6317

0

الناتو على حافة الهاوية: هل يدفع حلم ترامب الإمبراطوري في غرينلاند بالتحالف نحو حتفه؟

 

بقلم  الحاج بن معمر 

إن الإعلان المفترض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته احتلال جزيرة غرينلاند وطرد الجيش الدنماركي منها ليس مجرد تصريح صادم عابر، بل هو القفزة النوعية التي قد تحول التوترات الكامنة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى انفصال وجودي لا يمكن رأب صدعه، إنه فعل يجسد التحول من الخلاف السياسي إلى العدوان العسكري المباشر بين حلفاء، وهو ما يشكل نقطة اللاعودة في تاريخ تحالف ظل لسبعة عقود حجر الزاوية في الأمن الغربي.

هذا السيناريو، وإن بدا مستمداً من الخيال السياسي المروع، فإنه يضع أيدينا على النبض الحقيقي لأزمة الناتو العميقة: فشله في إعادة تعريف نفسه بعد الحرب الباردة، وتآكل مبدأ التضامن تحت وطأة النزعات القومية والشعبوية، وتحول القيادة الأمريكية من ضامن للنظام إلى مصدر رئيسي لعدم الاستقرار.

لقد أصبح الناتو، في السنوات الأخيرة، أشبه بمسرح للصراع الداخلي أكثر منه درعاً دفاعياً موحداً، حيث تتصاعد الخلافات حول التمويل (هدف الـ 2% من الناتج المحلي الذي تفرضه واشنطن ويتهرب منه معظم الأوروبيين)، وحول الاستراتيجية (الموقف من روسيا، والمشاركة في المسرحيات الدولية، وطبيعة العلاقة مع الصين)، وحتى حول القيم الأساسية التي يفترض أن يدافع عنها الحلف.

في هذا الجو المشحون، يأتي قرار كهذا ليعمل كمشرط يفضي كل الخراج المتراكم. لكن لماذا غرينلاند تحديداً؟ الجواب يكمن في الجغرافيا السياسية الصاعدة للقطب الشمالي.

فمع ذوبان الجليد بوتيرة متسارعة بسبب التغير المناخي، تتحول هذه المنطقة من أرض متجمدة معزولة إلى ساحة تنافس استراتيجي واقتصادي بالغة الأهمية.

فتحت الممرات الملاحية الشمالية الجديدة إمكانيات تجارية هائلة، وتشير التقديرات إلى أن قاع المحيط المتجمد الشمالي يحتوي على ما يصل إلى 30% من احتياطيات الغاز الطبيعي غير المكتشفة في العالم، و13% من النفط، بالإضافة إلى ثروات معدنية نادرة ضرورية للثورة التكنولوجية والتحول الأخضر.

لذلك، فإن السيطرة على غرينلاند، باعتبارها أكبر جزيرة في العالم وذات موقع مركزي في شمال الأطلسي والقطب الشمالي، ليست مجرد نزوة توسعية بل هي محاولة للسيطرة على واحدة من آخر الحدود الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى على الكوكب،  إنها خطوة تهدف إلى تأمين التفوق الاستراتيجي الأمريكي لعقود قادمة، ولكن بثمن باهظ هو تدمير التحالف الذي ضمن لهذا التفوق في الماضي.

إذا ما تحول هذا الإعلان إلى فعل ملموس، فإن العواقب ستكون بمثابة زلزال مدمر لهياكل الأمن الدولي. أولاً وقبل كل شيء، سيكون هذا انتهاكاً صارخاً وجوهرياً للمادة الأولى من معاهدة واشنطن المؤسسة للناتو، التي تلتزم فيها الدول الأعضاء بعدم استخدام القوة في علاقاتها الدولية بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

احتلال أراضي دولة عضو مؤسس في الحلف (الدنمارك) هو ليس فقط خرق لهذه المعاهدة، بل هو نسف لروحها وأساسها الأخلاقي،  كيف يمكن لحلف أن يدعي الدفاع عن السيادة والديمقراطية بين أعضائه إذا كان أقوى أعضائه ينتهك سيادة أحدهم بكل وقاحة؟ هذه الخطوة ستجرد الناتو من شرعيته على الفور، وتحوله من تحالف قائم على القيم إلى علاقة قوة خالصة، حيث الحق للقوي والمصلحة الضيقة هي المعيار الوحيد. 
 ستضع الدول الأوروبية في موقف وجودي مستحيل، فمن الناحية النظرية، يمكن للدنمارك أن تستدعي المادة الرابعة للمشاورات ثم المادة الخامسة للدفاع المشترك ضد الهجوم المسلح.

