26
0
أوانُ الشدِّ: حين يتقاطع الحبّ مع التاريخ وتُعاد كتابة الهويّة

أفين حمو: كاتبة سورية
تنهض رواية "أوان الشدّ: وصال الحبيب للحبيبة" للكاتب محمد فايز حجازي على بنية سردية مركبة، تتشابك فيها الأزمنة مع العواطف، ويتجاور التاريخي مع الإنساني، لتقدّم نصًا يعيد مساءلة الهوية عبر أدوات سردية حديثة تستند في عمقها إلى مرجعية تراثية ومعرفية راسخة.
يشكّل العنوان ذاته بوابة تأويلية تستدعي الذاكرة الثقافية العربية؛ إذ يحيل "أوان الشدّ" إلى لحظة التلاحم والوصال، وهي دلالة تتجلى داخل الرواية عبر تداخل مستويات متعددة: العاطفي، والتاريخي، والمعرفي، في نص يسعى إلى إعادة تركيب العلاقة بين الإنسان وماضيه.
منذ الصفحات الأولى، يؤسس الكاتب أفقًا دلاليًا واسعًا عبر توظيف اقتباس من جورج أورويل: "سنعتصركم ونفرغكم، ثم لنملأنكم من أنفسنا". يضعنا هذا الاقتباس أمام إشكالية الهيمنة الثقافية وصراع الهويات، لتغدو الرواية محاولة لاستعادة الذات عبر السرد والمعرفة.
تطرح الرواية قصة حب تجمع مصطفى المسلم وماريا المسيحية، غير أن هذه العلاقة تتجاوز البعد العاطفي لتتحول إلى مشروع إنساني يذيب الحدود الدينية والثقافية. يظهر الحب بوصفه انتماءً إلى هوية إنسانية أوسع، حيث تتلاشى الهويات الصغرى داخل فضاء إنساني مشترك.
ومن خلال بناء شخصيتي العاشقين بوصفهما كائنين يكتشفان العالم معًا، تكشف لنا الرواية أن الهوية كيان يتشكل عبر التجربة الإنسانية، ويخضع باستمرار لإعادة القراءة والتأويل، ويتجلى هذا الطرح في رسم الشخصيات التي لا تُقدَّم وفق تصنيفات جاهزة، إنما عبر تعقيدها النفسي والاجتماعي، كما في شخصية الرجل الذي يسعى إلى شراء بيت الجد، حيث يتحول التدين إلى قناع يخفي نزعة انتهازية تسعى إلى امتلاك المكان والذاكرة معًا.
يظهر الجد في الرواية حارسًا لطبقة خفية من الزمن، رجلًا يعيش على تخوم الحكاية، ويترك وراءه رؤيا غامضة وميراثًا يُقرأ ولا يفهم إلا بعد غيابه. يتحول حضوره إلى رمز للذاكرة التي تحتفظ بأسرارها في طبقات الصمت، فيغدو رحيله الشرارة الأولى لانفتاح السرد.
أما مرض الأب ثم وفاته، فيتخذان بُعدًا وجوديًا في حياة مصطفى، لحظة يكتشف فيها هشاشة الزمن، حيث توحي الرواية أن الإنسان يبدأ طرح أسئلته الكبرى عندما يتصدع يقينه الأول.
يكتشف مصطفى- عبر صفقة حاول من خلالها تحسين وضعه المادي- مخطوطًا يحمل عنوان "الكتاب الكاشف عن أحوال العالمين من بدء الخلق إلى يوم الدين" لصفي الدين بن زادة الدمشقي. يتحول هذا المخطوط إلى محور البناء السردي، حيث يتجاوز كونه عنصرًا حكائيًا ليغدو حاملًا رمزيًا للتاريخ والذاكرة الجمعية.
