2047

0

الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد خطيب الأقصى (الشيخ يوسف سلامة)

بواسطة: بركة نيوز

 

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد-صلّى الله عليه وسلّم- وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

تَمُرّ بنا هذه الأيام الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد والدي خطيب المسجد الأقصى الشيخ يوسف جمعة سلامة، وذلك يوم الأحد ١٨ جمادى الآخرة ١٤٤٥هـ، الموافق ٣١ ديسمبر ٢٠٢٣م، إِثْر عملية اغتيال نَفّذَتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي، كَمَا الْتَحَقَت به أمي الصابرة والمعلمة الفاضلة -شهيدة- بعد إصابتها صباح ذات اليوم. بِفَقْدِكُمَا يا أعَزّ النّاس أيْقَنْتُ أنَّ الفَواجِع تَبْقَى كما هي ولَوْ مَرّ عليها الدّهر، فلا أَلَم يُضَاهي أَلَم فُقْدانِكُمَا، فَقْدكما مُوجِع وفَراغ غِيابُكما مُوحِش، ولكنْ عزاؤنا أنّ الله سبحانه وتعالى استجاب دُعَائِكُمَا بِحُسْن الخِتَام، فكان بإذنه ما تَمَنّيْتُمَا، وكَتَبَ الله لَكُمَا أنْ تَنَالَا شَرَف الشّهادة كَمَا تَسْتَحِقّان، تَتْوِيجاً لِمَسيرة حَياة مَليئة بِتَقْوى الله وطاعته.

 

الشيخ ...أبٌ كَمَا يَنبغي أنْ يَكون 

 

عَامَان كَامِلان مَرَّا على استشهاد أبي الحبيب، عَامَان ثقيلان كَأَنّهُما الدّهر، ومَا زِلْنا نشعر بِوقع الصدمة كأنّها اللحظة الأولى، ومَا زالت مرارة الفقد ووجع الفراق تُثْقِل قلوبنا، وتسلب الحياة بَهْجتها، في هذه الكلمات أُحاول أنْ أُتَرْجِم بعض ما يَخْتَلج في صدورنا تجاه أبٍ وسندٍ ورفيقٍ ووطن، تجاه حياة كاملة اكْتَمَلت به، فَمَا سَأَكْتبه لا يُوفي والدي حقّه مهْما كَتبت، فَلَوْ كَان البَحر مِدَادا لكلماتِ الفَخْر والعزّ والحبّ لَنَفِدَ البحر قَبْل أنْ تَنْفَدَ هذه الكلمات، فكيف للكلمات أنْ تَفِي بحقِّ مشاعرٍ أثْقَلَها الألَم ؟      لقد كان الشيخ أَبَاً مِثَاليا بكُلّ مَا تَحْمِلُه الكلمة، أَبَاً نُحْسَد عليه في الوسط الذي نَعِيش فيه، فمَنْ يَعرف الشيخ عن قُرْب يُدرك عُمق عَاطفته الجيَّاشَة تجاه أبنائه، والحَنَان الفَيّاض الذي غَمَرَهُم به، والعطاء اللّا محدود لهم دُون انتظار مُقابل، وَالسّعي بشتّى السّبل لإسعادهم وتعليمهم وتوفير سُبل الرّاحة لهم، فقد كان أَبَاً اسْتثنائياً بِحَنانه وحبّه ومَشاعره التي ليس لها مَثيل، أبَاًَ نَفْتَقده في كلّ تَفاصيل حياتنا التي كان يُتَابِعُ صَغيرها قَبْل كَبيرها،  أُشْهِدُك يا الله أنَّ أَبِي كَان نِعْمَ الأب الحَنُون الكَريم الذي أفْنَى حَياته من أجْلِنَا .. اللهُمّ ارْحمه، واجعل الفردوس منزله فقد كان لحياتِنَا نَبْض و لِعُيونِنَا نُور.

