277
0
المجلس الإسلامي الأعلى يفتتح ندوة علمية محورية حول ترشيد الاستهلاك في رمضان

في إطار تعزيز الوعي الاستهلاكي السليم، افتتح المجلس الإسلامي الأعلى، بالتنسيق مع جميعة أمان لحماية المستهلك٬ اليوم الاثنين، ندوة علمية تحت عنوان “ترشيد الاستهلاك خلال رمضان في ضوء تعاليم الإسلام”.
هاجر شرفي
شهدت الندوة، حضور أمال عبد اللطيف، وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق، ورئيس المجلس الأعلى زيد الخير إلى جانب إطارات المجلس من الباحثين والمهتمين بالشأن الديني والاجتماعي

إستهل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، زيد الخير مبروك، كلمته بأنّ شهر رمضان يمثل محطة إيمانية كبرى تُستدعى فيها قيم الاعتدال وحفظ النعمة، مؤكّدًا أنّ الإسلام وضع منهجًا دقيقًا في الإنفاق يقوم على التوازن والابتعاد عن التبذير.
وأضاف أنّ القرآن الكريم أرشد إلى السلوك الاستهلاكي المعتدل منذ التنزيل الأوّل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
وأوضح رئيس المجلس أنّ هذه النصوص تؤسس لرؤية قرآنية واضحة تنسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ النعمة ومنع اختلال ميزان الحياة، مؤكّدًا أنّ التبذير سلوك مذموم دينيًا وأخلاقيًا، وقد جعله القرآن من صفات “إخوان الشياطين”.
كما شدّد على أنّ شهر رمضان يشكل فرصة عملية لإعادة ضبط السلوك الاستهلاكي، ومراجعة عادات الإنفاق بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ استقرار المجتمع واقتصاده.

في سياق الحدث، أكدت وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق، أن هذا الحدث يشكل فرصة لتسليط الضوء على سلوك المستهلك خلال الشهر الفضيل، خاصة مع تغيّر أنماط الطلب وحجمه، مما يستوجب اعتماد سلوك استهلاكي عقلاني يقوم على حسن التخطيط والترشيد والمواءمة بين حاجيات الأسر والإمكانات المتاحة، وفق مبادئ الإسلام التي تدعو إلى الاعتدال وتنهي عن الإسراف، كما جاء في القرآن الكريم:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
رمضان محطة لإعادة صياغة السلوك الفردي والمجتمعي
وأوضحت الوزيرة أن رمضان يمثل محطة لإعادة صياغة علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه، وأن الاستهلاك الواعي ليس خيارًا فرديًا فقط، بل تنظيمًا اجتماعيًا يعزز التضامن والتكافل ويحافظ على القدرة الشرائية للأسر.
وأضافت أن التبذير يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واختلال توازن العرض والطلب، ويشكل ضغطًا إضافيًا على سلاسل التموين، مما قد يؤثر سلبًا على الاستقرار الاقتصادي.
واختتمت الوزيرة تصريحها بالإشارة إلى الحملة الوطنية التي أطلقتها الوزارة تحت شعاري:«الوفرة موجودة… ترشيد الاستهلاك اختيارك» و «رمضان شهر فضيل… فلا نجعله سباقًا في التبذير»، والتي تهدف إلى ترسيخ ثقافة الاستهلاك الواعي وتعزيز السلوك المسؤول لدى المواطنين، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة والقيم الأخلاقية، ويحقق المصلحة العامة للمجتمع والأسرة

وتطرقت الدكتورة سامية قطوش، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، أولى المداخلات العلمية، متناولةً الظاهرة من زاوية سوسيولوجية دينية.
وأكدت في تصريح لها أن الندوة تأتي ضمن جهود المجلس لـ”تمرير رسائل توعوية” تسبق حلول شهر رمضان، باعتباره شهرًا تعبديًا قائمًا على المقاصد الشرعية لا على السلوكيات الاجتماعية المتوارثة.
وقالت:“لا نريد أن تُختزل المناسبة الدينية في طقوس شكلية تُخرج الصوم من معناه. الصوم عبادة تقوم على التكافل، التضامن، والإحساس بالفقراء. أما الموائد الفاخرة فليست مقصدًا شرعيًا، بل أحيانًا تُحوِّل الصوم إلى عادة اجتماعية بدل أن يكون عبادة روحية وصحية”.
وأضافت أن الوسطية والاعتدال هما السلوك الطبيعي للمجتمع الجزائري، غير أن الاندفاع والعاطفة الاجتماعية يسببان تجاوزات استهلاكية تظهر كل رمضان.