لكن تطبيق المادة الخامسة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة التي تقود الحلف والتي تستضيق مقره العسكري الرئيسي، هو ضرب من الخيال والتناقض المأساوي. هل ستقوم الطائرات الأوروبية، التي قد تكون من صنع أمريكي، بمهاجمة مواقع للجيش الأمريكي؟ هل سترسل برلين وباريس جنوداً ليموتوا في جزيرة جليدية للدفاع عن كوبنهاغن ضد واشنطن؟

الاستحالة العملية لأي رد عسكري أوروبي موحد ومتماسك ضد الولايات المتحدة ستكشف أن الضمانة الأمنية للمادة الخامسة، ذلك العمود الفقري للأمن الأوروبي منذ 1949، كانت واهية وقابلة للتبخر عندما يتعلق الأمر بالعدوان القادم من داخل الأسرة الأطلسية نفسها. هذا الاكتشاف سيكون صدمة نفسية واستراتيجية هائلة لأوروبا، وسيدفعها لا محالة نحو طريق الانفصال الاستراتيجي الكامل.

 سيُسرع هذا الحدث من ولادة كيان أمني ودفاعي أوروبي مستقل، ربما للمرة الأولى في التاريخ الحديث. فرنسا، التي طالما نادت بـ"الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، ستجد في هذه الكارثة التبرير النهائي والدافع الأقوى لحلمها.

ستندفع باريس وبرلين (التي قد تضطر لتعديل موقفها التاريخي الحذر من العسكرة) إلى تعزيز الآليات الأوروبية الناشئة مثل "المبادرة التدخلية الأوروبية" و"التعاون المنظم الدائم" بسرعة غير مسبوقة. ستصبح فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد، بدءاً من قيادة مشتركة ونواة قتالية مشتركة، أولوية قصوى تتجاوز كل الاعتبارات البيروقراطية والخلافات الثانوية.

سيكون هذا تحولاً جيوسياسياً ضخماً: ظهور قوة عسكرية كبرى جديدة على الساحة العالمية، منفصلة عن الهيمنة الأمريكية. هذا الكيان الجديد سيواجه تحديات هائلة، من بناء سلاسل توريد وتسليح مستقلة إلى تطوير قدرات استخباراتية واستراتيجية خاصة، ولكنه سيكون مساراً لا مفر منه لضمان بقاء أوروبا كفاعل مستقل. 
 على المستوى الدولي الأوسع، سيدفع هذا الفعل العالم نحو نظام متعدد الأقطاب فوضوي وخطير. فانسحاب الولايات المتحدة الفعلي من دور الضامن الأطلسي (حتى لو لم تنسحب رسمياً من الحلف) سيفتح أبواباً للقوى الأخرى. روسيا، العدو التقليدي للناتو، ستجد فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها في أوروبا الشرقية، مستغلة الفراغ والانقسام.

قد تلجأ بعض الدول الأوروبية الشرقية القلقة، التي فقدت الثقة في الضمانة الأمريكية وتخاف من الجار الروسي، إلى إبرام اتفاقيات أمنية ثنائية أو إقليمية قد تضطر فيها إلى تقديم تنازلات استراتيجية لموسكو.

الصين، من جانبها، ستستغل هذه الفوضى لتعميق نفوذها الاقتصادي والسياسي في أوروبا، عارضة نفسها كشريك مستقر في عالم مضطرب. سينهار النظام الأمني الذي حافظ على استقرار نسبي في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتحل محله حالة من التقلبات والتحالفات المؤقتة وسباقات التسلح الإقليمية.

