15
0
الحكاية في خدمة الهوية..حصن 23 يزرع الانتماء في قلوب الأطفال
" حكايات الرياس.. التراث يحكي...والطفولة تُصغي"

يٌنظم مركز الفنون والثقافة بقصر رؤساء البحر، حصن 23، قعدات موجهة للأطفال تزامنا مع عطلة الربيع تحت عنوان: " حكايات الرياس.. التراث يحكي...والطفولة تُصغي" التي تندرج ضمن سلسلة الأنشطة الهادفة إلى ربط الأجيال الصاعدة بموروثها الثقافي.
مريم بعيش
نشط القعدة الأولى كل من الحكواتي غانو والحكواتية آسيا شرطيوي اللذين سافرا بالأطفال الحاضرين وعائلاتهم إلى عالم المحاجيات الشعبية التي كانت في زمن الأجداد متعة لا مثيل لها، فامتزجت المتعة بالأسلوب التعليمي والتثقيفي، الأمر الذي استحسنه الحضور وأثنوا عليه لما له من انعكاسات ايجابية في سياق التعريف بتراثنا والمحافظة عليه.
استهل الحكواتي غانو فقرته للحديث عن الهدف من هاته القعدات الحكواتية التي تندرج في إطار المحافظة على التراث اللامادي الشفهي على غرار المحاجيات، الشعر الملحون، القصص والروايات، البوقالات وغيرها من موروثنا المتنوع والغني الذي تسعى وزارة الثقافة جاهدة لحمايته وصونه.
كما قدم الحكواتي نبذة عن قصر رؤساء البحر الذي شيد سنة 1576 في القرن الـ16 بأمر من الداي رمضان باشا وبناه رايس من أصل ألباني، فقد كان عبارة عن برج أو قلعة لحماية مدينة الجزائر التي كانت تسمى حينها بالجزائر المحروسة، إلى جانب بيوت الصيادين أو منازل جنود البحارة.
وقال عمو غانو أن الحصن كان به عدد من المدافع وهو موجود في القصبة السفلى، سمي قديما ببرج الزوبية ثم سمته فرنسا بحصن 23، مشيرا أيضا إلى رياس البحر الذين كانت لهم خبرة ومهارة في كل ما يتعلق بالبحر وخفاياه خاصة وأن الأسطول الجزائري حينها كانت له هيبة وسيطرة على كامل البحر الأبيض المتوسط.
ووصف أيضا، لباس رياس البحر في تلك الفترة والذي يتكون من طاقية حمراء تلف حولها عمامة طويلة وقميص أبيض داخلي من الكتان مع صدرية مفتوحة وسترة بالإضافة إلى سروال تستيفة وبه بشطولة مع الحذاء الجلدي "بابوش" وكان يتسلح رايس البحر بسيف أو منجل أو أقواس.
من جهتها، الحكواتية آسيا شرطيوي قدمت فقرة المحاجية وكانت بعنوان: "الرايس حميدو" وقبل أن تبدأ، نبهت الأطفال على أن هناك عبرة من القصة عليهم أن يستنتجوها في الأخير، وسألت البعض منهم عن أحلامهم المستقبلية وإلى ماذا يطمحون، فتجاوبوا معها بشكل لافت.

أخبرتهم: أن محمد بن علي الملقب الرايس حميدو، وُلد سنة 1770 في القصبة الجزائر العاصمة، وكان والده خياطا يطمح إلى أن يترك حرفته لابنه حميدو ليؤمن له مستقبله ككل الآباء، لكن حميدو نشأ في بيئة بحرية جعلته يحلم بركوب البحار مثل الرياس، حيث كان يعشق البحر كثيرا.
حلم وطموح يصنع قبطانا باسلا
وأضافت آسيا بأن حميدو كان يتوجه للشط منذ صغره يستمتع برؤية البحارة عائدين بغنائم من البحر، وفي المساء يعود لوالده فيجد الإبرة والخيط في انتظاره، وبقي على ذلك الحال حتى اليوم الذي صارح فيه والده بأنه يريد أن يصبح رايس، فضحك والده وأخبره أنه لا يمكنه ذلك لأنه ليس من الأتراك.
تشبث حميدو بحلمه ودخل مجال البحرية وسنه 10 سنوات وكانت بدايته في المقصورة حتى أصبح يتقن فنون الملاحة والقتال في سن مبكرة، فالتحق بالأسطول البحري الجزائري، وسرعان ما أظهر شجاعة وذكاءً كبيرين، ما أهّله ليصبح من كبار قادة البحرية، واشتهر الرايس حميدو بقيادته لسفن الجهاد البحري ضد القوى الأوروبية، خاصة إسبانيا وفرنسا.
وأكملت الحكواتية قصتها التي شدت كل الحضور، وروت أن " حميدو كان يعتمد على الحيلة والسرعة في المعارك، فتمكن من تحقيق انتصارات عديدة، كما أسر العديد من السفن، ما زاد من هيبة الجزائر في البحر الأبيض المتوسط، ومن أبرز إنجازاته أنه قاد حملات بحرية بعيدة وصلت حتى سواحل أوروبا، وكان اسمه يثير الخوف في نفوس أعدائه".
"وقد ساهم بشكل كبير في حماية السواحل الجزائرية وتعزيز قوة الأسطول الجزائري، لكن نهاية هذا القائد الشجاع كانت في سنة 1815، خلال معركة بحرية ضد الأسطول الأمريكي في إطار الحرب الجزائرية الأمريكية الثانية، أُصيب إصابة قاتلة أدت إلى استشهاده".
أنهت آسيا سرد القصة قائلة: "رغم وفاته، بقي الرايس حميدو رمزًا للشجاعة والقيادة والذكاء العسكري، وخلّدت سيرته اليوم في التاريخ الجزائري كأحد الأبطال العظام والعبرة هي أن الحلم سيتحقق إذا ما سعينا خلفه".

اقتربنا من الحكواتية بعد أن أنهت فقرتها وعلمنا منها أنها تشغل منصب مستشار ثقافي بحصن 23، وهي مهتمة بكل ما هو تاريخ وثقافة لأنها تعتبرها أهم ما يحتاجه النشء في تكوينه، مشيرة إلى أن قصر رؤساء البحر ليس مجرد متحف وفقط، وإنما هو فضاء يحتضن العديد من النشاطات الثقافية ليكتمل جزء الثقافة المادي مع جزئها اللامادي.
وأضافت بأن حكايات تراثنا وتاريخنا هي ما يعزز الانتماء لدى الناشئة، فنحن لدينا ماض من الأمجاد ومن التراث المشرق، لذلك ينبغي أن يهتم الجميع بهكذا تظاهرات خاصة، مؤكدة أن الدخول مجاني، والأبواب مفتوحة للجميع.