السلوك الاستهلاكي… خطر على الصحة والاقتصاد والأسرة
من جهته، تطرق حسان منور، رئيس جمعية الأمان لحماية المستهلك، إلى ممارسات وصفها بـ”الخاطئة” لدى المستهلكين خلال رمضان، معتبرًا أن الأسر تُقبِل على شراء كميات كبيرة من المواد الاستهلاكية دون حاجة حقيقية، بدافع العادة لا بدافع الضرورة.
وقال في تصريح له:“نستعد لرمضان بالاقتناء المفرط، في حين أن روح الشهر تقوم على التوازن. إن استمرار هذه الظاهرة سيؤثر على صحة المواطن واقتصاد الأسر والاقتصاد الوطني والبيئة”.
وأشار إلى أن إصلاح هذه الثقافة يبدأ من المؤسسات الدينية والعلمية، داعيًا السلطات إلى ضبط السوق، والأئمة إلى تعزيز الخطاب الديني الموجّه، والمدارس إلى إدراج ثقافة الاستهلاك الرشيد في برامجها.
التأثير الصحي والاقتصادي… أرقام تستدعي القلق
وعرض الدكتور عبد الرزاق بوعمرة، المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، الآثار الصحية للاستهلاك المفرط في رمضان، مؤكدًا أن التغيير المفاجئ في النظام الغذائي وارتفاع استهلاك الدهنيات والسكريات يزيد من مؤشرات الأمراض.
كما قدّم الأستاذ موسى بوكريف من جامعة بجاية قراءة اقتصادية لظاهرة التبذير، مبرزًا انعكاساتها على الإنتاجية خلال الشهر الكريم.

وخلال التدخلات المسجلة بعد الجلسة العلمية، قدم الخبير الاقتصادي بشير مصيطفى، رئيس مؤسسة صناعة الغد، أرقامًا وصفها بـ”المقلقة”، منها:
• استهلاك 70 مليون خبزة يوميًا، يُهدر منها 10 ملايين في رمضان (بقيمة 98 مليون دولار)، واستهلاك الفرد 2.7 قنطار قمح سنويًا (الجزائر 2 عربيًا و11 عالميًا).
كما أن الأرقام تسير إلى استهلاك الماء 430 لترًا للفرد يوميًا، 20% منها مياه جوفية مهددة.
وأكد مصيطفى أن هذه الأرقام تُظهر تحوّل الاستهلاك إلى ظاهرة تبذير خطيرة، مقترحًا حلولًا أبرزها: تحرير مدروس لأسعار المواد الأكثر تبذيرًا، دون المساس بالقدرة الشرائية، و استحداث منحة معيشة لضمان عدالة الدعم، إنشاء خلية يقظة استهلاكية متعددة القطاعات إلى غاية 2050.
بالإضافة إلى ضبط الإشهار وبرامج الطبخ التي تكرّس أنماطًا غير صحية.
الأولوية للقدرة الشرائية
وبعد الاستماع إلى مختلف التدخلات، أكدت وزيرة التجارة أمال عبد اللطيف أن كل المقترحات والانشغالات سيتم دراستها مع القطاعات المختصة، مضيفة أن مسألة تحرير الأسعار تتطلب دراسة معمقة لأنها قد تؤثر على القدرة الشرائية، مؤكدة التزام الحكومة ووزارة التجارة بتطبيق تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بحماية المستهلك والقدرة الشرائية.

وعي المستهلك… مسؤولية مشتركة
وعلى هامش الندوة، قدّم كريبع خضير، نائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلكين، توصيات عملية، مشيرًا إلى أن نمط الاستهلاك يتغير في رمضان، وأن على المستهلك معرفة ما يحتاجه فعلاً.، وحذر من الإفراط في تناول الخبز الأبيض لاحتوائه على 4.7 غرام من الملح في الخبزة الواحدة، داعيًا إلى التحول نحو الخبز الأسمر.
كما دعا المستهلكين إلى ممارسة ثقافة المواطنة عبر الإبلاغ عن المخالفات، مؤكدًا: “الوصول إلى مستهلك واعٍ مسؤول يبدأ بالتعاون بين الجميع”.

الصوم… وقاية غذائية صحية
أما الدكتور كمال قادري، المختص في الطب الداخلي والتغذية، فأوضح أن الصوم له فوائد كبيرة في تنظيف الجسم وتعزيز المناعة والوقاية من أمراض الشرايين والسرطان، مؤكداً ضرورة الاعتدال وتجنب الإفراط في السكريات والدهون، وأن شرب الماء ضروري خصوصًا لكبار السن الذين قد لا يشعرون بالعطش رغم حاجة أجسامهم إليه.

واختُتمت الندوة بتكريم وزيرة التجارة أمال عبد اللطيف وجميع المشاركين، تقديرًا لجهودهم في الإسهام في نشر ثقافة استهلاك رشيد ومتوازن خلال شهر رمضان.

