42150
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقه 173

بقلم اسماعين تماووست
لقد عشت في زمنٍ تساقطت فيه الأرواح كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، وأصبح الموت رفيقًا لنا لا يفارقنا، يعبر بيننا في كل لحظة، ليطعن في أحلامنا، ويذبح في قلوبنا. لم يكن الإرهاب في تلك الأيام مجرد حروف تكتب على ورق أو أصوات تصدر من شاشات التلفاز. بل كان واقعا، ملموسًا، عشنا في أحشائه، نحاول النجاة منه، ولكننا نعلم أن الهروب منه مستحيل، لأنه يعيش بيننا، وفينا، وفي كل زاوية من زوايا الحياة.
الإرهاب ليس فكرًا عابرًا، ولا شعارًا يُرفع باسم الدين أو الجهاد، هو مرض يعشش في العقول الجاهلة، ويشوه كل معنى جميل للحياة. من يرفع السلاح في وجه الأبرياء تحت أي مسمى كان، لا يمكنه أن يكون مؤمنًا بالرحمة، ولا بالإنسانية، ديننا يعلمنا أن الدماء لا تُهدَر، وأن الحياة أمانة لا يجوز التلاعب بها. والقتل لا يُطهّر، بل يلوث كل شيء.
ما زلت أتذكر كيف كان أولئك الذين أطلقوا النار على إخوتنا وأخواتنا في الشوارع يظنون أن موت الأبرياء هو نوع من الجهاد، هم لا يعرفون أن من يقتل باسم الله هو أول من يعصيه، لأن الله لا يُطلب منه قتل الأبرياء، بل يدعونا إلى أن نكون رحماء، وأن نحترم أرواح البشر.
لقد تعلمت أن الحياة رغم قسوتها، رغم كل ما عايشناه من آلام وفقدان، تظل تستحق أن تُعاش، علمتني سنوات الجمر أن القتل لا يُحقق الأهداف، وأن الإيمان لا يكون بالتدمير، بل بالبناء، بالبقاء على الحق، والوقوف في وجه الظلام. وفي كل دمعة حقيقية، وفي كل روح نقية، نجد بصيصًا من الأمل، نجد حصنًا ضد هذا الإرهاب الذي يظن أنه يمكن أن يُطفئ نورنا.
الإرهاب لا يعرف الدين ولا المعتقدات، هو مجرد أداة في يد من لا يريدون لهذه الأرض أن تشرق بنور الحياة. لكننا، مهما طال الزمن، سنظل صامدين، لأن الحق لا يموت، والدماء الطاهرة التي سُفكت ستظل تضيء دروبنا.
في تلك الفترة المظلمة من عمر هذا الوطن الجريح، وبين دهاليز واقع ملبد بالغموض والريبة، كان الوضع يزداد تعقيدًا، يفيض بالتوتر والخوف. كنت، بصفتي مفتش شرطة، أراقب المشهد بعين لا تغفو، وعقل يحلل أدق التفاصيل، أستشعر الخطر في صمت الأزقة، وأقرأ الرعب في وجوه العابرين. لقد كنا، نحن رجال الأمن، نطارد خيوط مؤامرة حيكت بليلٍ ثقيل، تحرّكها أيادٍ خفية تتلذذ بتمزيق جسد الوطن، لا ترضى إلا بإغراقه في مستنقع الفوضى والخراب.
في ظل هذا المشهد الكئيب، كان هناك من لا يزال يحلم بالهيمنة، عصابات متطرفة تسعى لاحتكار القوة، ترفض أن ترى غيرها في ساحة القرار. رجال الأمن من جهاز الشرطة الوطني وأعوان الأمن والدرك، كانوا قد أقسموا بأرواحهم أن لا يسمحوا لهؤلاء المعتوهين المتغطرسين بسرقة ما تبقى من استقرار البلاد. لم يكن بمقدور أي منا، مهما بلغت شدة التهديدات، أن يتهاون أو يتراجع. كنا نعرف أن أي ضعف، أو تفريط، لن يُغفر، لا من الله ولا من التاريخ.
