96
3
في ذكرى مئوية ميلاد " الشهاب" الغراء، قراءة في مرآة تاريخنا العتيد
وتبقى الشهاب منصة رئيسية للإصلاح والتغيير الوطني والثقافي عبر الأجيال

مصطفى محمد حابس : جينيف / سويس
في حياة الأمم وتاريخ الرجال يذهب البعض دون أثر أو ذكرى، ويبقى بعضهم حاضرًا في القلوبِ والعقول مهما طال رحيلهم، في النهاية تفنى الأجساد ولكن يبقى الأثر والسيرة و المسير.
في مثل هذه الأيام و منذ قرن تحديدا ولدت " الشهاب"، التي أسسها الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس مخلفا ميراثًا عظيمًا من الفكر والكلمات والمبادئ التي لا تموت، رحل الرجل وترك آثارا أهمها: تقديم مصلحة الوطن قبل كل شيء، الحفاظ على القيم الاسلامية الراسخة لهذا المجتمع، حمل رسالة التنوير و تعليم العربية بلسانه و قلمه، وخاض بجمعية العلماء و صحافتها معركة نشر الوعي دون هوادة أو خوف في وقت استدماري ماكر، حتى آخر رمق من حياته ّ!!
مهمة الصحافة كانت ولازالت مهمة بالغة الأهمية في حياة الأمم و الشعوب
لا لشيء إلا لأن الشيخ عبد الحميد بن باديس، أدرك أن مهمة الصحافة كانت ولازالت مهمة بالغة الأهمية في حياة الأمم و الشعوب عموما منذ رأت النور منذ قرون بأشكال و ألوان وقوالب، أما الصحافة الإسلامية في القرن الحالي فهي في نظر أصحابها - كرجال جمعية العلماء - وسيلة لإيصال الدعوة الإسلامية للناس، فالصحافة الإسلامية هي الدعوة الإسلامية نفسها، والصحافة الإسلامية او المقاومة في العهد الاستعماري، كانت لها وظائف ثقافية وتوعوية، فهي أحيانا دفاعية تغار وتدافع على الإسلام بكل الوسائل المشروعة، وأخرى هجومية تهجم على من يتحرش بالدين الإسلامي وثوابت الوطن، ذلك ما عاشته الجزائر في عهد تأسيس جمعية العلماء والعهد الاستعماري البغيض عموما !!
الصحافة ذات التوجه الإسلامي، حديثة عهد في عالمنا الإسلامي..
والصحافة ذات التوجه الإسلامي ، يمكن تأريخها على أنها حديثة عهد في عالمنا الإسلامي لأمور تاريخية معلومة، بحيث ظهرت في الجزائر في منتصف القرن 20 عندما تأسست المنتقد والشهاب سنة 1925 م وقد كانت لأقلام جمعية العلماء المسلمين أثر كبير في الصحافة الإسلامية حتى خارج الوطن، فصحافة الجمعية كانت تربي و تثقف وتوجه وترشد الناس في مختلف الميادين، وقد أنشأت جمعية العلماء عناوين بارزة سجلها التاريخ بمداد من نور و نار، منها كل من صحيفة المنتقد ، البصائر، السنة ، الشريعة والشهاب..
وقد ولدت هذه الأخيرة، أي " الشهاب" بعد توقيف جريدة المنتقد وأكملت ما توقفت عنده أختها المنتقد، فقد حاربت وناضلت كل البدع والخرفات القديمة المخربة للدين الإسلامي الحنيف، وقد كان أكبر موقف لها، أيامها، موقفا حازما ضد شكل جديد من الاستدمار هو "التجنيس والاندماج"، وسنتوقف عند بعض مضامين هذه المجلة المجاهدة "الشهاب" في نظر أقلام ودراسات عربية وغربية دولية، في أربعة مضامين مهمة للغاية منها المضمون السياسي الذي يتحدث عن سياسة الدول العربية الإسلامية، والمضمون اللغوي الذي كان يتحدث عن مدى أهمية اللغة العربية وأنها لغة القرآن الكريم، أما المضمون الديني وهو الأهم فهو يتحدث عن كيفية ترسيخ الدين الإسلامي في عقول الناس، والمضمون الاجتماعي يتحدث عن أحوال الناس وكيفية عيشهم الاجتماعية.
