61
0
بعد تسجيل 1564 حالة إصابة بهيموفيليا… مختصون يشددون على أهمية الاستثمار في العلاج كرهان استراتيجي

نظمت شركة روش الجزائر للرعاية الصحية، اليوم بالعاصمة، لقاء إعلاميا تمحور حول مرض الهيموفيليا، تحت عنوان "القيمة المجتمعية للاستثمار في الهيموفيليا: الأثر طويل المدى على المريض والمجتمع".
نسرين بوزيان
تم اللقاء بمشاركة أطباء مختصين وخبراء في أمراض الدم حيث تم تسليط الضوء على الأبعاد الطبية والاقتصادية لهذا الاضطراب النزفي الوراثي.

عبىء صحي متصاعد
في هذا السياق، أوضحت المختصة في أمراض الدم بمستشفى ضربان "الجسر الأبيض" بعنابة، البروفيسور جنوني آمال، أن المعطيات الإحصائية المتوفرة لا تعكس بدقة العبىء الحقيقي للمرض في الجزائر بسبب محدودية التشخيص المبكر، غير أن اعتماد سجل وطني خاص بالأمراض النزفية الوراثية مكن من إحصاء 1564 حالة إصابة بمرض هيموفيليا ، إلا أن هذا الرقم يبقى دون التقدير الفعلي لانتشار المرض.
استعرضت المتحدثة تعريف مرض الهيموفيليا باعتباره اعتلالا وراثيا مرتبطا بخلل في عوامل التخثر البلازمية ينتمي إلى فئة اضطرابات النزف، وينقسم سريريا إلى نمطين رئيسيين هما الهيموفيليا أ الناجمة عن نقص العامل الثامن والهيموفيليا ب المرتبطة بنقص العامل التاسع ،كما يتم تصنيف المرض وفق شدة القصور إلى أشكال حادة ومتوسطة وخفيفة تبعا للنشاط المتبقي لعوامل التخثر في البلازما.
أشارت البروفيسور جنوني إلى أن الأشكال الحادة والمتوسطة للمرض تظهر غالبا في سن مبكرة حيث يتم تشخيص الحالات الشديدة عادة قبل بلوغ الطفل عامه الثاني، نتيجة نزوف متكررة قد تكون تلقائية أو ناجمة عن رضوض طفيفة، ما يستدعي تدخلا طبيا مبكرا.
نوهت البروفيسور إلى أن التشخيص العائلي يكتسي أهمية بالغة في الكشف الاستباقي، خاصة لدى الأسر التي لديها سوابق مرضية من خلال الفحوص الجينية وتحليل عوامل التخثر ، ومن الناحية الفيزيوباثولوجية يرتبط المرض بطفرة جينية متنحية محمولة على الصبغي أكس ما يفسر إصابة الذكور، في حين تبقى الإناث غالبا حاملات للطفرة دون تعبير سريري مع إمكانية نقلها وراثيا إلى الأبناء، في المقابل فإن الذكور المصابين ينقلون الصبغي أكس الحامل للطفرة إلى جميع بناتهم اللواتي يصبحن حاملات دون انتقال المرض إلى الأبناء الذكور.
في شرحها لآلية الإرقاء الفيزيولوجي، أوضحت البروفيسور أن عملية إيقاف النزيف تبدأ بالانقباض الوعائي تليها مرحلة الإرقاء الأولي عبر تشكل السدادة الصفيحية ، ثم الإرقاء الثانوي بتفعيل سلسلة التخثر وتكوين خثرة ليفية مستقرة، غير أن هذا المسار يختل لدى مرضى الهيموفيليا بسبب نقص عوامل التخثر وعجز عن تحقيق الإرقاء الفعال، كما نوهت إلى أن مراحل تشخيص المرض تتم عبر التأكد من الإصابة بالقياس الكمي لنشاط عوامل التخثر حيث يصنف الشكل الحاد عندما تقل النسبة عن 1 بالمائة ويترافق مع نزيف خاصة على مستوى المفاصل والعضلات، بينما يتراوح الشكل المتوسط بين 1 و5 بالمائة مع نزيف قد يكون تلقائيا أو عقب إصابات طفيفة، في حين يتجلى الشكل الخفيف بنسبة تفوق 5 بالمائة وغالبا ما يكتشف عقب تدخل جراحي أو رضوض كبيرة.
وحذرت المتحدثة من المضاعفات المزمنة وعلى رأسها الاعتلال المفصلي النزفي الناتج عن النزيف المتكرر داخل المفاصل، ما يؤدي إلى تدهور غضروفي تدريجي وإعاقات وظيفية دائمة، إضافة إلى خطر تطور مثبطات مناعية ضد عوامل التخثر المعوضة، مما يشكل تحديا علاجيا معقدا يحد من فعالية العلاج ويزيد من كلفته.
فيما يتعلق بالمقاربة العلاجية، أكدت البروفيسور أن التكفل الحديث لم يعد يقتصر على العلاج عند حدوث النزيف بل يرتكز أساسا على العلاج الوقائي المنتظم للحفاظ على مستويات كافية من عوامل التخثر بما يقي من النزف ويحافظ على سلامة المفاصل، وقد أثبت هذا النهج نجاعته في تحسين المؤشرات السريرية رغم القيود المرتبطة بالحقن الوريدي المتكرر.
شددت على ضرورة اعتماد مقاربة متعددة التخصصات تشمل أطباء أمراض الدم، الصيادلة، الممرضين، أخصائيي العلاج الفيزيائي والدعم النفسي، علاوة على ضرورة تعزيز التثقيف العلاجي وتمكين المرضى من العلاج الذاتي المنزلي، بما يسمح بالتدخل المبكر وتقليل المضاعفات.
كما أشارت البروفيسور إلى أن مرض الهيموفيليا أصبح اليوم يفرض عبئا نوعيا على جودة الحياة من خلال الألم المزمن والقيود الحركية التي تحد من النشاط البدني، رغم أهمية النشاط الفيزيائي الموجه في الحفاظ على الوظيفة المفصلية والكتلة العضلية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا ملحوظا في الخيارات العلاجية حيث أصبح العلاج الوقائي والرعاية الموجهة حسب الحالة السريرية معيارا عالميا، بما ينعكس إيجابيا على تقليص التكلفة الاقتصادية بعيدة المدى.
انعكاسات سوسيو-اقتصادية للمرض

