18

0

باحثون يعيدون رسم خريطة الذاكرة الصحراوية

ملتقى المنيعة يتحول إلى ورشة وطنية لفهم تاريخ الجنوب الجزائري بين الوثيقة والهوية والتحول الرقمي

 

الهوصاوي لحسن

احتضن المتحف العمومي الوطني بالمنيعة فعاليات الطبعة الثانية من الملتقى الوطني «تاريخ وتراث مدينة المنيعة عبر العصور»، الذي تحوّل إلى ورشة علمية وفكرية لإعادة قراءة الذاكرة الصحراوية وإبراز عمق الجنوب الجزائري بين الوثيقة التاريخية والهوية والتحول الرقمي.

 

 


في وقت تتجه فيه الجزائر نحو إعادة بناء علاقتها بذاكرتها الوطنية خارج القوالب التقليدية، فرضت مدينة المنيعة نفسها كمنصة أكاديمية وثقافية لإعادة قراءة تاريخ الجنوب الجزائري، من خلال هذا الملتقى الذي شارك فيه نخبة من الأساتذة والباحثين من مختلف الجامعات الجزائرية.


الملتقى، الذي نُظم تحت إشراف مديرية الثقافة والفنون لولاية المنيعة وبرعاية وزارة الثقافة والفنون، لم يكن مجرد تجمع أكاديمي لاستعراض بحوث تاريخية، بل تحوّل إلى فضاء فكري مفتوح ناقش إشكاليات الذاكرة المحلية وحدود الرواية الاستعمارية وآليات حماية التراث المادي واللامادي، في سياق وطني يتزايد فيه الاهتمام بتاريخ الواحات والصحراء الجزائرية.


ولعب مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة، ياسين العابد، دوراً محورياً في مرافقة هذه التظاهرة، من خلال دعم التنسيق بين المؤسسات الثقافية والجامعية، وفتح المجال أمام المبادرات العلمية التي تعنى بتاريخ وتراث الجنوب الجزائري، في إطار رؤية ثقافية تسعى إلى تثمين الموروث المحلي وربطه بالتنمية الثقافية والسياحية.


كما برزت مساهمة مديرة المتحف العمومي الوطني بالنيابة، وهيبة رسيوي، التي أشرفت على التنظيم العام للملتقى ورافقت مختلف الفعاليات العلمية والتراثية، حيث تحوّل المتحف خلال أيام التظاهرة إلى فضاء للحوار الأكاديمي والتفاعل المجتمعي وعرض الموروث الثقافي المحلي.

 

 

 


غير أن اللافت في هذه الطبعة كان الحضور القوي للتراث الحرفي والصناعات التقليدية، خاصة من خلال معرض «الزرابي التقليدية... تراث منسوج وهوية أصيلة»، الذي أعاد الاعتبار لفنون النسيج الصحراوي باعتبارها أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية للمنطقة.


وفي هذا السياق، برزت مداخلة الباحثة والحرفية هاجر عزيزاوي الموسومة بـ«تقنيات الزربية التقليدية وخصوصيتها في منطقة المنيعة»، كواحدة من أبرز المداخلات التي لامست البعد الثقافي والاجتماعي للتراث اللامادي.

وقدمت الباحثة قراءة تحليلية لخصوصيات الزربية الصحراوية من حيث تقنيات النسج اليدوي والرموز الزخرفية ودلالات الألوان المستعملة في النسيج التقليدي، مؤكدة أن الزربية المحلية ليست مجرد منتج حرفي، بل وثيقة ثقافية تختزن تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة الجماعية للمجتمع الصحراوي.


كما ركزت المداخلة على تقنيات الصباغة النباتية والمعدنية المستعملة في معالجة الصوف الطبيعي، معتبرة أن هذه المعارف التقليدية تواجه اليوم تحديات حقيقية بسبب تراجع الحرف التقليدية وهيمنة المنتجات الصناعية، ما يستدعي وضع استراتيجيات جديدة لحماية هذا الموروث وتثمينه اقتصادياً وسياحياً.


وأكدت الباحثة أن حماية الزربية التقليدية لا يمكن أن تظل مرتبطة بالمناسبات والمعارض فقط، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع ثقافي وتنموي متكامل يقوم على التوثيق العلمي وتشجيع الحرفيات وإدماج الصناعات التقليدية ضمن الاقتصاد الثقافي المحلي.


ومن خلال تنوع المداخلات العلمية، بدا واضحاً أن المشاركين حاولوا تجاوز الطرح الوصفي للتاريخ نحو مقاربة تحليلية تربط الماضي بالتحولات الراهنة، وتتعامل مع التراث باعتباره مورداً ثقافياً واستراتيجياً وليس مجرد مخزون رمزي جامد.


وقد شكّلت إحدى المداخلات الخاصة بأعلام مدينة المنيعة محطة فكرية مهمة، حيث أُعيد تسليط الضوء على شخصية الشيخ محمد علان بوصفه نموذجاً للعالم الصحراوي الذي أسهم في تشكيل الوعي الديني والإصلاحي بالمنطقة، مع إبراز مساهمة النخب المحلية في الحفاظ على المرجعية الثقافية والدينية للجنوب الجزائري.


