775
0
المرحوم محمد حربي وتراثه جزء من هذا التاريخ، أحببنا ذلك أم كرهناه!!


مصطفى محمد حابس: جينيف / سويسرا
تناقلت وسائل الإعلام هذا الأسبوع، تحديدا يوم الخميس الفاتح جانفي 2026 الموافق لـ 12 رجب 1447هـ، خبر وفاة، المؤرّخ والكاتب السياسي اليساري الجزائري محمد حربي بمنفاه في فرنسا، عن عمر ناهز الـ 93 عاماً، بعد مسيرة فكرية ونضالية رافقت الثورة التحريرية وما بعدها. إذ يعد أحد أبرز مؤرّخيها باللغة الفرنسية ومناضلي الحركة الوطنية، على حد تعبير بعض طلبته ومعارفه من
فرنسا وأوروبا وآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام عموما
وقد أثرى المرحوم المكتبة التاريخية وبالفرنسية خصوصا، ببحوث ودراسات هامة، قد يعيب عليها
بعض المؤرخين، أنها وجهة نظر معارض أو ناقد سياسي، لكن يلاحظ القارئ العادي مثلي، أنه أنجز ما لم يقم به غيره من المؤرخين الجزائريين ما عدى بعض الأقلام الجزائرية المعروفة من جيله كشيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله وعدد قليل من الأقلام تعد على أصابع اليد الواحدة!!
وهذا لا يمنع أن يقول أصحاب الاختصاص اليوم أنه ترك بصماته على تاريخ الجزائر، لما لا، وقد يلاحظ الباحث أن من أبرز مؤلفات المرحوم محمد حربي: "أرشيف الثورة الجزائرية" (باللغة الفرنسية/1981)، إذ يُعدّ أحد أهم أعماله، حيث جمع فيه وثائق أرشيفية قيّمة من فاعلين رئيسيين في الثورة، وقد حرص فيه على أن تكون أرشيفات الثورة مفتوحة للجميع بحيث تسهم في فهم أعمق لتاريخها، وكتابه الآخر الموسوم" جبهة التحرير الوطني: بين الأسطورة والواقع"، و"الثورة الجزائرية: سنوات المخاض"، و"الجزائر ومصيرها: مواطنون أم مؤمنون"، و"التسيير الذاتي في الجزائر... ثورة أخرى"، و غيرها من المراجع التاريخية، خاصة بالفرنسية كما هو مبين أدناه (*).
محمد حربي جزء من هذا التاريخ، بمشاركته في الثورة وفي مفاوضات إيفيان
وقد أثارت هذه الأعمال نقاشاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية، لما تميّزت به من اعتماد على الوثائق الأرشيفية وقراءة نقدية للتجربة الثورية الجزائرية.
لا لشيء إلا لأن محمد حربي جزء من هذا التاريخ، أحببنا ذلك أم كرهناه، فقد انخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية الجزائرية، قبل أن يلتحق بفيدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا، ثم بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، إذ عمل إلى جانب أحد أبرز رجالات الثورة كالمرحوم كريم بلقاسم إلى غاية الاستقلال، كما شغل بعد الثورة مناصب دبلوماسية وسياسية، من بينها عمله سفيراً للجزائر في غينيا، ثم سكرتيراً عاماً بوزارة الخارجية..
ويرحل اليوم حربي بعد مسيرة حافلة بالنضال السياسي والعمل الفكري والأكاديمي، رغم ما لمعارضيه من مآخذ سياسية أو فكرية عن سيرته إذ يعد الفقيد من المناضلين الأوائل في صفوف الحركة الوطنية حيث شارك في مفاوضات إيفيان. وكان عضوا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين. كما كان عضوا في فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا. التي كانت تحضر ركائز أساسية للعمل السياسي والدبلوماسي للثورة التحريرية بالخارج. اشتغل جنبا إلى جنب مع عدد من قادة الثورة بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. التي شغل فيها عدة مناصب، في كل من وزارة الإعلام وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الجزائرية.
أما بعد الاستقلال، فقد اشتغل الراحل إلى جانب الرئيس الراحل أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر المستقلة كخبير ومستشار، غير أن مساره السياسي عرف تحولات عميقة عقب انقلاب 1965، إذ أسس منظمة المقاومة الشعبية، ما عرّضه للملاحقة والسجن خلال عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، ثم الإقامة الجبرية في الجنوب الجزائري بمدينة بشار، قبل أن يغادر لاحقاً إلى الخارج، فارا بجلده وأفكاره.