ذلك ما ذهب اليه أستاذنا الجليل حمزة بوكوشة (المحامي جزائري)، الذي كتب في مجلة "المعرفة" الجزائرية عام 1964 بحثاً مفصلاً عن ابن باديس ومجلة الشهاب، وأفرد فصلاً خاصاً بعنوان "مكانة الشهاب" ، وأهداني نسخة، منها ، لما حاورته في مكتبه بشارع محمد الخامس قرب مسجد جامعة الجزائر ، رحمه الله، في منتصف ثمانينات القرن الماضي.
الشيخ ابن باديس استخدم الصحافة، كمنصة رئيسية للإصلاح والتغيير الوطني والثقافي في الجزائر
كيف اشتغل ابن باديس في دنيا الصحافة؟
بدأ الامام ابن باديس نشاطه الصحفي عام 1925 من خلال جريدته "المنتقد" التي أوقفتها السلطات الاستعمارية، فأسس بدلاً منها مجلة "الشهاب" التي كانت تعبر عن أفكاره الإصلاحية والدينية والوطنية، في كتاباته كان الشيخ يستخدم أسلوباً تربوياً تعليمياً يربط بين الفكر الإسلامي الصحيح، الهوية الوطنية، وحسن التواصل مع الجمهور، معتمداً على تلاميذه كوحدة نقل للأفكار إلى العامة، واشتغل بنفسه في كتابة معظم مقالات مجلة الشهاب، كما كان يوزعها بنفسه في عدة مناطق، مظهراً حرصه على توصيل الرسالة التعليمية الوطنية والإصلاحية، بل ذهب بعيدا إذ لم يرها فقط كوسيلة إعلام مجردة بل كأداة إصلاحية وثقافية فاعلة يجب أن تعزز الوعي الإسلامي والوطني في وجه الاحتلال، ويرى بعض دارسي سيرة ابن باديس و تلاميذه كالشيخ محمود بوزوزو ( رحمهما الله)، أن الصحافة بالنسبة له كانت أداة لتحليل الواقع، وفضح لمخططات الاحتلال الفرنسي ومقاومته من خلال الإعلام والتثقيف، إلى جانب بناء المجتمعات المعرفية التي ترتكز على التعليم والثقافة، و رغم ضعف الطباعة والتحرير في ظروف الاحتلال، إلا أنه اعتبر أن لها تأثيراً بالغاً يتجاوز التوزيع المادي بسبب دورها في تعبئة العلماء والقيادات للرأي في خدمة الأمة..
كيف استخدم ابن باديس عملية الإصلاح والتغيير من خلال الصحافة؟
ربط الإمام الرئيس ابن باديس، بين التعليم والصحافة، حيث أنشأ مدارس وأعد علماء و كتاب لنشر أفكاره و كتاباتهم عبر الصحف، مما أدى إلى تشكيل رأي عام مؤثر ومتماسك يدعم أهداف التغيير الوطني والثقافي الذي سيكون بعد سنوات تربة خصبة للوقوف في وجه الاستدمار الفرنسي !!
و في مجلة "الشهاب" اعتمد فيها ابن باديس على تصحيح العقيدة الإسلامية وتأصيل الهوية الوطنية، بالإضافة إلى فضح السياسات الاستعمارية والتحذير من مخاطرها، ذلك ما يكتشفه القارئ الكريم لدى تصفحه لبعض الدراسات والأبحاث الأكاديمية على قلة نوعيتها باللغات الغربية كالفرنسية، والتي تناولت فكر ودور ابن باديس في الصحافة الإصلاحية، منها مقالات مغرضة، و بالعربية تصفحنا دراسة بعنوان "قراءة في مواقف ابن باديس من خلال صحيفة الشهاب (1925-1939)"، ودراسات أخرى عن فضح المخططات الاستعمارية عبر مجلة الشهاب، بعض هذه الأبحاث منشورة في مجلات جزائرية وعربية ولم نجد مقالات بالفرنسية تحليلية لفكر ابن باديس في مجلة الشهاب ودوره في الإصلاح الديني والثقافي، عدى بعض القطوف هنا و هناك !!