كما تناولت إحدى الدراسات صورة المنيعة في بعض المؤلفات الاستعمارية، متوقفة عند كيفية توظيف الرحلات والوثائق الفرنسية في تشكيل تصورات نمطية حول المجتمع الصحراوي، مع الدعوة إلى إعادة قراءة هذه المصادر بمنهج نقدي وطني.

ومن جهة أخرى، ركزت مداخلات أخرى على دور الحركة الإصلاحية والمجاهدين في محيط المنيعة، معتبرة أن المنطقة كانت فضاءً حقيقياً للتفاعل السياسي والثقافي خلال فترة الاستعمار، وليست مجرد معبر جغرافي في الجنوب.


كما تطرقت أبحاث أكاديمية إلى التحولات الاجتماعية التي عرفتها المنطقة، مبرزة العلاقة بين البنية القبلية والتغيرات السياسية والثقافية التي مست المجتمع الصحراوي عبر مختلف المراحل التاريخية.


وفي محور المقاومة الشعبية، قدّم عدد من الباحثين قراءات تاريخية لدور منطقة المنيعة في مقاومة الشريف بوشوشة، مؤكدين أن الجنوب الجزائري كان جزءاً فاعلاً من حركات المقاومة الوطنية في مواجهة التوسع الاستعماري الفرنسي، وأسهم في الحفاظ على الروح الوطنية والدفاع عن مقومات الهوية الجزائرية عبر مختلف المحطات التاريخية

 

أما الأستاذ الدكتور، فقد ركز على أهمية توثيق الذاكرة المحلية وحفظ الأرشيف الشفوي، معتبراً أن الكثير من تفاصيل تاريخ الجنوب ما تزال حبيسة الرواية الشعبية غير المدونة.

وفي السياق ذاته، ناقش الأستاذ الدكتور نشاط الآباء والأخوات البيض بمدينة المنيعة خلال الفترة الاستعمارية، محللاً الأبعاد الدينية والسياسية للنشاط التبشيري، وردود فعل المجتمع المحلي تجاهه.

أما الدكتور، فقد توقف عند حضور المنيعة في الكتابات العسكرية الفرنسية، مبرزاً كيف تحولت الواحات الصحراوية إلى موضوع للمعرفة الاستعمارية المرتبطة بالسيطرة الميدانية والتمدد الإداري.

وفي محور التراث الوثائقي، قدمت الأستاذة الدكتورة مداخلة حول قصر المنيعة انطلاقاً من أرشيف المركز الثقافي للوثائق الصحراوية بغرداية، مؤكدة أهمية الوثيقة الأرشيفية في إعادة بناء التاريخ المحلي.

كما تناولت الأستاذة الدكتورة دور السياحة الثقافية في تثمين التراث المحلي، معتبرة أن الواحات الصحراوية تمتلك مؤهلات كبيرة للتحول إلى أقطاب للسياحة الثقافية إذا ما تم استثمارها وفق رؤية تنموية مدروسة.

ومن جانبه، ناقش الدكتور رفقة الدكتور صورة المنيعة في المصادر الغربية، خاصة كتاب “Le Mzab et les pays des Chaamba”، حيث عملا على تفكيك الخطاب الكولونيالي الذي رافق وصف المجتمع الصحراوي.

أما الدكتورة، فقد قدمت قراءة نقدية لصورة المنيعة في الكتابات الأجنبية، مبرزة كيف أسهمت بعض الرحلات الأوروبية في تكريس صور نمطية حول الإنسان الصحراوي والواحة الجزائرية.

وفي الإطار ذاته، توقفت الدكتورة عند الصورة الاجتماعية والثقافية للمنيعة في كتابات الرحالة والمستكشفين، معتبرة أن النصوص الرحلية تمثل مادة تاريخية مهمة لكنها تحتاج إلى قراءة نقدية واعية بسياقاتها الاستعمارية.

كما ناقشت الدكتورة جوانب من السياسة التبشيرية بمدينة المنيعة خلال الفترة الاستعمارية، مركزة على تأثير البعثات الدينية في البنية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.

وفي محور التحولات الحديثة، قدم الدكتور رفقة الدكتور دراسة حول ديناميكية التغيرات في المجال الزراعي بمنطقة المنيعة، حيث ناقشا تأثير التحولات البيئية والاقتصادية على النشاط الفلاحي الواحي.

أما الدكتور، فقد ركز على أهمية الانفتاح الأكاديمي والتنسيق بين الجامعات ومؤسسات التراث، من أجل بناء مشروع وطني متكامل لحماية الذاكرة الصحراوية ورقمنتها.

وبين التاريخ والهوية والرقمنة والصناعات الثقافية، بدا واضحاً أن ملتقى المنيعة لم يكن مجرد تظاهرة أكاديمية عابرة، بل خطوة فعلية نحو تأسيس وعي جديد يعتبر التراث الصحراوي جزءاً من الأمن الثقافي الوطني ورافعة استراتيجية للتنمية الفكرية والاقتصادية في الجزائر.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services