 

الشيخ ...قلب مُعَلّق بالقرآن الكريم 

 

نشأ الشيخ في أسرة متواضعة مُتدينة، تربّى في ظلّ والده- رحمه الله- المشهود له بالصلاح، ووالدته- بارك الله في عمرها- والتي تتمتع بالحكمة والتقوى، فنشأ على حُبّ العلم وطلبه، وكان شَغُوفاً بحفظ القرآن الكريم منذ نعومة أظفاره، إذْ الْتَحَقَ بالكُتّاب في سن الخامسة ، وأَتَمَّ حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن، الأمر الذي مكّنه من الالتحاق بالصف الثاني الابتدائي دون دراسة الصف الأول، فأدْرَك بَرَكة القرآن وأثره في حياة الفرد منذ صِغَره، حتّى أَنْعَمَ الله عليه بإتمام حِفْظه كَاملاً، فلمّا خُوّلت له صلاحيات معينة وظّفها لخدمة كتاب الله ، ففي فترة توليه وزارة الأوقاف رفع شعاراً راسخاً: (فلنملأ فلسطين بحفظة كتاب الله)، وأسْهَم في إنشاء  الكثير من مراكز التحفيظ في كافة رُبُوع الوطن، وتكريم حفظة كتاب الله في حفل سنوي يُعْقد في ليلة السابع والعشرين من شهر مضان بحضور رئيس الدولة وجَمْع من الوزراء والعلماء والمثقفين، وتُقدّم خلاله جوائز مالية تشجيعاً لحفظة القرآن، كما قام الشيخ بتعيين حَفَظَة كِتاب الله في وزارة الأوقاف مُُحَفظين وأئِمَة  بِتَنْسيب من الرئيس الراحل-ياسر عرفات- والذي أصدر قراراً بمساواة حفظة القرآن بالموظفين الرسميين في السلطة وتأمين حقوقهم ومعاشاتهم؛ تقديراً لمكانتهم واعترافاً بدورهم في خدمة القرآن الكريم.

 

الشيخ ...إنسانية لا تَعْرِف الحُدود

 

مَن يُعَاشِر الشيخ في حياته، ويطّلع عن قُرْب على سلوكه، يُوقِن أنّه كان مدرسة حقيقية في كلّ تصرفاته، مدرسة مُتكاملة تُجسّد القيم في أدقّ تفاصيل حياته، مدرسة لا يُمكن أنْ تُكتسب من الكُتِب أو تُتَعلّم من غيره، بل تُستمد من خُلُقه، وإنسانيته، وأسلوبه في التعامل، فقد كان مُتَواضعاً قريباً من كافّة شَرَائِح المجتمع، حريصاً على التواصل معهم، مُلمّاً بأحوالهم المعيشية، مُلتمسا حاجاتهم، وباذلاً جهده في تقديم ما يستطيع من عون، إيماناً منه بأنّ قضاء حوائج الناس من أجلّ الأعمال وأقربها إلى الله عزّوجل. ومن الجدير بالذكر أنَّ الشيخ قد حَبَاه الله قبولاً في قلوب الناس جميعاً داخل الوطن وخارجه، فكان لحضوره أثرٌ خاصّ في كلّ مجلس يشارك فيه، يُضفي عليه وَقارا وهيبة، ويَكْسوه إشراقاً وتميزاً، ممّا أَهّله لِأَنْ يَكُون مِن أَبْرز رِجَالات الإصلاح في الوطن، ولِكَلماته الأُذُن الصّاغية التي لا زال الجميع يَذْكُر صَدَاهَا، إذْ جَعَلَ من بيته المُتواضع في مخيم المغازي مَجلساً عَامِراً يَتَرَدّد عليه العلماء والشيوخ والباحثين إلى جانب الأصدقاء والجيران.

 

الشيخ والمسجد الأقصى...عَهْدٌ لا ينقطع 

 

مُنْذُ أَنْ أَبْصَرْتُ الحياة، كان حُبّ فلسطين يَسْكُنني كما يَسْكُن الدّم العُرُوق، زَرَعه والدي-رحمه الله-  في وجداني قَبْلَ أَنْ أَعِي مَعَانيه، كَبرتُ ولمْ تُغَادر كلمات والدي عن حبّ فلسطين ولؤلؤتها القدس وقلبها النابض المسجد الأقصى عقلي ولا قلبي، فكانتْ وَعْيي الأوّل، وبَوْصَلتي الدّائمة، ومن خلال حبّه العَمِيق لفلسطين أدْرَكت أنّ الوطن لَيس ذكرى تُرْوَى، بل عقيدة تُحْمل ومَسْئولية لا تزول . 

