8392
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 174

بقلم اسماعين تماووست
كان التحريض على التمرد فعلًا شيطانيًا بامتياز، وانتهاكًا صريحًا لشرع الله وتعاليم السماء. ما كان هدفه يومًا الدفاع عن حق أو رفع ظلم، بل لم يكن سوى استجابة لرغبة متعصبة مريضة لزعيم طاغٍ فقد أدنى مقومات الإنسانية، كان يتلذذ بزرع الفوضى، ويمارس أبشع الجرائم والمجازر فوق هذه الأرض الطاهرة، دون أن يرف له جفن أو يشعر بوخز ضمير.
لقد حرم هؤلاء المجرمون البشر من أدنى حقوقهم، وأذاقوهم أشد العذاب مع أن الضحايا لم يكونوا سوى أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في زمن خضع فيه السيف للباطل، ورفعت فيه راية الدم على حساب القيم والحق. العجيب أن أولئك الجلادين كانوا على يقين داخلي بما يرتكبونه من آثام، يعلمون جيدًا أن أفعالهم لا تمت للعدل بصلة، لكنها شهوة التسلط والخضوع الأعمى لقائدهم السفيه دفعتهم لذلك.
كانوا ينفذون الأوامر بدقة، ويُبدون ولاءً أعمى يفوق التصور، في استعبادٍ ذليل لرغبة زعيمهم الأرعن، ذلك الذي استباح الأرض والعِرض، وأباح لنفسه وأعوانه الحرام والدماء، بحجة الدفاع عن قضية واهية. وما كانت حركتهم الدموية إلا عصابة إجرامية متعطشة للقتل، تستهدف تدمير الوطن، وزرع الخوف والرعب في نفوس ساكنيه.
لم يكن هدفهم سوى زعزعة أمن البلاد، وتدنيس طهرها، وسفك دماء شرفائها، ونهب ممتلكاتها، وانتهاك حرماتها، ارتكبوا مجازر مروّعة، سرقوا الأحلام و الأرزاق، دمروا البيوت و النفوس، وأجبروا النساء على التوسل لرحمتهم الكاذبة. سادت الخيانة في أوساطهم، و باع كثيرون منهم مبادئهم، وتخلّوا عن شرفهم، مقابل حفنة دنانير أو منصب زائل في منضومتهم الشيطانية ، فكان المال الوسخ والثراء السريع غايتهم الوحيدة.
أما ضحاياهم، فقد كتب عليهم أن يعيشوا بين الفقر والفزع تحت تهديد الموت في كل لحظة. لم تعد حياة الأب في مأمن، فكم من ربّ أسرة خرج ولم يعد، وكم من أمّ أصبحت أرملة بين عشية وضحاها، وكم من أطفال تيتموا، وعاشوا بلا معيل، تحت رحمة الزمان، يسألون الناس قوت يومهم، يتامى في دنيا لا ترحم.
لقد باتت الحياة آنذاك جحيمًا مستعرًا، حتى أصبحنا، نحن أبناء هذا الوطن، لا ندري ما يُخبئه لنا الغد، ولا ما ينتظرنا في الزاوية القادمة. صرنا نخشى الطرقات، والليل، وأبوابنا التي قد تقتحم في أي لحظة. ذلك أن المصيبة كانت لا تفرّق بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة. وأصبحت المذبحة قدَرًا محتومًا، وفجيعة متكررة.
وكأننا كنا نعيش مصداق قول الحق تبارك وتعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾
[سورة البقرة: 11]
نعم… كانوا يدّعون الإصلاح، ويرفعون شعارات الحق، فيما أياديهم تقطر دمًا، وقلوبهم تفيض حقدًا، وأرواحهم تحوم حول الخيانة.
لقد علمتنا تلك الحقبة الدموية أن الشرّ لا وطن له، وأن الجريمة حين تُغذّى بالفكر المتعصّب، تتحول إلى وحش كاسر، يفتك بكل شيء جميل، ولا يبقي إلا الخراب. فقدنا إخوة، وأصدقاء، وجيرانًا، وحين نجونا، حملنا فوق ظهورنا جراحًا لا تندمل.
