18
0
جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي
الحلقة الأخيرة

جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي
حاوره : إبراهيم عاصي *
تبليغ محمد مراح
حلقة أخيرة
*تنبيه : أثبت رابطي الحوار :
جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي رابطة أدباء الشام http://www.odabasham.net
جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي https://www.noor-book.com
0000000000000000000000000
س : هل تتصورون أن بمقدور الفرد أن يفك التبعية بمفرده ؟
جـ : طبعاً هذا أمر صعب جداً ، ولو حصل فإنه لا يثمر ولابد من فكها بشكل جماعي . الفرد لا يحقق شيئاً وحده دون روابط جماعية اجتماعية . الفرد لا يستطيع تكوين نفسه إلا بشروط معنوية هي (الإرادة الحضارية) أو العقيدة بمعناها العام ، وشروط مادية ، هي (الإمكان الحضاري) ، والإرادة سابقة على الإمكان . (الإرادة) تتكون في النفوس ، بينما (الإمكان) نتيجة وتتكون في الزمن والله تعالى يقول : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " إذاً لابد من الإرادة بمعناها الجماعي .
س : ولكن يبدو للسامع أن هناك ثغرة بين ما تفضلتم به آنفاً (من حيث التركيز على المسؤولية الجماعية) وبين المسؤولية الكبرى التي أناطها القرآن الكريم بالفرد في آيات كثيرة من مثل قوله تعالى : " كل امريء بماكسب رهين " وقوله : " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ، لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً " . ؟
جـ :أما قلت لك من قبل إن المصطلحات هي الآفة الكبرى دائماً ؟..يجب أن نفرق بين ما هو (مسؤولية) وبين ما هو (تكليف) . الآيات التي ذكرتها تنصب على التكليف تكليف الفرد . ومفهوم التكليف الفردي ـ بالمناسبة ـ لم يعرفه دين كما عرفه الإسلام ! أما قيام الحضارة فهو مسؤولية جماعية بالدرجة الأولى ..
س : هل لكم أن تتفضلوا في أن تزيدونا إيضاحاً بأمثلة عملية عن مدى الدور الذي هو كائن (للمسؤولية الجماعية) في بناء الحضارة ؟
جـ : لا بأس .. الفهم العلمي ضروري .. وهذا الفهم يقول : إن أي مولود مهما يكن ، يولد اليوم تحت قانون إحصائي عام ، يحدد له منذ اللحظة التي يولد فيها نصيبه من (العمل) ونصيبه من (العلم) ونصيبه من (المال) . فالمولود الذي يولد على خط (واشنطن ـ موسكو) يكون حظه من (العلم) بنسبة (95% ـ 00%) بينما الذي يولد على محور (طنجة ـ جاكرتا) يكون حظه بنسبة أقل بكثير (5% ـ 10%) .
وهكذا بالنسبة إلى (العمل) فإن الذي يولد في إنكلترا يكون حظه من البطالة بنسبة 1/67 فقط في حال افتراضنا أن هناك مليوناً عاطلين من أصل (67) مليوناً الذين هم مجموع السكان . بينما تختلف النسبة هذه في مصر ـ على سبيل المثال ـ اختلافاً كبيراً . فقد تكون النسبة هنا 25/35 في حال افتراضنا أن مجموع عدد السكان في مصر هو (35) مليوناً !!
أما بالنسبة إلى (المال) فإني أسوق لكم هذه الحادثة : كنت أجلس مرة (في سنة 1938) على سطح مقهى في مرسيليا مع رجل جزائري من أصدقائي ، أعرف فيه الصدق والاستقامة والأخلاق النبيلة . وأعرف فيه العلم الواسع فقد كان من علماء الجزائر التقليديين . وكان ـ إلى جانب هذا ـ رقيق الحال لا يكاد كسبه يفي بمتطلباته أباً وحتى أعطيكم صورة عن مدى إخلاصه وقوة خلقه ، فإني أذكر أنني زرته يوماً في مستشفى حيث كان يعالج مرضاً ألمّ به ، فوجدته متألماً ويبدو عليه التجهم ، فلما سألته عمّا به ـ وأنا لا أشك في أنه يبكي من فرط الألم ـ قال لي : (واحسرتاه إنني لم أعد أصلح للجهاد) !!