وفي المنفى في فرنسا تحديدا، واصل محمد حربي مسيرته الأكاديمية في البحث والدراسة والتأليف، ليكرس حياته لكتابة تاريخ الثورة المجيدة، حيث كانت له دراسات وأبحاث تحليلية حول جوانب مختلفة من تاريخ الجزائر، وسياسات فرنسا الاستعمارية. يعتد الباحثون منذ عقود بمؤلفاته ودراساته الأكاديمية كمراجع تاريخية لها وزنها مع تحفظات بعضهم عن طريقته في بعض جوانبها.
كما عمل المرحوم حربي، أستاذاً في عدد من الجامعات الفرنسية، من بينها: "باريس 8" و"باريس ديدرو" و"باريس ديكارت"، وبرز بوصفه مؤرخاً مرجعياً لتاريخ الثورة الجزائرية والحياة السياسية عموما، من خلال قراءاته النقدية الجريئة أحيانا وابتعاده عن السرديات الرسمية التي تسوقها أحيانا وسائل الإعلام. بل كان المرحوم جزء فاعلا في التنضير للأممية العالمية وحتى لأحزاب يسارية جزائرية محلية، كحزب المرحوم آيت أحمد حسين، جبهة القوى الاشتراكية في الجزائر وغيرها.
كما كتب لي بعض الأفاضل بقوله عن المؤرخ حربي قوله:
Car Mohamed Harbi nous a légué une leçon insupportable pour les pouvoirs figés :
Une Révolution qui interdit qu’on l’étudie est une Révolution déjà trahie.
Un État qui a peur de ses historiens avoue sa propre illégitimité.
Les embaumeurs peuvent refermer le cercueil.
L’histoire, elle, reste ouverte — et dangereuse.
ما ترجمته بالعربية، قوله:" أن محمد حربي قد ترك لنا درسًا لا يُحتمل للسلطات الجامدة: إذ أن ثورة تمنع دراسة نفسها هي ثورة خُنِقَت بالفعل. والدولة التي تخاف من مؤرخيها تعترف بعدم شرعيتها. فيمكن حينها للمحنطين إعادة غلق التابوت، فالتاريخ، يظل مفتوحًا وخطيرًا!! ".
الفضاء الأزرق واخواته أداة بناء ومعول هدم، فــ“أذكروا موتاكم بخير” :
ومن كرامات وفضائل “الفضاء الأزرق” واخواته علينا جميعا - قراء وكتابا - أنها أداة بناء ومعول هدم كما ذكرت ذلك في مقال سابق - منذ سنوات - بمناسبة وفاة كل من المفكر محمد أركون والمفكر الكاتب مالك شبال في فرنسا رحمهما الله، حيث كتبت كما كتب غيري حول رحيل هؤلاء الكتاب الكبار ومن باب "أذكروا موتاكم بخير"، قلت حينها أنهم من رجالنا الذين غادروا دون أن يحظوا بما يستحقون من تكريم وعزاء و عناية، و قلت حينها أيضا أن المرحوم مالك شبال، على سبيل المثال والذكر لا الحصر أنه " من ألمع مفكرينا المعاصرين غزارة في الإنتاج بحيث يصدر كل سنة على أقل كتابا نفيسا، مع اختلاف بعض كتابنا مع بعض طروحاته الحدثية طبعا، وقلت أيضا أن الراحل مات معزولا عن محيطه الاسلامي ومهموما في الغربة، وفي فرنسا تحديدا " أم الخبائث" على حد تعبير العلامة محمد البشير الإبراهيمي ( رحمه الله)! إذ المعروف عن فرنسا منذ عقود، محاصرتها لكل صوت إسلامي مهما كان لونه وتوجهه، فرنسا ذات السياسة العلمانية العرجاء المتسمة بالإقصاء للأجنبي المسلم عموما، والجزائري خصوصا، كما نلاحظه هذه السنوات الأخيرة بجلاء ووضوح.. رغم ذلك فتحت وسائل الإعلام أبوابها على مصراعيها لبعض الكتاب منهم الراحل محمد حربي، فذلك شأنها!!