وخلاصة القراءة للعديد من الباحثين ، أن الإمام ابن باديس نظر إلى الصحافة كوسيلة فكرية وعملية للإصلاح الوطني، استخدمها بشكل مدروس بتوظيف التعليم وجمعية العلماء لنشر فكره، مع حرص كبير على مقاومة الاحتلال الفرنسي عبر الصحافة التثقيفية والسياسية، ولا يزال فكره وإرثه الصحفي موضوع بحث ودراسة من قبل علماء المشرق والمغرب وحتى بأبحاث فرنسية معاصرة، لم يسعفنا الوقت للرجوع اليها جميعا..
تأثير مجلة الشهاب في حركة الإصلاح الوطني الجزائري
مجلة الشهاب كما أراد لها مؤسسها كان لها تأثير عميق وأساسي في حركة الإصلاح الوطني الجزائري عبر عدد من الأبعاد، كما يستطيع الدارس أو الباحث ملاحظته من خلال تصفح أعدادها الكثيرة مقارنة بسابقاتها في الميدان، بحيث يستطيع المرء أن يتصور منهجية الشيخ الامام بعيدة المدى لتوعية الشعب و اعداد الأجيال، في أهداف منها:
- تعزيز الوعي الديني والوطني للقارئ:
اعتُبرت مجلة الشهاب من أهم أدوات الحركة الإصلاحية التي قادها الشيخ عبد الحميد ابن باديس، إذ كانت تهدف إلى إصلاح العقيدة الإسلامية لدى الجزائريين وتصحيح المفاهيم الدينية المضللة التي زرعها الاستعمار والخرافات والبدع الشركية .. و بالتالي قدمت المجلة توعية دينية عميقة مرتبطة بهوية وطنية إسلامية، مما ساعد على تقوية الارتباط بالتراث والحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة محاولة طمسها من قبل الاستعمار الفرنسي الغشوم.
مقاومة الاحتلال بالوعي الثقافي والفكري:
مجلة الشهاب كانت وسيلة نافذة لفضح سياسات الاحتلال وتجنيد الرأي العام الجزائري ضد الاستعمار عبر التثقيف والتحريض الفكري على المقاومة، حيث استخدمت لغة واضحة وصريحة في نقد الاحتلال، كما شجعت على مقاومة محاولات "فرنسة" الشعوب المغاربية وطمس هويتها العربية والإسلامية.
: - بناء مشروع نهضة شاملة
لعبت دوراً تعليمياً وثقافياً في بناء الإنسان الجزائري الجديد عبر نشر قيم الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، كما دعمت فكرة التعليم وتنقية المجتمع من المفاهيم الخاطئة، وساهمت في إعداد جيل واعٍ بالمبادئ الإسلامية الوطنية وحمل مشعل ولواء الإصلاح
- تأثير المجلة في الحركة الإصلاحية :
خلاصة الدراسات والمقالات، التي رجعنا لها في هذا البحث، ترى أن مجلة الشهاب " حققت انتشاراً كبيراً، وكانت مدافعاً أساسياً عن مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وألهمت عددًا كبيرًا من المثقفين والطلاب والنخب، مما كان له أثر مباشر على استمرار الفكرة الوطنية والإصلاحية حتى بعد وفاة ابن باديس"...بحيث أن مجلة " الشهاب" لم تكن فقط صحيفة بل جسدت منصة ثقافية فكرية سياسية ساهمت في إعادة تأهيل المجتمع الجزائري في مواجهة الاحتلال، على اختلال توازن بين قوة الكلمة الإصلاحية و أرمادة المستدمر المتعددة المصادر و الأبواق!!