نعم ذات يوم كنت جالساً مع أخي هذا الجزائري على سطح مقهى في مرسيليا يحدثني عن نوائب الزمان التي ألمت به والضيق المادي الذي هو محدق برزقه فلما انتهى من تحديثه ودّعني وانصرف لبعض أعماله ، وبقيت وحدي أفكر في أمر أخي . وبينما أنا كذلك إذ بامرأة عجوز شمطاء دخلت المقهى وعلى وجهها أمارات حياة قذرة ، قد يخيل من ملامح وجهها أن رائحة الخمر تنبعث من فمها ، فوقفت وسط المقهى وغنّت بأقبح صوت وهي ترقص على رجل واحدة ، فما إن انتهت من الذي هي فيه حتى مدت يدها إلى الجالسين فكانت حصيلتها التي جمعتها عن طيبة خاطر الفرنسيين ما يكفي أخي الذي كان معي وأهله أسبوعاً !!
وهكذا دار في ذهني هذا السؤال : لماذا هذا الرجل الفاضل المخلص يحرم من سعة العيش وهذه المرأة المحرومة من كل ميزة خلقية يأتيها رزقها رغداً ؟ عندها وقعت على القانون الإحصائي الذي أشرت إليه قبل قليل ، إذ فهمت أن حياة الفرد قبل أن تكون منوطة بذاته الخاصة وموهبته الشخصية ، هي منوطة أولاً وقبل كل شيء بصلته بمجتمع معين . فإذا كان المجتمع يقدم الضمانات للفرد فإن كل فرد ولو كان هذه المرأة الشمطاء لا يحرم من الحياة .. إنها تأخذ نصيبها مالياً ومعاشياً بنفس النسبة التي يأخذها أي مواطن من المجتمع الفرنسي الذي تنتمي إليه ..
وإن صاحبي البائس هو الآخر يأخذ نصيبه بنفس النسبة التي يأخذها أي مواطن من المجتمع الجزائري الذي ينتمي إليه ! إذاً لابد من (الإرادة) بمعناها (الجماعي) .. قال الله تعالى : " ولتكن منكم (أمة) يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ".
س : هل لنا أن نتحدث اليوم في موضوع (الحضارة) فقط ومشكلاتها ، لاسيما وأن هذا الموضوع هو شغلكم الشاغل في معظم ما تكتبون ؟
جـ: إن ذلك من دواعي ترحيبي وسروري .
س : إذا أردنا أن نمضي في طريق الحضارة كيف نفعل ؟ أيكون سيرنا سير المبتدئ أم سير المستأنف ؟
جـ : سير المستأنف طبعاً . وإلا نكون متنكرين لأعز فترة من تاريخ أمتنا ، وأعظم إنجاز إنساني قدمته لنفسها وللعالم .
س : الحضارة الغربية سبقتنا بأشواط لا متناهية ، وهي لا تنتظرنا بالطبع .. والهوة بيننا وبينها هائلة جداً .. إنهم في القمر وفي طريقهم إلى كواكب أخرى ، وما نزال نحن حيث لا يخفى على أحد !! فما العمل؟
جـ: إن الهوة التي أشرت إليها قائمة بيننا وبينهم ـ كما هو ملاحظ ـ في ميادين التكنولوجيا والذرة والفضاء .. وإذا كان المسلم متخلفاً في هذه الميادين ولا يستطيع فيها الاستدراك فإن عليه أن يبحث عن الصدارة والاختصاص في ميادين أخرى .. ميادين تخلف فيها الآخرون تخلفاً لا تستطيع استدراكه العلوم المدروسة في الجامعات .. إن الجامعات المتقدمة متخلفة في مجال (الإنسان) . وهذه الظاهرة هي الطامة الكبرى في القرن العشرين ! يجب على المسلم تمريض العالم ومعالجته اجتماعياً ونفسياً . فيقدم للصنف الذي يعاني الفقر الروحي الإسلام وللصنف الآخر الذي يعاني مشاق التخلف الاقتصادي نوعاً جديداً وسريعاً من الحضارة ، تضعه في مستوى المتقدمين دون أن نورطه في مشكلاتهم النفسية .. إن مهمتنا يجب أن تكون قائمة على أساسين ومتجهة إلى هدفين :
ـ رفع الإنسان المسلم اجتماعياً إلى مستوى الحضارة .. ورفع الإنسان الغربي أخلاقياً إلى مستوى الإنسانية التي تفصله عنها العاهات النفسية الموروثة من عهد الاستعمار .
س : لو أردنا تعريف الحضارة تعريفاً محدداً فماذا نقول ؟
جـ: نقول : " إن الحضارة هي مجموعة الشروط المادية والمعنوية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه " هذا هو التعريف الوظيفي المحدد للحضارة لديّ .
