23
0
الكرة والمخزن.. حين تصبح اللعبة أداة العرش الأخيرة
بقلم: الحاج بن معمر
ففي زمن الترهل السياسي والشرخ الاجتماعي والاقتصادي المتعثر، لم يعد الخطاب الديني التقليدي ولا القبضة الأمنية الصرفة كافيين لترميم صورة نظام يحكم بتوازنات هشة.
فاكتشف، متأخراً لكن بذكاء بالغ، القوة الهائلة الكامنة في جنون الجماهير المغربي للكرة، فأقدم على عملية استيلاء منهجية، ليحول الانتصار الرياضي من لحظة فرح شعبي طلق إلى مشروع سياسي مسيس، وليصنع من اللاعبين الساعين للمجد أدوات طيعة في مسرحية ضخمة هدفها الأوحد: بقاء العرش واستمرارية الآلة.
هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي تشريح لآلية عمل مخزنية كلاسيكية: امتصاص أي طاقة شعبية حقيقية، واحتواؤها، وإفراغها من مضمونها التحرري، ثم إعادة تدويرها كوقود لسردية النظام التي لا تمل من تمجيد ذاتها. لقد تحول المنتخب الوطني، أسود الأطلس، من فريق يحمل أحلام شعب إلى "سفير دولة" و"مشروع ملكي".
لم يعد الإنجاز يُنسب إلى عرق اللاعبين وتضحياتهم وحدها، بل يُختطف ليصبح تاجاً يضعه النظام على رأسه، برهاناً مزعوماً على صحة مساره.
كل صورة للملك محمد السادس وهو يحتضن اللاعبين الفائزين، كل خطاب ملكي يربط النجاح بـ"الروح الوطنية" التي يحرص العرش على تنميتها، هي لبنات في بناء جدار عالٍ من الدعاية يهدف إلى حجب الواقع خلفه: واقع الفوارق الاجتماعية الصارخة، واقع قمع الحريات، واقع أزمة التعليم والصحة، واقع التعتيم على أي صوت ناقد.
الكأس اللامعة في يد قائد المنتخب تتحول، في السردية المخزنية، إلى مسكن جماهيري، إلى أفيون شعبي جديد يُخدر به المواطن عن أسئلته المحرجة.
انظروا إلى كم التعبئة الإعلامية المطلقة، التي تذوب فيها الشخصيات العامة والفنانون في بوتقة التمجيد الرسمي، وكيف يُختزل الحب الوطني العفوي للاعبين في تمجيد القيادة.
إنها عملية غسيل رمزي، حيث تُغسل هموم الناس اليومية في طوفان من الألوان الوطنية والأناشيد الحماسية، ليخرج الجميع، كما يأمل النظام، مبرمجين على حب الوصي، شاكرين له على "هبته" لهم هذا الفخر.
وليس هذا التوظيف عشوائياً، بل هو مدروس بهندسة مخزنية دقيقة. فالاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم، ذلك الجسم المفترض استقلاله، تحول إلى إدارة عمومية مُخزنة.
فالتعيينات تأتي من أعلى، والقرارات تُتخذ في دهاليز السلطة، والموارد تُوجه وفق حسابات الولاء قبل الكفاءة.
لقد تم تدجين هذه المؤسسة الرياضية، كما تم تدجين غيرها، لتصبح أداة تنفيذية في يد مشروع أكبر.
حتى اللاعبون أنفسهم، أولئك الشباب الذين يحملون أحلام ملايين الأطفال، يُصار إلى تطويعهم ضمن الآلة، فهم إما "سفراء صامتون" تُروض تصريحاتهم، وإما يُحاصرون بالامتيازات التي تجعل من الصعب عليهم، أو غير المجدي في نظرهم، الخروج عن السردية الرسمية.
إنه الاحتواء عبر الإغراء، وهي استراتيجية مخزنية قديمة متجددة. ويبلغ التناقض ذروته البشعة عندما تتحول هذه الرياضة، التي من المفترض أن تجمع، إلى غطاء لحوادث تفضح الوجه القبيح للنظام.
