشكال المحوري الآتي: كيف يمكن للتعليم البيني استثمار إمكانات الذكاء الاصطناعي في خلق معرفة متكاملة تتجاوز حدود التخصصات الضيقة؟

الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة صياغة المنظومة التعليمية نحو الابتكار والتكامل المعرفي
أكد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، صالح بلعيد، خلال كلمته في الملتقى، أن التحولات التكنولوجية المتسارعة تفرض إعادة النظر في المنظومة التعليمية برمتها، من التعليم الأساسي إلى الجامعي والمهني، في اتجاه بناء متعلم قادر على الإبداع والتفكير النقدي والتكيف مع متطلبات العصر الرقمي.
وشدد على أن التعليم البيني يمثل اليوم مدخلاً أساسياً لتجاوز التخصصات الضيقة، من خلال دمج المعارف وتكامل العلوم، بما يسمح بإنتاج معرفة أكثر شمولية ومرونة، خاصة في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما أبرز أن مستقبل التعليم لم يعد يقوم على التلقين، بل على الابتكار والتفاعل وتوظيف التقنيات الحديثة، داعياً إلى استثمار أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير المناهج التعليمية، وتحسين أساليب التدريس، ودعم التعلم الذاتي لدى المتعلمين.
وأشار إلى أهمية التكامل بين الإنسان والتكنولوجيا، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل أداة داعمة يجب توجيهها بشكل عقلاني داخل المنظومة التربوية، بما يعزز جودة التعليم ويرفع من كفاءة المخرجات.
وفي سياق حديثه عن المستقبل، دعا إلى ضرورة الانفتاح على الذكاء الاصطناعي التوليدي ودمجه في النظم التعليمية، مع تطوير المحتوى الرقمي، وتحليل البيانات، وإعادة صياغة طرائق التعليم بما يواكب التحولات العالمية.
وختم بالتأكيد على أن مستقبل اللغة العربية والتعليم مرتبط بقدرة المؤسسات العلمية على مواكبة الثورة الرقمية، وبناء جيل قادر على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، في إطار يحافظ على الهوية ويواكب التطور العلمي العالمي.
ممثل وزير التربية: الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للتعليم لا بديلاً عن الإنسان
ومن جهته، أوضح ممثل وزير التربية الوطنية، نور الدين شرف الدين، أن تزامن انعقاد هذا اللقاء مع اليوم العالمي للعيش معاً بسلام يحمل دلالة عميقة، تتجاوز البعد الرمزي إلى تجسيد وعي متزايد بأهمية ترسيخ قيم التعايش الإنساني داخل المنظومة التربوية.
وشدد على أن مفهوم السلام لا يقتصر على غياب النزاعات، بل هو ممارسة إيجابية قائمة على التفاهم والعدالة والتعاون، داعياً إلى جعل المدرسة فضاءً أساسياً لترسيخ هذه القيم وبناء المواطنة لدى المتعلمين.
وفي سياق التحولات الرقمية، أبرز أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض إعادة النظر في النماذج التعليمية التقليدية، وتعزيز التعليم البيني الذي يدمج المعارف والمهارات لمواجهة تعقيدات العصر، وتمكين المتعلمين من التفكير النقدي والإبداعي.
كما أكد أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم أصبح ضرورة، شرط أن يتم ذلك وفق مقاربة تربوية وأخلاقية تحافظ على القيم، وتضمن العدالة الرقمية، وتحمي السيادة الثقافية، مع توظيفه كأداة داعمة لا كبديل عن المعلم.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال التكنولوجيا إلى المدرسة، بل في كيفية توجيهها لخدمة القيم التربوية وبناء متعلم قادر على التكيف مع التحولات العالمية.
وختم بالتأكيد على أن مستقبل التعليم في الجزائر يقوم على التوازن بين الانفتاح على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والحفاظ على المرجعية القيمية الوطنية، مع الاستثمار في تكوين الأساتذة وتمكينهم من أدوات العصر.
من 200 إلى 58 مداخلة… تحكيم علمي يكرّس الجودة الأكاديمية
وفيما يتعلق بحصيلة اللجنة العلمية، فقد شهد الملتقى إقبالاً علمياً معتبراً، حيث تم في المرحلة الأولى استقبال 160 مداخلة من مختلف الجامعات والتخصصات داخل الوطن وخارجه، ليرتفع العدد في نهاية آجال الاستقبال إلى 200 مداخلة. وبعد إخضاع هذه المداخلات للتحكيم العلمي وفق نظام التحكيم المزدوج مع إخفاء هوية الباحثين، تم قبول 58 مداخلة فقط، من بينها 7 مداخلات لباحثين من خارج الوطن، وهو ما يعكس حرص اللجنة العلمية على ضمان الجودة والرصانة الأكاديمية للأعمال المشاركة.
كما عرف الملتقى مشاركة باحثين من عدة دول، من بينها مصر، نيجيريا، تونس، كندا، إسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، ما يؤكد البعد الدولي المتنامي الذي أصبح يميز هذا الموعد العلمي.