س : شكراً .. ولكن هل تتصورون إمكان قيام حضارة بلا عامل أخلاقي ؟
جـ: لا طبعاً .. وأنا أعني (بالشروط المعنوية) الأخلاق قبل كل شيء .
س : إذاً ،ما رأيكم في الحضارة الغربية ؟ ما نصيبها من الأخلاق ؟
جـ: إنها آلت إلى حضارة مادية صرف ، ولذلك فإنها آيلة إلى الانهيار السريع والسقوط . بل لن يمر عليها وقت طويل حتى تكون قد سقطت فعلاً !!
س ـ: وهذا التقدم العلمي العظيم الذي يطير الغرب على جناحيه ؟!
ابتسم بهدوء وقال :
جـ :ـ العقيدة ، الروح توجد علماً . أما العلم فلا يوجد عقيدة ولا روحاً .. هذا العلم الذي ترى هو نتيجة للحضارة الغربية ، وليس سبباً لها . ومتى انهار الإنسان من داخله انتهى فيه كل شيء ، ولا يغرنك الظاهر!
الشعوب الأوربية تعاني الآن من حيرة قاتلة وضيق خانق في النفوس .. يضيقون من شيء مجهول ! بسبب أن الحياة باتت لا معنى لها عندهم ولا غاية ! لقد استنفدوا منها كل شيء ! إن (ثالوثاً) رهيباً يتهددهم بالسقوط العاجل ذلك الثالوث هو : المخدرات ـ الانتحار ـ الجريمة !!
أسرة بكاملها بأطفالها .. أبادتها عصابة مراهقين السنة الماضية (1971) في أمريكا .. ولما قبض على العصابة واستجوبت للتحقيق قالوا : " كنا نتسلى " .
إن بعض الإحصائيات الأخيرة ، التي نشرتها مصلحة الأمن في تقرير رسمي لمحافظة باريس تفيد بأن نسبة المدمنين بين الشباب للمخدرات تضاعف بنسبة عشرين في المئة خلال السنتين الأخيرتين . هذا في فرنسا فما بالك في أمريكا ؟!
وإن السويد برغم أنها حققت لشعبها أقصى حد من الضمانات الاجتماعية فإنها ـ كما تفيد الاحصائيات ـ تتصدر رأس القائمة في (إحصائية الانتحار العالمية) ..
بينما الإنسان المسلم ، المسلم التطبيقي ، ليس في ضيق من نفسه وإنما في ضيق من الحياة ، المسلم يؤمن بالحشر والنشر . يؤمن بالله دائماً ، ويستشرف عالماً آخر فيه الخلود ..
فنحن في ضيق من الحياة وهم في ضيق من النفوس ينتظرون من يشرح صدروهم .. ينتظرون عقيدة المسلم .. يفتقدون صوت السماء ..
س : هذا الانهيار الأخلاقي في مجتمعنا ما سببه ؟ وهل هو عرضي أم مقصود ؟
جـ : هو عرضي من حيث هو نوع من التقليد والتأثر .. ولكنه مقصود ، ومقصود بشكل مرعب من جهة أخرى ..لأن هناك قوى خفية تعمل في زيادته ، وتريد لنا أن نبلغ اللانهاية في هذا الانهيار بأسرع وقت ممكن !. وكأني بك قد وضعت إصبعك على نقطة خطيرة جداً باستخدامك كلمة (مقصود) .
س : هل هناك ما يعزز ريبتكم تلك في مجال غير مجال التهديم الخلقي ؟
جـ : نعم فأنا ألاحظ أن يدنا كلما امتدت لتحقيق غاية كانت تحلم بها وتسعى لها منذ زمن بعيد .. امتدت يد أخرى إلى تلك الغاية لتحولها إلى أمل ، وهكذا من جديد .
س : هل لليهود دور في إفساد الأخلاق على مستوى عالمي ؟ وما حدود هذا الدور في رأيكم ؟
جـ : اليهود لهم الضلع الأكبر في تهديم الأخلاق أينما وجدوا إنهم يمارسون هذه الحرفة ،حرفة تخريب الأخلاق عن عمد وتصميم ولذلك فهم يسيطرون على جميع أدوات تعفين الأخلاق في العالم ، ولعلي أعني السينما ـ المسرح ـ التلفزيون ـ الصحافة ـ دور النشر ـ دور تصميم الأزياء ـ مجلات الجنس .. إلخ وهم يحققون بذلك غرضين اثنين :
الأول : جمع المال الذي هو أداة السلطة والنفوذ .