كما أشار الباحثون إلى أنه، رغم هذا البون الشاسع بينهما، فإن مجلة الشهاب كانت تمثل العمود الفقري للحركة الإصلاحية، حيث جمعت بين الإصلاح الديني والثقافي والسياسي، وأسهمت إسهاماً فعّالاً في إحياء الهوية الوطنية الإسلامية والوعي المقاوم للمستعمر الفرنسي".
- الأساليب و الأدوات الإصلاحية التي استخدمتها مجلة الشهاب :
مجلة الشهاب استخدمت عدة أساليب إصلاحية بارزة لتحقيق أهدافها التربوية والدينية والوطنية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية :
في التربية والتعليم :
اتخذ الشيخ ابن باديس أسلوباً تربوياً وتعليمياً في مقالات المجلة، يربط بين الدعوة الدينية والوعي الوطني، ويدعو إلى العودة إلى فهم صحيح للإسلام بعيداً عن البدع والخرافات!!
في تصحيح العقائد والسلوكيات :
بحيث ركزت المجلة على تصحيح عقائد الناس وأعمالهم، ومحاربة البدع والخرافات والأخطاء الدينية، مع توجيه الأفراد للعودة إلى القيم الإسلامية الصحيحة في الدين والسلوك.
في الاهتمام بقضايا الأمة :
كانت المجلة منبرا لدعم قضايا الأمة الإسلامية والثقافية الوطنية، بالإضافة إلى مقاومة الاحتلال الفرنسي من خلال التوعية الفكرية والسياسية.
في إصدار افتتاحيات وتأملات دينية :
اعتمد الشيخ ابن باديس في المجلة على افتتاحيات تحمل رسائل دينية فكرية توجيهية، تعتمد على تفسير آيات القرآن الكريم وتقريبها لفهم المجتمع الجزائري وظروفه، لإصلاح الواقع الاجتماعي والديني.
استخدام أسلوب البلاغة والإيضاح :
استخدم ابن باديس لغة واضحة تجمع بين البساطة والبلاغة، توصل الرسائل الإصلاحية بشكل يسهل وصولها إلى مختلف فئات المجتمع من العلماء إلى العامة.
محاربة الفساد والقضاء على الانحرافات :
اشتملت المقالات و الدراسات على تحليل الواقع الجزائري والتصدي للمشاكل الاجتماعية مثل الفساد، الخرافة، والسلوكيات السلبية التي تؤثر على المجتمع.
هذه الأساليب مجتمعة و التي ازدان به أعداد مجلة" الشهاب"، تعكس منهجية شاملة مجمعة للتربية الدينية و الإعلام الإصلاحي، مقرونة بالوعي الوطني لمواجهة سيطرة الاحتلال ومحاولات طمس الهوية الإسلامية الجزائرية..
كيف تعاملت مجلة الشهاب الغراء مع قضايا الأمة الإسلامية الأساسية ؟
حسب عدد من الدراسات، فإن مجلة الشهاب تعاملت مع قضايا الأمة الإسلامية الأساسية بطريقة شاملة تركزت على عدد من المحاور الرئيسية، منها:
تعزيز الهوية الإسلامية والوحدة
ربطت المجلة بين العقيدة الإسلامية والهوية الوطنية، مؤكدة على ضرورة الحفاظ على الأصل الإسلامي للشعب الجزائري، والتأكيد على وحدة الأمة الإسلامية ودعوتها للتضامن والتعاون في مواجهة العدوان الخارجي الاستعماري بكل أنواعه!!
