19

0

جرينلاند : موسم الهجرة إلى الشمال

 
 
 
بقلم كمال برحايل 
 
سيتجلى في الأفق المرئي أن مسالة الاعتراف بالدولة في مبادئ القانون الدولي ، ليست الضامن لممارسة السيادة والشرعية ومنه ندرك حقيقة التهامي بين المشروع الصهيوني والنزعة التوسعية لأمريكا، في جزيرة غرينلاند وتشترك تلك الأفكار في الاستيلاء واستباحة الأرض لإقامة كيان إحلالي بديل، وهذا ما ستؤول إليه حركة التاريخ في ظل موقف الاتحاد الأوروبي الضعيف ، حيث يرنو للإدانة والمواقف الصورية نتيجة التسليم بالحماية الأمريكية في إطار الناتو .
 
 وهذه الأزمة لا تشكّل حالياً الاستثناء بل ستصبح نموذج يمكن تعميمه ، وهي بداية مرحلة التصدع في السياسة الأمنية والدفاعية بين الحلفاء التقليديين لمنظمة حلف الشمال الأطلسي ، وستظل مفتوحة على كافة الاحتمالات وأعتقد ان منهج إدارة الأزمة ، يتم في هاجس التخوف من مصير مجهول العواقب .
 
وقد تكشف ازمة جزيرة جرينلاند وتعني " ارض الناس "عن معضلة استراتيجية بسبب التداخل بين مبدأ السيادة الدائمة ، ومحددات الأمن القومي وتتقاطع بسبب الانسداد بين ثلاث أطراف متشابكة، وهم السكان الأصليين في الجزيرة حيث يتمتع هناك الشعب بالحكم الذاتي الموسع ، باستثناء السياسة الخارجية والدفاع وبرلمان مستقل يمثل الهيئة التشريعية المحلية ، ويطمح إلى المزيد من الاستقلالية والمرتبط تاريخيا وثقافيا واقتصادياً بقارة أوروبا ، في حين يحاول الطرف الثاني بمعنى الحكومة المركزية المحافظة على الوضع القائم ، والطرف الثالث الأقوى والمبادر بالتهديد باستخدام القوة او إبرام صفقة الشراء ، في الوقت الذي تشير إليه نتائج استطلاعات الرأي العام الحالية معارضة الأغلبية ، بالانضمام إلى الولايات المتحدة مخافة من استلاب الهوية رغم وجود اتفاقية أمريكية - دنماركية تعترف بالسيادة على جزيرة غرينلاندد ونرى في تصريحات الرئيس الأمريكي استبعاد الثالث المرفوع من منطق الفيلسوف أرسطو من طاولة التفاوض ، بمعنى قبول خيار الشراء 
أو الانضمام إلى الولايات المتحدة ، بل هناك نوايا أمريكية بمحاولة الرهان على استمالة الحركة الاستقلالية مقابل عدد من الحوافز الدفاعية والمالية ، لسكان الجزيرة مستقبلاً . 
 
وفي ضوء تسارع الاحداث عين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحاكم لويزيانا جيف لاندري الموفد الخاص لإقليم غرينلاند ، والداعم لمسعى ضم الجزيرة إلى المجال الحيوي الأمريكي وصعد نبرة الخطاب مهدداً برفع الرسوم الجمركية على المعارضين للخطوة الأمريكية ، وتزامنت مع إعلانه باحتمال غزو الجزيرة بحجة ضرورات المصالح القومية وهي الامتداد الطبيعي والجغرافي وكموقع عسكري متقدم ، لمنطقة الدفاع الأمريكي ولتصبح جزء من الأراضي الأمريكية .
وفي سياق تكميلي يكشف خطاب الرئيس الأمريكي ، على هامش التغير الطارئ في الخطاب الرسمي تجاه الحلفاء التقليديين ، وحاملا في ثناياه الدلالة بعودة النزعة العسكرية في الفكر الغربي بدواعي متطلبات الأمن القومي، و الذي يمر عبر استباق التمدد الروسي في القطب الشمالي والمشروع الصيني عبر مشروع طريق الحرير القطبي المتسارع باتجاه الثلوج الدافئة ، وصولا إلى الممرات المائية في المحيط الأطلسي .
 
ويحدث هذا بينما تتزايد في الدنمارك وجرينلاند فكرة الرفض الشعبي والرسمي للمسعى الأمريكي ،المتعلق بالشراء وهي قصة قديمة إذ تعود لوزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد الذي ابرم صفقة شراء ألاسكا ، لكنه اخفق في المفاوضات مع الدنمارك ثم تجدد عرض الشراء في عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان ، ثم يتكرر خيار البيع خلال الفترة الاولى للرئيس دونالد ترامب ، لكنه قوبل برفض قطعي ثم استبعد كلية .
 
وبتلقائية نطرح التساؤل الصريح إلى اي مدى ، يمكن أن تصله اطماع امريكا في محاولة ملء الفراغ قد يحول الجزيرة إلى مجال للتنافس الجيوسياسي ، أم هناك جاهزية للتكيف التدريجي مع الأمر الواقع ، وفق صيغة مقبولة بين الأقطاب قائمة على تنازلات متبادلة ، بعيدا عن الترتيبات الأوروبية المحدودة التي تريد ثني الرئيس الأمريكي عن مخطط الاستيلاء ، وستترك هذه الأزمة آثار خطيرة على مسالة السيادة الخاضعة لميزان القوة ، ترى من سيدخل التاريخ في هذه اللعبة الخطرة ، والتحذير أتى من الرئيس الأمريكي .
 
آخر الكلام:
" الأطباء نجحوا في زراعة كلّ شيء بجسم الإنسان إلا الضمير "

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services