لقد جعل الشيخ قضية القدس والمسجد الأقصى نَصْبَ عَينيه، وقَدّمها على سائر اهتمَاماته، مُؤمناً بِعَدالتها، ومُدَافعاً عنها بِكُلّ مَا أُوتيَ من فكرٍ وكلمة، مُرددا :(يكفيني فخراً أنّ اسمي يَلْتَصِق بالمسجد الأقصى المبارك وخَطَابته، حتّى صار لقبُ خطيب المسجد الأقصى رَدِيفاً لاسْم يُوسف جمعة سلامة، وهذه وَحْدها تَكفيني حيَّاً ومَيتاً)، فلمْ يَدّخِر جُهدا في بيان مكانة القدس والمسجد الأقصى المبارك من خلال خُطَبه الرّنّانة ، ومشاركاته في المؤتمرات الدولية والندوات المحلية، واللقاءات التلفزيونية، وقد صدّر الحديث عنها في مُؤلفاته القيّمة عن إسلامية فلسطين، ومكانة المسجد الأقصى المبارك مُؤكّداً على أنّه حقّ خالص للمسلمين، وليس لغيرهم حقّ فيه، ومُحذراً من مخططات الاحتلال الإسرائيلي  لتغيير معالمه وطَمْس هويته الإسلامية، حتى أصبح هدفاً في عقل الاحتلال الإسرائيلي الذي وجد الحرب فرصة لتغييب صورة خطيب المسجد الأقصى، وتَغييب لسانه وقلمه.

 

الشيخ ...تجربة مؤسسية رائدة 

 

لقد كان الشيخ مثالاً يُحتذى به في تشكيل الإنسان، يَتَمَتّع بِعزيمة وإِرَادة لا تَلِين ، وثِقَة عميقة وتوكّل على الله في جميع خياراته، فكلّ خُطوة يَخْطوها كانت نتيجة لدراسة مُتَكاملة وعميقة تعكس شخصيته الفَريدة.                                                       

للشيخ الشهيد بصمات خالدة وصفحات مضيئة على مستوى الإنجازات في كثير من المؤسسات التي تولَّى إدارتها، لاسيّما وزارة الأوقاف والشئون الدينية، فكانت فترة تَوَلّيه الوزارة نُقْطَة تَحَوّل في النشاط الديني على مستوى دولة فلسطين، فقد تفرّد الشيخ بتحقيق إنجازات سجّلت إضافات حقيقية على مستوى الوطن، مِنْ أهمّها طباعة مُصحف بيت المقدس أَوّل مُصحف في تاريخ فلسطين أَشْرَف على مُراجعته نُخبة من علماء الأزهر الشريف، وإقامة أوّل مُسابقة دولية لحفظ القرآن الكريم-مسابقة الأقصى-، وتأسيس إذاعة القرآن الكريم، وإنشاء كلية الدعوة الإسلامية ومدارس الأوقاف الشرعية، كما حرص على تنفيذ سياسة الوقف الإسلامي في فلسطين، واستثمار أموالها في إقامة الكثير من المشاريع الخيرية والتجارية والتعليمية. 

 

ختام المسيرة...وبقاء الأثر

 

اخْتَصّ الله الشيخ بِكَرامة عظيمة، فَخَتَمَ له بالشهادة بعد عُمرٍ أَفْنَاه في الحقّ والبَذْل وخدمة الناس، لِتَكون خَاتِمته شهادةً على صِدْق مَسِيرته، لا حَادِثة عَابِرة، مَضَى جَسَده، وبَقِيَ إرْثه شامخاً لا يَبْهَت، مَنْظومة متكاملة من القِيَم والمَوَاقف والإنْجَازات والعمل الصادق، تَرَكَ خَلْفه سِيرةً تُقْرَأ بالعِزّة وتُحْكَى بالفَخْر، وتاريخاً يَفْرِض حُضُورَه في الذّاكرة والوجدان، وسنبقى نرفع اسمه فخراً واعتزازا ما امتدّ بنا العمر. تقبّل الله والدي الشيخ الشهيد ووالدتي المربية الشهيدة وجمعهما في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحَسُن أولئك رفيقا.                                       

وصلّى الله على سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم – وعلى آله وصحبه أجمعين

بقلم : د. دعاء يوسف سلامة 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services