فمأساة وفاة الصحفي المالي، والدم البارد الذي سال من المشجع الكاميروني في غرفة فندق، ليست مجرد حوادث جنائية عابرة في نظر الكثيرين، إنها تقع في سياق سجل ثقيل من اللامبالاة المخزنية تجاه حياة الأفارقة على التراب المغربي، سجل وثقته تقارير حقوقية دولية تتحدث عن عنف وموت تجاه مهاجرين من جنوب الصحراء.
لكن النظام، في انعكاسية مروعة، لا يرى في هذه الأحداث فشلاً أمنياً أو إنسانياً يقتضي التحقيق الشفاف والمساءلة، بل يراها فوراً من خلال عدسة "المؤامرة" و"حسد الخصوم".
فبدلاً من مواجهة الواقع المؤلم، يسارع إلى تحويل النقد إلى قضية وطنية، مستخدماً المشاعر الرياضية كدرع ضد المساءلة. إنه يلعب على الوتر الحساس للكرامة الوطنية المجروحة ليصرف الأنظار عن كرامة الإنسان المنتهكة.
هذه الوفيات هي الجانب المظلم من احتفالية الكرة المُخزنة: دم يُسال في الظل بينما تُرفع الأعلام في النور.
إن الرهان المخزني على الكرة هو رهان على الهش. فهو يبني جزءاً من شرعيته على أرض مهتزة، أرض الانتصارات المؤقتة والهزائم الحتمية.
فماذا سيحدث حين تهب رياح الهزيمة، التي لابد آتية في عالم الرياضة المتقلب؟ هل سيتحمل النظام تبعات خيبة أمل جماهيرية هائلة، قد تتحول بسرعة من حب أعمى للكرة إلى سخط سياسي موجّه إليه شخصياً؟ لقد اختطف النظام فرحة الشعب، وبذلك أصبح مسؤولاً أمامه عن مرارة الخسارة أيضاً.
إنها لعبة خطيرة، يحاول فيها المخزن ركوب نمر المشاعر الشعبية، متناسياً أن النمر قد ينقلب على راكبه إذا جاع أو إذا خاب أمله. الأخطر في هذه المعادلة هو البعد الأخلاقي. فالكرة، في جوهرها، هي قيم المنافسة النزيهة، والتفوق بالجهد، واحترام الخصم، والمخزن، في سعيه لتحويلها إلى أداة، يفرغها من هذه الروح.
الشكوك التي تحوم حول بعض قرارات التحكيم في المنافسات القارية، الصمت المريب على أخطاء فادحة، كلها لا تُقرأ فقط كفساد رياضي، بل كامتداد لمنطق فساد أكبر: منطق "الغاية تبرر الوسيلة".
حين تصبح الصافرة قابلة للشراء، والملعب مسرحاً مُعداً سلفاً، فإن النظام لا يخون الرياضة فقط، بل يخون ثقة شعب يرى في الكرة آخر معاقل النزاهة الواضحة، إنه يدنس الملاذ الأخير للبساطة والفرح، لذلك، فإن الصورة المثالية التي يحلم بها مهندسو الدعاية المخزنية – ولي العهد الأمير مولاي الحسن وهو يسلم الكأس لقائد المنتخب وسط هتافات الجماهير – هي صورة زائفة في عمقها، إنها تريد أن تقول: "انظروا، المستقبل مضمون تحت ظل هذا النظام، والاستمرارية مكللة بالعار".
ولكن صرخات الهتاف تلك تحمل في طياتها معنى مغايرا قد يطفو على السطح يوماً: "هذا إنجازنا نحن، رغم القيود، رغم الاحتواء، رغم محاولاتكم لسرقة بريق أحلامنا".
فالكرة مرآة، وقد تعكس لفترة ما الصورة التي يريدها المخزن، لكن طبيعة المرآة الكاشفة لا ترحم، ستكشف، عاجلاً أم آجلاً، التشققات تحت طلاء المجد، والتناقض بين بهجة الملعب وهموم الشارع، وبين الروح الحرة للعبة والقبضة الحديدية التي تحاول ترويضها.
في النهاية، قد يكتشف المخزن أنه بمحاولته احتواء آخر مساحات الفرح الشعبي الحقيقية، يكون قد حفر بيديه قبر شرعيته الواهية، لأن شعباً يعرف كيف يحتفل بانتصاراته الحقيقية، سيعرف حتماً كيف يميز بين مجد اللعبة ومهزلة التوظيف السياسي.