والثاني : تخريب الأخلاق .
س : كيف تستطيع إذاً ـ والحال هذه ـ أن توفق بين القانون التاريخي " في تلازم سقوط الحضارات مع سقوط الأخلاق " ، وما بين ارتقاء اليهود حضارياً في عصرنا هذا مع سقوط أخلاقهم ؟.
عندما طرحت عليه هذا السؤال ، كان الحديث المتبادل يجري في منتهى الهدوء ، فما رأيته إلا أطرق ملياً ثم رفع رأسه إليّ بعد قليل ـ وابتسامة رضية على وجهه ـ فقال :
جـ : هناك أمور كثيرة قد تبدو لأول وهلة متناقضة ، ولكنها ليست كذلك ..
أما فيما بينهم فلهم أخلاقهم الخاصة ومعاملتهم الخاصة ليس في موضوع الزنا فقط ، وإنما في موضوع الربا وغيره وغيره ، فهو حرام بينهم مباح مع الآخرين .
إنهم على هذه الأخلاق الخاصة يشيدون حضارتهم المعاصرة وهنا علينا أن نتذكر ما قلناه سابقاً من أن الحضارة تُبنى بإرادة جماعية قبل أن تبنى بسلوك فردي . فإذا كان السلوك الفردي للشخص اليهودي (لا أخلاقياً) ، فإن (الإرادة الجماعية) لليهود تتركز على بعث وجودهم وبناء حضارتهم على أنقاض أخلاقهم وكيانات الحضارات البشرية جميعاً . وهذا ما ينفذونه الآن عملياً ، كما أنه ديدنهم منذ القديم .
س : أستاذنا الكريم ، أرجو ألا أكون أثقلت عليكم وأطلت فهل تسمحون لنا بعود على بدء ؟
جـ : لا ، أبداً ، تفضل ..
س : لقد أطلقتم ـ فيما مضى من حديثنا ـ على الشيوعية اسم (دين) . والإسلام ولا شك هو دين .. ففي هذه الحالة ما الفرق الذي ترونه جوهرياً بين حضارتين ، إحداهما تنبثق عن الشيوعية والأخرى تنبعث عن الإسلام ؟.
جـ : الفرق الحاصل ، وإنه لواسع وعميق ، وإني لأعرضه عليك من بعض وجوهه :
إن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مقعدة ومؤسسة في الشيوعية ـ ومثلها في بقية المذاهب المادية العلمانية ـ على مبدأ مطالبة الفرد (لحقه) ، بينما هي في الإسلام مقعّدة ومؤسسة على مبدأ قيام كل فرد (بواجبه) .إن (الحق) في هذه الحالة هو ما يأخذه الفرد من المجتمع وهو عمل سلبي .
أما (الواجب) فهو ما يقدمه إلى المجتمع وهو عمل إيجابي . التحريك الاجتماعي يكون في الشيوعية لطبقات معينة (عمال .. فلاحين ..) بينما هو في الإسلام (للنفوس الخيرة وللعلماء) ، أعني العلماء على اختلافهم ، الملمين بجوانب الحياة الروحية والمادية معاً . الحديث الشريف يقول :" اليد العليا خير من اليد السفلى ". إن هذا الحديث يبرز لنا حقيقتين اثنتين : أولاهما أن الواجب أهم من الحق ، وثانيتهما أن الإنتاج أشرف من الاستهلاك .
العلاقات المبنية على مفهوم (الحق) تستلزم (المطالبة) أي المناضلة بغية (الأخذ) والوصول إلى الحقوق . ولذلك فهي تنتهي بالصراع ، فالحقد ، فالزوال السريع .
في حين أن العلاقات المبنية على مفهوم (الواجب) تستلزم (الأداء) ، أي (العطاء) فهي تنتهي بالوئام ، فالحب ، فالخلود .
وقبل أن نفترق ، بعد آخر لقاء تمّ بيننا ، قلت له :
س :أتأذن لي بنشر ما دار بيننا من حوار وأحاديث في لقائنا هذا واللقاءات السابقة ؟
فردّ عليّ باسماً :
جـ :آذن لك .. بل أكون شاكراً ، لما أظن من أن أحاديثنا تلك ـ وقد جرت على سجيتها ـ كانت لا تخلو من جديد وفائدة ، لعل القارئ العربي ينتفع بها .
ثم كانت مصافحة .. وكان افتراق على أمل لقاء .