 على الرغم من أن ترامب قد يحقق مكاسب استراتيجية قصيرة الأمد بالسيطرة على غرينلاند ومواردها، إلا أن الخسارة طويلة المدى للقيادة الأمريكية العالمية ستكون هائلة. فمصداقية الولايات المتحدة كشريك وكراعٍ للتحالفات ستتحطم. لن تثق أي دولة، حتى الحلفاء التقليديين خارج أوروبا مثل اليابان أو كوريا الجنوبية أو أستراليا، بضمانات أمنية أمريكية في المستقبل.

سيتجه العالم نحو مزيد من التسلح الوطني والإقليمي، لأن الدرع الأمريكي سيُعتبر غير موثوق به، هذا قد يؤدي إلى انتشار الأسلحة النووية، حيث تسعى دول إلى ردع خاص بها في عالم بلا ضامن أمني شامل. داخل الولايات المتحدة نفسها، قد يبدو هذا النصر الإقليمي وكأنه انتصار للقومية، لكنه في الحقيقة سيعزز عزلة أمريكا، ويقلل من قوتها الناعمة وقدرتها على تشكيل الأجندة العالمية من خلال التحالفات. القوة العسكرية الهائلة وحدها لا تبني إمبراطورية مستدامة؛ إنما تبنيها الشبكات من الحلفاء الموالين، والثقة، والقدرة على تقديم نموذج جاذب. هذا الفعل سيدمر كل ذلك.

في النهاية، قد لا نرى "نهاية" رسمية للناتو في اليوم التالي لقرار ترامب الافتراضي. فالحلف، كمنظمة بيروقراطية ضخمة، قد يستمر شكلياً. بعض الدول، خاصة في شرق أوروبا التي قد تخشى روسيا أكثر من أي شيء آخر، قد تتمسك بالاسم والفكرة حتى وهم يعرفون أنها أصبحت مجرد قشرة فارغة.

قد تستمر الاجتماعات وتصدر البيانات، ولكن دون أي قدرة حقيقية على التخطيط الاستراتيجي المشترك أو العمل العسكري الموحد. سيدخل الناتو في حالة "موت سريري"، موجوداً في الظاهر، منعدم الجوهر.

القواعد الأمريكية في أوروبا ستصبح غير قابلة للاستمرار سياسياً، وستبدأ في الإخلاء. مقر الحلف في بروكسل سيتحول إلى رمز للماضي. ولكن الاحتمال الآخر، الأكثر ثورية، هو أن تقود الدول الأوروبية الكبرى عملية "انقلاب" داخل الحلف، فتعيد تشكيله من دون الولايات المتحدة، أو حتى تطردها منه، وتحوله إلى النواة الأساسية للقوة الدفاعية الأوروبية الجديدة، هذا المسار سيكون صعباً ومعقداً، ويتطلب إرادة سياسية استثنائية، ولكنه ممكن إذا وصلت درجة الاستفزاز والخيانة المدركة إلى ذروتها.

خلاصة القول، إن إعلان ترامب المفترض باحتلال غرينلاند سيكون أكثر من مجرد أزمة دبلوماسية؛ سيكون إعلاناً عن نهاية عصر، عصر كانت فيه الولايات المتحدة، رغم كل انتقاداتها، القائد المضمون للغرب،  عصر كان فيه الناتو، رغم كل عيوبه، الإطار الذي حمى السلام في أوروبا (باستثناء البلقان) لأطول فترة في تاريخها الحديث.

هذا الفعل سيكشف أن التحالفات التي تقوم على المصلحة البحتة، دون قيم مشتركة راسخة وروح تضامن حقيقية، هي تحالفات هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار وجودي حقيقي. غرينلاند، بشواطئها الجليدية وثرواتها الباطنية، قد تصبح نصباً تذكارياً لنهاية نظام عالمي، وبداية لعالم جديد أكثر خطورة، يتسم بالمنافسة الشرسة بين القوى الكبرى، وغياب الضوابط، وتفكك الثقة على المستوى الدولي.

في هذا العالم، سيتعلم الجميع، بما فيهم الولايات المتحدة، درساً قاسياً: وهو أن القوة المطلقة من دون حلفاء مخلصين، ومن دون شرعية أخلاقية، هي قوة عرجاء وعرضة للفشل على المدى الطويل. الناتو قد يموت، ولكن شروط السلام والأمن التي ستحل محله قد تكون أكثر قتامة وأقل استقراراً للجميع.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services