522
0
دُرَرٌ العقاد {1889 ـــــ 1964}
الأُسْـــــرَةُ

اختيار : م. مراح
الأسرة هي الأمة الصغيرة، ومنها تعلَّم النوع الإنساني أفضل أخلاقه الاجتماعية، وهي في الوقت نفسه أجمل أخلاقه وأنفعها.
من الأسرة تعلَّم النوع الإنساني الرحمة والكرم، وليس في أخلاقه جميعًا ما هو أجمل منهما وأنفع له في مجتمعاته.
فالرحمة في اللغة العربية من الرحم أو القرابة، وهي كذلك في اللغات الهندية الجرمانية؛ لأن كلمة «كايند» Kind مأخوذة كذلك من الرحم، وكلمة الطفل التي تتمثل الرحمة كلها في العطف عليه مأخوذة منها.
والكرم في اللغة العربية مأخوذ من النسب الصريح الذي لا هجنة فيه، وهو في اللغات الهندية الجرمانية مأخوذ كذلك من «الجانر» Genre … والمنسوب إليها هو الكريم.
وإذا تتبَّعنا سائر الفضائل والمناقب الخُلقية المحمودة بلغنا بها في أصل من أصولها — على الأقل — مصدرًا من مصادر الحياة في الأسرة؛ فالغيرة والعزة والوفاء ورعاية الحرمات كلها قريبة النسب من فضائل الأسرة الأولى، ولا تزال من فضائلها بعد تطوُّر الأسرة في أطوارها العديدة منذ عشرات القرون.
ولا بقاء لما كسبه الإنسان من أخلاق المروءة والإيثار إذا هجر الأسرة وفكَّك روابطها ووشائجها.
فمن عادى الأسرة فهو عدو للنوع الإنساني في ماضيه ومستقبله. ولا يعادي الأسرة أحد إلا تبيَّنت عداوته للنوع الإنساني من نظرته إلى تاريخ الأجيال الماضية، كأنه ينظر إلى عدو يُضمر له البغضاء ويهدم كل ما أقامه من بناء.
وما من سيئة تُحسب على الأسرة بالغة ما بلغت سيئاتها من الكثرة والضرر هي مسوغة لمُحب بني الإنسان أن يهدم الأسرة من أجلها، ويُعفِّي على آثارها.
فحب الأسرة — حقًّا — قد سوَّل للناس كثيرًا من الجشع والأَثَرة، ومن الجبن والبخل، ومن الكيد والإجرام.
وكذلك حبُّ الإنسانِ نفسَه قد فعل هذا في العالم الإنساني وزيادة.
ولكننا لا نمحو الإنسان ولا نمحو الأسرة من أجل الأثرة وأضرارها، وإنما نمحو الأثرة ما استطعنا ونوفِّق بينها وبين الإيثار غاية ما يستطاع التوفيق بين الخليقتين، ونفلح في ذلك مع الزمن؛ لأننا أفلحنا كثيرًا في تعميم روابط الأسرة الصغيرة بين أبناء الأسرة الكبيرة وهي الأمة، ولأننا أفلحنا كثيرًا في تعميم المنافع والمرافق من هذه المثابة فضلًا عن المناقب ومكارم الأخلاق.
فلولا الأسرة لم تحفظ صناعة نافعة تَوارثها الأبناء عن الآباء، ثم توارثها أبناء الأمة جمعاء، ولولا الأسرة ما اجتمعت الثروات التي تفرقت شيئًا فشيئًا بين الوارثين وغير الوارثين من الأعقاب، ولولا الأسرة لاستجاب لدعوة الهدم والتخريب كل من لا خلاق له من حثالات الخلق ونفاياتهم في كل جماعة بشرية؛ فالأسرة هي التي تمسك اليوم ما بناه النوع الإنساني في ماضيه، وهي التي تَئُول به غدًا إلى أعقابه وذراريه حقبة بعد حقبة وجيلًا بعد جيل.
لا أمة حيث لا أسرة.
بل لا آدمية، حيث لا أسرة.
ولن ينسى الناس أنهم أبناء آدم وحواء إلا نسوا أنهم أبناء رحم واحد وأسرة واحدة، كائنًا ما كان تأويلهم لقصة آدم وحواء.
ومتى علمنا أن واجب الإنسان لبني نوعه في الإسلام إنما هو واجب الأسرة الكبرى التي جمعت أُخُوة الشعوب والقبائل لتتعارف بينها، فقد علمنا شأن الأسرة في هذا الدين، وعلمنا أن قرابة الرحم والرحمة حجة القرابة بين الإخوة من أبناء آدم وحواء، وأنها هي شفاعة كل إنسان عند كل إنسان.
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص،ص 222،225