وأنا لا أبوح سرا، رغم انه لا تربطني أية علاقة بالمؤرخ محمد حربي، ولا أزعم أني قرأت كل كتبه، لكني حضرت له كما حضرت لغيره كأي مهتم من المهتمين بالشأن الإسلامي والتاريخي والجزائري في بلاد الغرب، لما تزورنا مثل هذه القامات منذ سنوات خلت، وأذكر في إحدى محاضراته ومحاضرات الدكتور الهواري عدي في جامعات لوزان وجنيف، لا أذكر تحديدا أيهما، وكانت الندوة في إحدى جزئياتها تدور حول تاريخ الجزائر وجمعية العلماء والإسلاميين والاسلام.. لا اذكر تحديدا تفاصيل الموضوع، إلا أني أذكر جيدا أنه كان من بين الحضور معنا في القاعة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة والزعيم الراحل حسين آيت أحمد (رحمهما الله)، إذ بعد المحاضرة وخروج الناس من المدرج، استفسر هذا الأخير – أي آيت أحمد - باستغراب شديد، عن شهادتهما وإنصافهم للإسلاميين، فرد عليه أحدهما، بقوله "هذه حقائق تاريخية، يوم لك ويوم عليك يا سي حسين"، فبهت الرجل كأنه يقول لنا وأنا بجانبهما" التاريخ لا يكتب بصيغة الحاضر"!!
ما بال بعض الاخوة، وفي وقت فقد كهذا، يسبحون ضد التيار
أما هذا الأسبوع تحديدا، فقد راسلني أحد الاخوة الافاضل مستفسرا، بقوله "ما بال بعض الاخوة، وفي وقت فقد كهذا، يكتبون بل يسبحون ضد التيار، فبدل الترحم أو حتى السكوت بمناسبة وفاة المؤرخ الجزائري محمد حربي، رحمه الله"، راحت بعض الأقلام الجزائرية الاسلامية المعروف بعضها من فرنسا وما جاورها، تكتب ما ترجمته بالفرنسية، قول أحدهم:
" مع كل احترامي لمحمد حربي، في حياته، وعمله، وأكثر من ذلك رفضه لوسام جوقة الشرف الفرنسي، ليس معروفًا عنه أنه كان مسلماً، بل العكس تماما. لذلك الدعاء غير مناسب، إذا لم أكن مخطئًا !!"، كما كتب أخر جازما، من بريطانيا، بقوله : "أنه لا يصح الترحم على المؤرخ الجزائري محمد حربي لأنه شيوعي ويساري" ومخافة بدأ نقلها عنهم من جهات أخرى من أوروبا، خاصة لما يصدر من شخصيات جزائرية وإسلامية، تواصل بي أحد الاخوة قصد التواصل مع بعض من كتب للتراجع عن ما ذهب بعضهم اليه، الأمر الذي حفزني أن أثير الموضوع شخصيا من جانبه الفقهي الحرفي في خطبة الجمعة الماضية يوم 2 جانفي 2026، أي بيوم واحد بعد وفاة المرحوم محمد حربي، لكي لا تنتشر هذه الافكار بين العوام فتأتي على الأخضر واليابس، لا قدر الله، وحاولت معالجة الموضوع أمام العام و الخاص بلفتة دون ذكر للأسماء طبعا، بما فيهم اسم المؤرخ الجزائري أو سيرته الخاصة ولا حتى من أثار القضية، لأن موضوع الترحم أو عدم الترحم أصلا لا يجب أن يطرح ونحن في الغرب بهذه الصيغة، ولا يطرح على «الشيوعي أو اليساري من أصول إسلامية» كمحمد حربي، و الأمر فيه متسع ومسألة فقهية اجتهادية محضة لا تُختزل في شعار حادّ مثل «لا يُترحَّم عليه مطلقا»، بل تُضبط بضوابط الشرع، الإيمان الظاهر للرجل والموقف من الله ورسوله مع حفظ حق الإنسان وكرامته. لأن المعيار في الأحكام الأخروية هو الإيمان والكفر، لا مجرد الانتماء السياسي؛ فالشيوعية كمنظومة فكرية مادّية تُنكر وجود الله حقيقة مفروغ منها لكن هذا في آدابياتها فقط، لكن لا يُحكم على كل منتسب لها بالكفر إلا بعد قيام الحجة والبرهان وبيان حاله صراحة، وهذا من شأن أهل العلم والشرع لا آحاد الناس وعوامهم أمثال الكثير منا!!