ويرتبط ظهور المخطوط برؤيا الجد التي تتحول إلى لغز معرفي يدفع مصطفى إلى إعادة قراءة الماضي بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الحاضر، وهو ما توضحه ماريا حين تقول: "علاقة المخطوط والتكوين الهرمي بين صفحاته بلا شك، هما تفسير رؤيا جدك التي أخبرك عنها طفلاً".
يمنح حضور المخطوط الرواية بعدًا تراثيًا يستعيد مكانة المعرفة المكتوبة بوصفها أداة لصناعة السلطة الثقافية، ويعيد الاعتبار للموروث بوصفه عنصرًا حيًا داخل السرد المعاصر.ونكتشف أيضا أن هناك مؤامرة خفية من أيادٍ غربية خفية تسهم وتشارك في السيطرة على الشرق الأوسط.
تشكل الرحلات الثلاث التي يخوضها مصطفى وماريا أحد أكثر عناصر الرواية فرادة. تبدو زمنيًا لحظات عابرة، غير أنها تحتضن تاريخ البشرية بأكمله، وتتحول إلى قراءة رمزية لمسار الحضارة الإنسانية.
في الرحلة الأولى، حيث الزمن الأول في كيميت (مصر القديمة) ولقاء الحكيم أودوريس، تطرح الرواية سؤال البدايات. فمن بنى الاهرامات؟
"قال الشاب للحكيم بنبرة واضحة الدهشة:
إن كل ما رأيتُ وسمعتُ مذ وطأت قدماي أرضكم المباركة، يجافي ما تعلمتُه كل الجفاء، كيف للهرم أن يكون مصدرًا للطاقة! ومن أين لتلك المصابيح بالنور بلا مُوَصِّلاتٍ! وتلك المباني والمعابد البديعة! والأنهار الجارية حول الهرم! والمروج الخضراء على امتداد البصر! وتوحيدكم لله جل في علاه! يكاد عقلي يتوقف من عجب ما أرى وأسمع!
قال الحكيم في إيضاح وتفهم:
يا بني، إنها ليست أرضنا المباركة فحسب ولكنها أرضك كما هي أرض آبائك وأجدادك، هذه واحدة؛ أما الأخرى فليس كل ما أخبروك به حقًا وصدقًا، إن لإبليس سفراءه ومندوبيه عبر العصور وهذه هي مهمتم، نهب الأسرار والاستئثار بالعلوم وطمس الحقائق والتشغيب على عقول العامة من الناس، ولهذا أنت هنا الآن بإذن الإله وحكمته."
تظهر الأهرامات رمزًا لقدرة الإنسان على مقاومة الفناء عبر البناء، بينما يجسد الحكيم محاولة العقل لفهم علاقة الإنسان بالكون، في سؤال يظل معلقًا حول طبيعة نشأة الحضارة.
أما الرحلة الثانية، التي أسماها (ألاعيب السحرية) على حدود مدينة البصرة تنتقل إلى زمن الإمام علي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة،ليشهدوا على واقعة الجمل فتتجاوز الاستعادة التاريخية لتصبح قراءة إنسانية لمأساة الفتنة الكبرى.
"وجعل الإمام "علي" يصيح بين الناس ناهيًا عن القتال حتى بُحَّ صوته؛ وقد رآه وسمعه غير واحدٍ، يلوذ بابنه "الحسن" وهو يقول: يا "حسن" لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة، اللهم ليس هذا أردت، اللهم ليس هذا أردت!
ثم يتوجه ببصره إلى السماء قائلًا في حزن:
اللهم إني أشكو إليك عجزي، اللهم إني أشكو إليك عجزي."
يتحول التاريخ إلى مساحة تأمل في هشاشة السلطة، وفي قدرة الصراع السياسي على تفكيك القيم الروحية.
وفي الرحلة الثالثة، تتجه الرواية إلى مستقبل (عن خبر ما سيكون ) تتعرض فيه الأرض لغزو فضائي يؤدي إلى إبادة معظم البشرية، ويبقى عدد محدود من البشر في مصر للمواجهة.
