65

0

الصدى الإمبريالي الأمريكي وهمس الانكشاف الأوروبي

بواسطة: بركة نيوز

بقلم  كمال برحايل 

تحققت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية نبوءة لينين، بقوله: " الإمبريالية هي اعلى مراحل الرأسمالية " وهذا انعكاس طبيعي لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، في الدلالة باكتمال الحلقات المكونة للمشروع الأمريكي، مستعجلاً المراحل اللاحقة  بالانسحاب من القضايا التي لا تخدم إطلاقاً المصالح ، ليستكمل باعادة صياغة الواقع العالمي وفق اطروحة التيار المحافظ ، الذي يتخذ من القوة المعيار المحدد والسعي لزيادتها لتحقيق الأهداف والنفوذ ، عبر العالم بغض النظر عن طريقة تحقيق تلك المصالح الحيوية .
ولعل البداية هي التحول الشكلي مع توقيع الرئيس الأمريكي الأمر التنفيذي ، لتغيير اسم البنتاغون من وزارة الدفاع الى وزارة الحرب ، مبررا التسمية الجديدة بالتناسب الطردي مع الأوضاع العالمية المضطربة ، وفي مؤشر على الجاهزية الدائمة للهجوم لتحقيق النصر ، حيث ترسم ملامح  الدخول في المرحلة الإمبريالية .
ويشير المصطلح حسب الموسوعة السياسية" إنها ايديولوجية وسياسة تبسط فيه الدولة سلطتها وهيمنتها، على أراض وشعوب أخرى خارج حدودها ، بهدف التوسع السياسي والاقتصادي" مع استناد الولايات المتحدة إلى هذه النزعة التوسعية بالحجة الاقتصادية ، بمعنى استغلال الموارد الطبيعية والحجة الاستراتيجية بتعزيز محددات الأمن حسب مقتضيات استراتيجية الأمن القومي . 
و تنحو الإدارة الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض ، منذ الحرب على العراق ممارسة الضغط على الاتحاد الأوربي والذي تاريخيا شكل العمق الجغرافي لأمريكا ، بمنعه مستقبلا من تشكيل اي تكتل عسكري او امني مستقل خارج حلف الناتو ، اضافة إلى عدم الرضا إطلاقا لمحور باريس برلين ، لكونه احد الفواعل السياسية المنخرطة علنا في استعداء السياسة الخارجية الأمريكية عبر العالم ، وتريد إعادة رسم خريطة المصالح حسب الأولوية، وقد يصبح هذا المحور البديل الحقيقي في المنطقة العربية ، المتحالفة مع الولايات المتحدة. 
وافرزت التطورات الحالية في قضية جزيرة غرينلاند ، درجة الانسداد وتعذر سبل التفاهم مع الحلفاء التقليديين في الاتحاد الأوروبي ، هذا شكل في طبيعته الحافز لدفع الرئيس الأمريكي إلى الحزم والتشدد في النبرة الخطابية،  بصيغة المفردات الجد بسيطة سهلة الاستيعاب وبالغة الدقة في التحذير خاصة بقوله ، كلمة " ان قلتم لا فتذكروا " ، ومنه تدرك وحدة الموقف الرسمي في السياسة الخارجية والمتطابقة شكلاً ومضموناً ، في إشارة صريحة للخطاب السابق،  لنائبه جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن،  وعند الانتهاء من الإملاء على المستمعين فقط ، اعتلى المنصة رئيس المؤتمر ليذرف الدموع بقوله ان " القيم المشتركة لم تعد مشتركة كما كان معتقداً ".

وعليه شكلت ادبيات الخطابين إيذاناً بالشرخ في العلاقات الاطلسية ، وأفول مسلمة متداولة بأن الانظمة الدمقراطية لا تتصارع في الظاهر فقط ، لكن تكشف في الواقع بانها مجبرة رغم انفها على تقديم التنازلات التدريجية ، خشية من  الارتداد السلبي لتبعات المواجهة ، وفي خطوة مصيرية لقبول الهيمنة السياسيّة والاقتصادية للولايات المتحدة ، وان التصميم بمقاومة الاستحواذ على غرينلاند ، هذا يعني بداية التخطيط الاستراتيجي للدفاع المتحرك او الثابت عن الجزيرة ، بدمج ومستأنسة تعداد قوات الدببة القطبية ، مع جنديان من النرويج وجندي من بلجيكا على متن زلاجات ثلجية ،  بشعار يا جبل ما يهزك الريح وهذا في اعتقادي قمة الانكشاف في أوروبا . 
ومن تجليات قتامة المشهد أمكن تشخيص معالم التفكك والانقسام بل وعجز الاتحاد الأوروبي ، على التحدي المفتوح مع الولايات المتحدة ، ولا يتوجب حصره فقط في أزمة جزر جرينلاند ، بل هي الإمتداد إلى ادمان الفشل باستدامة الاستقرار في القارة الأوربية ، خاصة ملف البوسنة والهرسك والأزمة الأيرلندية وأخيراً الحرب الاوكرانية بتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإقصاء العمدي للاتحاد الأوربي ، من القيام او حتى مجرد التفكير باي دور في القضايا الدولية المتزامنة ، مع التصريحات الرسمية الصادرة من البيت الأبيض إلى رئيسة الاتحاد الأوربي بقوله " انه في حال تعرضت أوروبا للهجوم فلن نأتي للمساعدة أو الدعم" ، يليه تصريح وزير الدفاع الأمريكي قائلا " على أوكرانيا الا تحلم باستعادة الحدود " ثم ينفرد الدور الأمريكي بإنهاء العزلة الغربية ، على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكل هذه المستجدات كانت متقاطعة ، مع خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جامعة السوربون قائلا " يجب ان نكون واضحين اليوم ، بشأن حقيقة أن أوروبا مهددة بالموت ويمكن أن تموت " .
تلكم هي الحقائق الثابتة للانبعاث من سبات الثقة الأبدية للاتحاد الأوربي في انتظار الصحوة وليس بالتمرد ، في مسعى لاستعادة الإرث الديغولي المستقل في البناء الأوربي هذا بعدما اعتبرت العلاقات الأوروبية - الأمريكية النموذج في بناء التحالف السياسي والأمني بين الحلفاء ، لكنّ المواقف المتضاربة في القضايا المصيرية أحدثت التصدع والقطيعة ، في ضوء التهديد بفرض الرسوم الجمركية على أوروبا المتحركة باقل من ثقلها ، بينما تستمر الولايات المتحدة في العمل خارج المؤسسات الدولية الرسمية بمنطق ثابت ، قد يرسي لمرحلة انتقالية للنظام المتداعي وبداية فكّ الارتباط بين صدى يترك الأثر والهمس وراء الكواليس .

آخر الكلام: حكمة اوربية قديمة .
" الوقت يكشف كل شيء " 
     Time reveals all things

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services