التصدي للمشاكل الدينية والاجتماعية
اشتغلت " الشهاب"، على تصحيح العقائد ومحاربة البدع والخرافات التي كانت تنتشر، كما نادت بإصلاح الواقع الديني والاجتماعي، واعتمدت التوعية الدينية والتعليمية كوسيلة مركزية لتغيير واقع الأمة
الوقوف ضد الاستعمار وحماية المقدسات
كانت المجلة صوتاً قوياً في فضح مخططات الاحتلال الفرنسي، ودعت لمقاومة الاستعمار بوسائل فكرية وسلوكية، كما تابعت قضايا الأمة الكبرى مثل القضية الفلسطينية وربطتها بالذات الإسلامية والقومية، معددة المخاطر التي تحيط بالمسجد الأقصى وحرمة القدس
تعزيز الاستقلال الفكري والأخلاقي للأمة
نظرت المجلة إلى الأمة بمسؤولية تجديد الفكر الإسلامي، والابتعاد عن تدخلات الخلافة أو الحكومات الأجنبية، مع التأكيد على استقلال الأمة في شؤونها الدينية والثقافية بعيداً عن السياسة العابرة للخلافات الدولية.
الدعوة إلى التعايش والتسامح
تناولت قضايا التسامح والتعايش الديني، معتبرة أن المدنية الحديثة تتطلب العودة إلى الإسلام كعقيدة وحضارة تمكن الأمة من التعايش والحوار والسلام.
بهذا، كانت مجلة الشهاب منصة فكرية شاملة تصدت لقضايا الأمة الإسلامية الكبرى بالتركيز على بناء الوعي الديني والوطني، ومحاربة الاستعمار، والدعوة إلى الوحدة والتجديد.
القضية الفلسطينية والدفاع عن المقدسات الإسلامية:
كانت المجلة منبراً للدفاع عن القضية الفلسطينية وربطها بالذات الإسلامية، وفضحت محاولات الاحتلال والتهديد للمقدسات مثل المسجد الأقصى.
الوحدة الإسلامية والتضامن بين المسلمين:
دعت إلى الوحدة الوطنية والإسلامية والابتعاد عن الانقسامات، مع التأكيد على القيم الإسلامية التي توحد الأمة.
عموما مجلة الشهاب غطت قضايا العقيدة، التفسير، و السنة، و القضايا السياسية مثل فلسطين،و تعزيز الوحدة، والإصلاح الديني والاجتماعي، وكانت منصة متكاملة للدعوة الإسلامية والإصلاح الوطني.
بهذا الشكل، لعبت مجلة الشهاب دوراً محورياً في توحيد المسلمين في الجزائر وفي الأمة الإسلامية بشكل أوسع، من خلال استنهاض الوعي الديني والتربوي والسياسي بوحدة الأمة الإسلامية ورسالتها.
أقلام مشرقية ذكرت " الشهاب" بخير واستأنست بها و استفادت من تجربة الإمام بن باديس:
حسب ما توفر لدينا في الغرب من المصادر ، هناك عدد من العلماء والكتاب في المشرق العربي كتبوا عن مجلة الشهاب والشيخ عبد الحميد ابن باديس و أقلامها،
من مصر :
الإمام حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين): أصدر مجلة "الشهاب" المصرية متأثراً بمجلة الشهاب الجزائرية، وكتب في افتتاحية العدد الأول: "كما قامت مجلة الشهاب الجزائرية التي كان يصدرها الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- في الجزائر بقسط كبير من هذا الجهاد... وإنا لنرجو أن تقفو الشهاب المصرية الناشئة أثرهما، كما كتب، الشيخ الدكتور سعيد رمضان (زوج ابنة الإمام حسن البنا): كتب في مجلة "المسلمون" السويسرية عام 1964 عن فضل مجلة الشهاب وابن باديس، واعتبرهما من مجددي الإسلام في العصر الحديث، كما كتب الشيخ بخيت المطيعي (من كبار علماء الأزهر): استقبل ابن باديس في القاهرة وكان من تلاميذ جمال الدين الأفغاني وزميل الشيخ محمد عبده، يذكر الشعاب وفضلها عليه.
- من بلاد الشام :
العلماء الذين التقى بهم ابن باديس في دمشق وبيروت خلال رحلته عام 1913، حيث كانوا يتابعون أخبار مجلة الشهاب، يضيق المجال لذكرهم.