بل حتى الحكم على الأعيان بالكفر من أخطر الأحكام في المجتمع، حسب أهل العلم؛ فكثير من الفتاوى تنص على أن التكفير وظيفة القضاء والعلماء الراسخين، والتحذير من تهاون بعض الناس في رمي المخالفين بتهمة الكفر بسبب الميول الفكرية أو السياسية لا غير!!
هؤلاء الكتاب، والمؤرخين، الذين غادروا بعد أن تركوا بصماتهم في تاريخ شعوبهم، لم يموتوا!!
كما أن الترحم والدعاء، بالنسبة لغالب الفقهاء يشترطون الإسلام لصحة طلب المغفرة الأخروية، لكن توجد اتجاهات إسلامية معاصرة وقديمة تُفرّق بين من حارب الدين وأهله طولا وعرضا، وبين من جهل أو التبس عليه الأمر، وتجوّز الدعاء بالرحمة العامة لمن لم يُعرف بعداوته لله ولرسوله، ناهيك أن المرحوم محمد حربي، كان في إمكانه أن يغير حتى اسمه من محمد الى اسم أخر، لكنه لم يفعل، و قد رد على ذلك في إحدى المناسبات، إن لم تخني الذاكرة، كأنه يقول لهم بالتعبير الجزائري، " هنا يموت قاسي!!"، و بقي باسمه الإسلامي، محمد !!...
و مهما استطعنا أن نقول عن هؤلاء الكتاب، والمؤرخين، الذين غادروا بعد أن تركوا بصماتهم في تاريخ شعوبهم، هل مات هؤلاء؟ هل ووروا الثرى وانطوت سيرتهم وأسدل الستار عليهم؟؟..
الجواب، بحق وموضوعية وأمانة هؤلاء لم يموتوا، ولن يموتوا، فهم في سفر. لأن بين رحلة الحياة والموت، وهي حقيقة راسخة، يخط البشر بأيديهم وعملهم ما يحفظ أسماءهم في لوح محفوظ، خيرا كان أم شرا، مصداقا لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
فعلا، لقد رحل هؤلاء … نعم رحلوا، لكن لا أظن أنهم ماتوا. ولا يسعنا إلا نقول، رغم الداء والاعداء والدهماء: "رحم الله موتى المسلمين، وأسكنهم فسيح جناته، ومَنَّ عليهم بمغفرته وستره".." وإنا لله وإنا له راجعون".
واليوم لا بد من إعادة تلك الأهمية والمكانة إلى نفوس الناس وواقع حياتهم، لكيلا تتكرر مثل هذه المأساة المحزنة في صفوف جاليتنا خاصة في الغرب.. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
*)- المراجع بالفرنسية من مؤلفات المرحوم محمد حربي أو بالاشتراك معه:
Principaux livres historiques :
- Aux origines du FLN. Le populisme révolutionnaire en Algérie, Christian Bourgois, 1975.
- Le FLN, mirage et réalité. Des origines à la prise du pouvoir (1945‑1962), Jeune Afrique, 1980 (rééd. Naqd‑ENAL, 1993).
- Les archives de la révolution algérienne, Jeune Afrique, 1981.
- 1954, la guerre commence en Algérie, Complexe, 1984.
Réflexions politiques et mémoires :
- L’Algérie et son destin. Croyants ou citoyens, Arcantère, 1992.
- Une vie debout. Mémoires politiques, tome 1 : 1945‑1962, La Découverte, 2001.
- Travaux sur l’autogestion et l’après‑indépendance.
- L’Autogestion en Algérie : une autre révolution ? (1963‑1965), Syllepse, 2022.
Ouvrages collectifs et collaborations :
- Le FLN : documents et histoire, 1954‑1962 (avec Gilbert Meynier).
- La guerre d’Algérie (avec Benjamin Stora), Robert Laffont, 2004.
- La guerre d’Algérie vue par les Algériens. Tome 1 : Le temps des armes. Des origines à la bataille d’Alger (avec R. de Rochebrune et B. Stora).
- Les camarades des frères. Trotskistes et libertaires dans la guerre d’Algérie (avec Sylvain Pattieu), Syllepse, 2002, rééd. 2018.
- D’une rive à l’autre : la guerre d’Algérie, de la mémoire à l’histoire (avec G. Manceron, H. Remaoun, E. Pisani).

