152

0

"إيفري لبلح".. ملحمة الأوراس التي سطرها بن بولعيد بدماء الشهداء

تظل معركة "إيفري لبلح" التي اندلعت يومي 13 و14 جانفي 1956 بجنوب منطقة الأوراس محفورة في ذاكرة الثورة التحريرية كشاهد حي على الشجاعة النادرة والحنكة العسكرية الفذة التي تميز بها قادتها وعلى رأسهم الشهيد مصطفى بن بولعيد.

ضياء الدين سعداوي 

جاءت هذه المعركة المصيرية في أعقاب فرار القائد بن بولعيد  من سجن الكدية بقسنطينة في نوفمبر 1955 لتعيد تأكيد حضوره القوي في الميدان وتدفع بمسار الكفاح المسلح في المنطقة إلى منعطف حاسم  وشارك في هذه الملحمة مجموعة من قادة و مجاهدي الأوراس على غرار محمد بن مسعود بلقاسمي (قائد منطقة أحمر خدو) وعلي بن جديدي (مسؤول قسمة غسيرة) وإبراهيم جيماوي، وعمار شاهدي وحسين برحايل ومصطفى بوستة.

ساحة المعركة...جغرافية التحدي والتصدي

تقع ساحة هذه المعركة الفاصلة في منطقة "إيفري لبلح" الوعرة على بعد 7 كلم من كاف لعروس بغسيرة عند التقاء حدود قريتي بانيان (بسكرة) وغوفي (باتنة) على سفح جبل أحمر خدو المشرف على الوادي الأبيض، لقد اختار المجاهدون بقيادة بن بولعيد بحنكة عسكرية فائقة موقعاً دفاعياً استثنائياً تتخلله صخور شاهقة وشقوق وكهوف طبيعية متحصنة شكلت حصوناً منيعة ومراكز عبور استراتيجية.

شهادات تاريخية تكشف التفاصيل

تكشف شهادات المجاهدين و ابحاث المؤرخين أسباب اندلاع المعركة والتي ترجع بشكل رئيسي إلى حملة التمشيط الشامل والحصار المشدد الذي فرضته قوات الإحتلال الفرنسي على جبال الأوراس بعد فرار بن بولعيد من السجن وتلقيهم معلومات حول وجوده في المنطقة برفقة مجموعة من رفاقه.

في هذا السياق قدم المجاهد وزاني بن عمر الغسيري من مجاهدي المنطقة للموقع الاخباري بركة نيوز روايته  حول وقائع المعركة بناءا على شهادات المجاهدين وأوضح أن بن بولعيد كان في طريقه نحو مشونش لزيارة مجاهدي المنطقة وتوقف للراحة مساء 12 جانفي 1956 في بيت المناضل عبيد الله بلقاسم بمنطقة إيفري لبلح، مع بزوغ فجر اليوم التالي اكتشف المجاهدون أن الجيش الفرنسي قد ضرب طوقاً محكماً على المنطقة.

خطة عبقرية ومواجهة شرسة

هنا برزت عبقرية بن بولعيد التكتيكية فبدلاً من المواجهة المباشرة أصدر أوامره للمجموعة التي يرأسها محمد بن مسعود بلقاسمي بالإحتماء في الصخور والكهوف وعدم الخروج مع استدراج الجنود الفرنسيين للنزول إلى الوادي ، وكلف مجموعة منتقاة من الرماة المهرة  بينهم إبراهيم جيماوي وعمار شاهدي بمهمة اقتناصهم، بينما وزع باقي المناضلين على المواقع الإستراتيجية في الشقوق والكهوف.

وانطلقت الاشتباكات عند السادسة صباح يوم 13 جانفي لتدوم يومين كاملين في مواجهة غير متكافئة بالمعايير المادية، حارب حوالي 280 مجاهداً ومناضلاً قسموا إلى مجموعات تناوبت على الصمود في مواجهة عاصفة من النار شملت قصفاً مدفعياً مركزاً وغطاءً جوياً كثيفاً من طائرات الإحتلال التي دكت المنطقة المحصورة بين الجبل والوادي.

إرادة الثوار تواجه آلة الحرب
ولم تتوان قوات الإحتلال عن تعزيز وجودها حيث تدفقت الإمدادات العسكرية من عدة مراكز كبرى مثل مشونش وغوفي وأريس وباتنة وبسكرة ليتجاوز عدد العسكر الفرنسيين 2000 جندي مزودين بأحدث الأسلحة من سلاح الطيران والمدعية إلى قوات التدخل الخاصة ذات "القبعات الحمراء".

حصيلة تضحية تخلد الإنتصار 
ورغم قساوة المواجهة ووحشية القصف سطر المجاهدون ملحمة بطولة رائعة ويشير المجاهد وزاني إلى أن حصيلة المعركة بلغت 44 شهيداً من صفوف المجاهدين فيما خسر العدو الفرنسي 60 قتيلاً وأكثر من 50 جريحاً بالإضافة إلى خسائر معتبرة في العتاد العسكري.

إرث خالد ودروس مستفادة
ويختتم وزاني بن عمر شهادته بالتأكيد على أن "معركة إيفري لبلح تبقى شاهدا حيا على عبقرية الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد الذي كان سياسياً بارعاً وقائداً عسكرياً محنكا"، كما أنها توثق على حسابه للتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الجزائري برمته في سبيل حرية الوطن واستقلاله.

وهكذا تظل "إيفري لبلح" أكثر من مجرد معركة؛ إنها فصل مشرق من فصول حرب التحرير، يجسد كيف حول الإيمان والقدرة القيادية والتضحية الجغرافية الصعبة إلى ميزة إستراتيجية، وكيف أن إرادة الشعب، عندما تتحد تحت قيادة واعية، قادرة على تحدي أعتى الجيوش وأكثرها تسليحاً، لترسم بدماء شهدائها أولى خطوات مسيرة الحرية والنصر.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services