أمام هذا الواقع، لم يكن أمام تلك العصابات سوى خيارين: إمّا أن يستسلموا طوعًا ليحاكموا بالعدل أمام القضاء، أو يواصلوا هروبهم العبثي في متاهات الفشل المؤكد، وهم يدركون في أعماقهم أنهم لا يملكون لا الحيلة ولا القوة لمجابهة الدولة، التي جندت خيرة رجالها من الشرطة والدرك والجيش، وأبناء الأحياء الشعبية الذين تطوعوا لحماية أزقتهم، رافضين أن تصبح ساحات لعب لمغامرين مرضى بالعنف.
لقد كانت قواهم ضئيلة حد التفاهة، مجرد عصابات أشبه بظل حرب شوارع، لا يتقنون سوى نصب الكمائن الجبانة، والاعتداء على الأبرياء العزّل. لا يملكون خططًا واضحة، ولا مشاريع واقعية، تحركهم أوهام مجنونة وأفكار مشوهة، سرعان ما تتبدد مع أول صرخة مقاومة صادقة.
في هذه الظروف كنت أتابع تفاصيل العمليات، أرفع التقارير، وأحذر فريقي من الوقوع في فخ الاستهانة بهم، فالشرّ مهما بدا هزيلًا قد يلدغ متى وُضع في زاوية ضيقة. وكنت أردد دومًا على مسامع زملائي: "لا تعطوا للشيطان فرصة، فالشر إذا تُرك ينمو، يفترس حتى أقرب مقربيه."
المأساة الحقيقية لم تكن فقط في فعلهم الإجرامي، بل في أنهم تمكنوا من خداع بعض من أبناء وطننا البسطاء، الذين سقطوا ضحية خطاب كاذب، ونزوات دموية مقيتة. لقد لعب قادتهم على أوتار الفقر والجهل، واستغلوا سذاجة شباب لم يجدوا يدًا تمتد إليهم في لحظة ضياع، فاحتضنتهم أيادي الخيانة، وحوّلتهم إلى أدوات قتل بلا وعي ولا ضمير.
كانوا يتسللون إلى المساجد، التي تحوّلت للأسف في بعض الأحياء إلى بؤر تخريبية بدل أن تكون بيوتًا لله، يبثّون سمومهم فيها تحت غطاء الدين، يوهمون ضعاف النفوس أن الجنة تمر عبر الدم، متناسين أن الدين الحق ينهى عن قتل النفس التي حرم الله.
ورغم قسوة اللحظة، كنت أعلم أن التاريخ سيحاكم الجميع. وأن الموتى — شهداء ومظلومين — لن يسكتوا عما يُرتكب في حق هذا الوطن. كانوا، في تصوري، سينهضون من مراقدهم ليعاتبونا، يسائلوننا: "كيف رضيتم أن يعبث هؤلاء بأرواح الأبرياء، وأن تتحوّل أزقة مدنكم إلى مسارح موت؟ كيف هانت عليكم دماؤنا التي سقطت لتحيا الجزائر حرة كريمة؟"
لهذا، لم يكن أمامنا إلا أن نواصل المعركة بلا هوادة، متسلحين بالإيمان بالوطن، والعقيدة الأمنية التي زرعها فينا الآباء. وكنت أقول لفريقي: "لا تتركوهم يغيبوا عن ذاكرتنا، فهم أحياء فينا، أرواحهم تقف خلفنا في كل خطوة، وأصواتهم تنادينا من وراء جدران الموت: واصلوا… لا تتخاذلوا… لا تخونوا الأمانة."
نعم، هي معركة ضد الجهل، ضد الحقد، ضد كل يد آثمة أرادت سلخ هذا الوطن من أبنائه، وتدمير ماضيه ومستقبله، معركة يتجدد فيها الحقد، ولكن يتجدد معها الإصرار. معركة يقودها رجال آمنوا أن الجزائر تستحق التضحية، ويدركون أن الموت في سبيل الوطن ليس خسارة، بل شرف لا يناله إلا من اصطفاهم الله.
يتبع...