"أجاب الرجل في مزيج من الأسى والحزن قائلًا:
من لم يخضع عقيدًة خضع قوة وقهرًا لا سيما وقد بات العالم بأسره بلا عدة أو سلاح، بعد أن أتوا على الأخضر واليابس ودمروا الأمم تدميرا.
ثم استطرد قائلًا:
أما عنهم، فهم "الرماديون" أو أعداء الشمس - كما نسميهم- وأعوان الدجَّال وخدامه، لا نعرف لهم موطنًا على وجه التحديد سوى أنهم من كائنات العوالم الأخرى، فمنهم من يسكن الفضاء ومنهم من يأوي إلى جوف الأرض، وقد اتخذوا من منطقة الأهرامات مقرًا أرضيًا لهم، ينتقلون منه إلى عوالمهم المجهولة عبر ما يطلقون عليه "البوابة النجمية"، وهم يعلنون ذلك في وضوح.
زوي الشاب ما بين حاجبيه وقد بلغ منه الذهول كل مبلغ وهو يردد كالمسحور قائلًا:
كائنات العوالم الأخرى! أعوان الدجَّال! منطقة الأهرامات!
قال الرجل في تأكيد:
نعم، ألم يخبرنا عنهم رب العالمين حين قال جل في علاه في كتابه الكريم {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ }!"
يظهر هذا المشهد بوصفه استعارة وجودية عن خوف الإنسان من نهايته وعن تكرار أخطائه عبر العصور. يمنح اختيار مصر بعدًا رمزيًا يعيد استحضارها باعتبارها ذاكرة الحضارة وملاذها الأخير.
تبلغ الرواية ذروة نضجها في نهايتها حين يتحول مصطفى وماريا إلى كاتبين يوثقان تجربتهما، في بنية ميتاسردية تجعل النص واعيًا بذاته، كما يظهر في قول مصطفى:
"الحمد لله الذي أمد في أعمارنا حتى انتهينا من مهمتنا".
تتحول الكتابة هنا إلى فعل نجاة، ومحاولة لإنقاذ التجربة الإنسانية من النسيان.
تعتمد الرواية على تقنية التناوب بين صوتي مصطفى وماريا، وهو تناوب يمنح الحكاية توازنًا شعوريًا ومعرفيًا، ويخلق بنية سردية تشبه حوارًا داخليًا ممتدًا بين روحين. تبلغ هذه التقنية ذروتها في مشهد اللقاء الخاطف حين تظهر ماريا متنكرة لتسلم رسالتها إلى مصطفى، فيقول:
"حتى رأيت عينيها العسليتين وسمعت صوتها العذب يترقرق إلى قلبي ويسري بين نفسي فهدأت بعد ضجيج، كطفل أعادوه إلى أبويه".
يتحول اللقاء إلى لحظة خلاص نفسي تتجاوز حدود الحدث السردي.
تتميز لغة الرواية بالمزج بين الفخامة التاريخية والبساطة التأملية، حيث تتنقل بين الوصف الملحمي والحوار الإنساني الحميم، وتميل إلى النبرة الوجدانية التي تكثف الصور البلاغية وتمنح النص طابعًا شعريًا واضحًا.
رواية "أوان الشدّ" للكاتب محمد فايز حجازي محاولة لإعادة كتابة العلاقة بين العاطفة والتاريخ. إنها رواية تمشي على تخوم الواقعي والأسطوري، وتجعل الرحلة عبر الأزمنة رحلة داخل النفس الإنسانية ذاتها.
وتترك الرواية قارئها أمام حقيقة موجعة وبسيطة في آن واحد: أن التاريخ ليس ما حدث فقط، ولا ما كُتب في دفاتر الوقائع، إنه ما يظل حيًا داخل القلوب، يعيد تشكيل الإنسان كلما ظن أنه تجاوز الماضي.

