437
0
غار حبيلات : مشروع التحدي والاستجابة .


بقلم كمال برحايل
يتقاطع الاستقرار السياسي مع مبدأ السيادة على الموارد الطبيعية، وفي ظل البيئة الأمنية المستقرة للدولة ، تمكن من إقامة قاعدة صناعية متقدمة ، وهذا ما حرصت عليه الجزائر عقب الاستقلال حين ارتبط النموذج التنموي الشامل بمبدأ السيادة الدائمة، ولعل الدافع الحقيقي ، هو منطق الوطنية كحالة شعورية فياضة لبناء الثقة بالقدرة المستمرة ، لتكملة مسار الاستقلال الاقتصادي .
ثم تمخض عن هذا المسعى الخطوة التاريخية الجريئة ، حينما اتخذ قرار التأميم وما يحمله من دلالات ومعاني ورسائل ضمنية وصريحة متعددة ، اولاً لدول الجوار الجغرافي وأدرج هنا شهادة ، بحسب ما أورده رئيس الحكومة الراحل السيد عبد السلام بلعيد ، في كتابه الغاز الجزائري، يقول في الصفحة 214 " اعتقد مرةً حكام تونس بأمكانهم ، عرقلة إنجاز أنبوبنا للغاز المتوجه إلى إيطاليا ، اما الحسن الثاني فقد سئل مرة يوما من طرف أسبوعية باريسية ، حول مستقبل منجم غار جبيلات ، وكنا ننوي انذاك استغلاله في إطار شراكة مغربية جزائرية ، فأجاب الصحيفة بصراحة إن حديد حقول غار جبيلات ، اما ان يستخرج عبر التراب المغربي وأما فهو عديم الجدوى والقيمة ".
ولكن بمجرد التقاط هذا الكلام سارع الرئيس هواري بومدين ، باتخاذ القرار بالتجميد المؤقت او لأجل غير مسمى ، مشروع الشراكة مع المغرب في سياق لا يفهم بان صدير حديد غار جبيلات ، يتم بمنة علوية ومباركة مخزنية و ينحو ذات التصريح المغربي باتجاه التشكيك في قدرة الجزائرعلى استغلال الثروات الباطنية وبهذا الموقف المستبصر ، اسقط خيار التسويق على المحيط الأطلسي على انه الحل الواقعي ، والوحيد والقائم والذي دأب عليه القاموس السياسي المغربي بإستخدامه .
وبانطلاق الثورات الزراعية والصناعية والثقافية ، تمكن النموذج التنموي الجزائري من احداث عملية التغيير في النسق المجتمعي ، بالتدرج في عملية التخطيط المركزي وتجلت البداية ، بتمويل الدولة للمشاريع الاستراتيجية ثم التوجه نحو التصنيع ، باستغلال الموارد الباطنية المتعددة في مرحلة لاحقة .
وتدرك حقائق الطموح المتوخى من هذا المشروع الحيوي، إقامة بنية تحتية لفك العزلة عن الجنوب الغربي ، وتحديث المنطقة ثم تحقيق الاكتفاء الذاتي ، والدخول إلى سوق الحديد الدولي لتقليص التبعية للنفط وهذا الإنجاز ، يتطابق مع نظرية المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي ، لتفسير قيام الحضارات من خلال التحدي والاستجابة وتقوم بالقدرة على التحول من خلال تحطيم روح الطرف الآخر ، ثم إثارة الطاقة المبدعة للتحدي ، والبحث عن الفرص المتاحة والمتعددة الجوانب ولعل الطابع المستقبلي الخلاق في المشروع الجزائري ، أصبح هو المحفز لتفجير الطاقة الإبداعية للإطارات الجزائرية مما يترك الانطباع بالتفاؤل ، لما يشكله من قيمة مضافة لبناء نهضة حضارية شاملة مستدامة ، بالارتكاز على عقيدة أمنية دفاعية تسترشد بالمصالح الحيوية ،في ظل متغيرات إقليمية متزايدة المخاطر المقلقة ، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي. لكن صانع القرار في الجزائر ، اجتهد بالتكيف المرحلي مع تلك التهديدات المؤقتة بالرهان على عودة الاستقرار ، وقيام أنظمة وطنية منتخبة مستقلة الإرادة عن القوى الغربية ، لمواصلة التعاون الإقليمي المتعدد الجوانب .
ان الخيار الاستراتيجي في استغلال المنجم العملاق ، يقع ضمن الرؤية الاستشرافية المتكاملة الأبعاد للاقتصاد الوطني ، لتجسيد الحلم المؤجل المتوارث للأجيال القادمة .
بالتالي عند تدشين المشروع سينطلق هدير القطار السريع ،محملا بالحديد من أقصى منجم في الجزائر ليصل أقصى ميناء في الغرب ، معلنا البداية للتحول الحقيقي في برامج التنمية الصناعية المستدامة، باستغلال الثروة الباطنية البديلة للنفط ، وهي مفتاح التغيير في السياسة الاقتصادية الجديدة ، لأن الغاية هي تأمين مستقبل افضل لبلادنا .
آخر الكلام : حكمة عالمية
" سأل الممكن المستحيل قائلا: أين تقيم فأجابه في أحلام العاجز "