وما زلت، وأنا أكتب هذه السطور، أستحضر وجوههم، وأسمع أصواتهم تتردد في أذني:
ـ لا تنسونا… لا تسكتوا عن قاتلينا…
وأقسم أني لن أنسى. سيظل قلمي شاهدًا على عصر الاستبداد والخيانة، وسأروي للأجيال القادمة كيف ضُرب هذا الوطن، وكيف سقطت الأقنعة، وكيف خان بعض أبنائه الأمانة.
لقد كانت المؤامرة كبرى، والتنفيذ أشد قسوة، والخيانة متأصلة. ومع ذلك، نجا الوطن، لأن دماء الشهداء حمت أرضه، وسينبت من رماد الخراب جيل جديد، يعرف كيف يحمي ذاكرته، ويدافع عن شرفه.
ما زالت الذاكرة تأبى النسيان… وأحداث تلك الحقبة السوداء تستعصي على المحو، كأنها نقشت فوق جدران القلب بمداد من الألم والدموع. لم يكن بمقدور أي عاقل أن يفهم كيف استطاع نفر من بني الإنسان أن يخلعوا عن أنفسهم رداء الرحمة، ويلبسوا جلود الضواري، فينهشوا الأبرياء بلا أدنى شفقة.
هؤلاء الذين كانوا يتخذون من العنف ديدنًا، ومن القتل وسيلة، ومن التخريب مبدأ، ما كانت نفوسهم تهدأ إلا حين يعم الخراب، وتسيل الدماء، وتتعالى صيحات الثكالى واليتامى. في كل مرة، كانوا يتفننون في إذلال الضحايا، وكأنهم يتلذذون بمشاهدة آلام الآخرين، غير مبالين بدين، ولا بشرع، ولا بقانون.
لم يكن لهم أي وازع، ولا ضابط أخلاقي يردعهم. كلّ همهم تنفيذ أوامر زعيمهم الطاغية، الذي استحوذ عليهم فأنساهم إنسانيتهم. كانوا يرون في سفك الدماء إثباتًا للولاء، وفي إذلال العزل برهانًا على الطاعة المطلقة، حتى تحوّلوا إلى آلات قتل صمّاء.
والمأساة الأكبر، أن كثيرًا من هؤلاء الجناة كانوا يدركون فداحة ما يقترفونه، لكنهم أصروا على المضي في طريق الإثم، دون أن يرمش لهم جفن. فالضمائر ماتت، والقلوب قست، والعيون جفّت من الرحمة. وصار المال الوسخ، والمصلحة الحقيرة، هي الغاية والمطلب.
وفي هذا الجو المشحون بالخيانة، والمُتخم بالخوف، لم يعد أحد يأمن على حياته ولا على عرضه. الأبواب باتت تُطرق ليلًا، وأصوات الرصاص صارت أنشودة الليل. صار الرجل يودّع بيته كل صباح، وهو لا يعلم أيرجع سالمًا أم يُرمى جثة في مكانٍ مجهول.
لقد أُغلقت أبواب الرحمة في وجوه الأطفال الذين شردهم الإرهاب، والنساء اللاتي ترمّلن، والشيوخ الذين وجدوا أنفسهم في أرذل العمر بلا سند ولا معين. حتى الأرض كانت تبكي صمتًا، والسماوات تستنكر ما يجري من فوق سبع طباق.
وكان أبلغ ما يُعبر عن تلك الحال، قول الله تعالى:
﴿ فَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾
[سورة البقرة: 166]
نعم… انقطعت أسباب الرحمة، وغابت معالم العدل، وبات الناس غرباء في وطنهم، ينتظرون خلاصًا لا يأتي. وأصبح الليل طويلًا حالكًا، يتربص بكل بيت، ويخطف من بين الجدران أرواح الأبرياء.
وفي ظل هذا الجحيم، لم يبقَ للإنسان إلا أن يُمسك بكرامته ما استطاع، أن يحيا بما تبقّى له من بقايا شرف، يحاول أن يحفظ ما بقي من ماء وجهه، وسط عالم فقد فيه الإنسان قيمته.
وها أنا اليوم، بعد أن أروي هذه المشاهد السوداء، أدرك أن ما مررنا به كان امتحانًا عسيرًا، وأن لكل ظالم نهاية، ولكل مجرم حساب، مهما طال ليله.
فالحق لا يموت، والدم لا يضيع، والزمن كفيل بأن يُظهر الحقيقة، ولو بعد حين.
...يتبع…