من جانبه، أوضح المختص في الصيدلة بالمركز الاستشفائي الجامعي بسيدي بلعباس، مصطفى شلغوم، أن مرض الهيموفيليا أصبح اليوم يمثل عبئا صحيا وإجتماعيا متعدد الأبعاد، يمتد تأثيره إلى المسار الدراسي والمهني والحياة الاجتماعية نتيجة النزيف المتكرر وما يترتب عنه من اعتلالات مفصلية وإعاقات تدريجية، مشيرا إلى أن المرض يستنزف موارد صحية معتبرة تشمل الفحوص البيولوجية الدقيقة، الاستشفاء والعلاج طويل الأمد، ما يفرض ضغطا متزايدا على المنظومة الصحية.
كما لفت البروفيسور شلغوم إلى أن تأثير المرض لا يقتصر على المنظومة الصحية فقط بل يشمل أيضا الانعكاسات السوسيو-اقتصادية حيث تشمل فقدان الإنتاجية المهنية، إذ يسجل المرضى غيابا سنويا يقدر بحوالي 20 يوم عمل مع نسب أعلى لدى المرضى الذين يعانون من مثبطات، فضلا عن حالات التقاعد المبكر وفقدان الوظيفة ، إذ يؤكد 80 بالمائة من المرضى تأثر نشاطهم المهني سلبا بالمرض فيما فقد نحو 22 بالمائة وظائفهم بسببه ، منوها إلى أن النزيف المفصلي يصيب بشكل خاص مفصلي الركبة والكاحل حيث تسجل نسب مرتفعة لدى البالغين تصل إلى 99 % مقابل 55 % لدى الأطفال.
كما سلط البروفيسور الضوء على العبء النفسي والاجتماعي الذي تتحمله العائلات، باعتبارها الداعم الأساسي للمريض في ظل غياب الدعم المهني، ما يفاقم القلق المرتبط بمآل المرض واحتمالات انتقاله الوراثي، ويستدعي تعزيز آليات الدعم النفسي و الاجتماعي لاسيما أن المرض يفرض تحديات نفسية واجتماعية عبر مختلف مراحل الحياة حيث يواجه المراهقون صعوبات في الاندماج، فيما قد تتأثر الحياة الزوجية بسبب إشكالية الإفصاح عن المرض، كما يبرز القلق في قرار الإنجاب نتيجة خطر الانتقال الوراثي ، فضلا عن القيود المفروضة على السفر والأنشطة الترفيهية الانجرار نحو العزلة الاجتماعية.
ودعا المتدخل إلى إعادة صياغة المقاربة الصحية وفق منطق الاستثمار بدل التكلفةمن خلال توسيع الولوج إلى العلاج الوقائي، وتعميم التغطية الصحية، واعتماد برامج وطنية تأخذ بعين الاعتبار العبء المجتمعي طويل المدى، معتبرا أن الاستثمار في علاج الهيموفيليا يمثل رهانا استراتيجيا ينعكس على تقليص المضاعفات وخفض التكاليف المباشرة وغير المباشرة، وتحسين إنتاجية المرضى ومرافقيهم، كما أبرزت المعطيات العلمية الحديثة أن الابتكار الدوائي يسهم في رفع متوسط العمر وتقليل معدلات الاستشفاء وخفض النفقات الصحية، ما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار في العلاجات المتطورة.
في ختام مداخلته، أكد البروفيسور شلغوم على الدور المحوري للإعلام في تعزيز الوعي الصحي حول الأمراض النادرة ومكافحة الوصمة الاجتماعية، والتأثير على صناع القرار من خلال دعم السياسات الصحية القائمة على الأدلة، بما يضمن تعزيز التكفل العلاجي وتوسيع نطاق التغطية الصحية.

في تصريح لـ "بركة نيوز" دعا البروفيسور شلغوم إلى إنشاء مخططات وآليات أو مؤسسات مختصة لتقييم تكنولوجيا المعلومات الصحية بشكل منهجي وفعال، مع الحرص على أن تكون هذه المؤسسات مستقلة عن أي تأثيرات خارجية، وأن تعمل وفق طرق معتمدة وموثوقة لضمان الشفافية في تقييم تقنيات الرعاية الصحية.
وأشار البروفيسور إلى أن المهمة الأساسية لهذه المؤسسات تكمن في جمع البيانات والإحصائيات المتعلقة بكفاءة تكنولوجيا المعلومات الصحية ومدى نجاعتها في تعزيز جودة الرعاية الصحية.