الشيخ مصطفى بن شعبان (من تونس): كان يكتب في مجلة الشهاب ويعمل على نشرها.
ومن الصحف والمجلات المشرقية التي أثرت أو تأثرت بالشهاب، نذكر:
- مجلة المنار (للشيخ رشيد رضا): كانت تنشر مقالات ابن باديس ونقلت عنها مجلة الشهاب الجزائرية-
- جريدة العروة الوثقى (لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده): كانت مصدر إلهام لابن باديس في إنشاء مجلة الشهاب.
هذا التأثير المتبادل بين الشهاب الجزائرية والمشرق العربي يؤكد على العلاقات القوية والتواصل الفكري بين علماء المغرب والمشرق في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، و هناك دراسة مهمة من العراق، لم أعثر عليها في كتبي غاية في الأهمية، قد أعود اليها بحول الله، ناهيك عن الدراسات الأكاديمية التي تناولت مجلة الشهاب موجودة بكثرة في الجامعات الجزائرية وبعضها يشير إلى تفاعل المشرق معها، لكن هناك إشارات أيضاً إلى اهتمام المشارقة أكاديمياً وخاصة عبر بحوث مقارنة أو أبحاث حول العلاقة بين المشرق والمغرب ودور الإصلاح الديني والصحافة الحديثة.
توجد إشارات لدراسات أكاديمية مشرقية تناولت مجلة الشهاب ضمن مواضيع أوسع، خاصة في لبنان (مجلة المشرق)، ومصر (رسائل عن الصحافة الإسلامية المقارنة)، لكن غالبية الدراسات المفصلة لا تزال تصدر في الجزائر نفسها أو في المغرب العربي، مع بعض المشاركات لباحثين من السعودية والإمارات ولبنان في أعداد خاصة عن ابن باديس والصحافة الإصلاحية، قد نعود إليه في موضوع مستقل بحول الله.
و هكذا، كانت مجلة " الشهاب " في مسيرتها المباركة مشعل نور، و نبراس هداية يضيء للجزائريين الطريق ليتلمّسوا نحو الخلاص، في تلك الظلمات الحالكة و الظروف العصيبة التي مرت بها تلك البلاد المسلمة. إلا أن الشيخ ابن باديس بسبب هذا التأثير الإعلامي القوي و الفاعل لهذه المجلة، واجه الكثير من المصاعب و العقبات التي وقفت في سبيله، حتى أنه كاد أن يدفع حياته ثمناً لمبادئه و ثباته عليها ؛ حينما قام أحد أفراد الطرق الصوفية بمحاولة اغتيال الشيخ في عام 1927 م، و لكن الله تعالى لطف و سلّم.
نهاية رحلة مجلة الشهاب :
توقفت المجلة غداة اندلاع الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر من عام 1939 م، على يد السلطات الفرنسية، و توفّي الشيخ عام 1940 م بعد حياة حافلة بالعطاء و الجهاد و الدعوة مخلّفاً وراءه ذكراً عاطراً و ثناءً وافرً. ولا نجد وصفاً لأثره الكبير في الجزائر المسلمة أدقّ من كلمات يسيرات قالها عنه المفكر الجزائري " مالك بن نبي " رحمه الله:" لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، و يا لها من يقظة جميلة مباركة". و قال عنه أخوه الأديب الشاعر الجزائري " محمد العيد آل خليفة " رحمه الله، أبياتاً صادقة، منها قوله :
بمثلك تعتزّ البلاد و تفخر***
و تزهر بالعلم المنير و تزخر
طبعت على العلم النفوس نواشئا***
بمخبر صدقٍ لا يدانيه مخبر
رحم الله الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمة واسعة على ما قدّم للإسلام و المسلمين، و أعلى منزلته في عليّين، و الله تعالى و لي التوفيق، إنه نعم المولى و نعم النصير.
( للمقال مراجع )

