1565
0
الدجل الرقمي: عندما تتحول الشاشات إلى مذابح للعقل والروح

في زمنٍ يُفترض أن يكون ذروة التحرر العقلي والعلمي، نجد أنفسنا نعيش مفارقة مروعة: كلما تقدمت التكنولوجيا، تراجعت المناعة الفكرية. "الدجل الرقمي" ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مؤشر خطير على أزمة وجودية تضرب جذورها في عمق الإنسان المعاصر. إنه ليس تعبيرًا عن فراغ روحي فحسب، ولا دليلًا على هشاشة التفكير العلمي وحده، بل هو مزيج سام من الاثنين معًا: روحٌ تائهة في عالم مادي جاف، وعقلٌ تخلّى عن أدواته النقدية ليستسلم لوعود سحرية تقدّمها شاشاتٌ بَرّاقة.
الحاج بن معمر
لقد حوّلت المنصات الرقمية الدجل من ممارسة هامشية في الأزقة الخلفية للمجتمع إلى صناعة ضخمة ذات جماهير غفيرة. القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية التي تبيع الوهم تحت شعار "العلاج الروحاني" أو "جلب الحبيب" أو "فتح أبواب الرزق" لم تعد تختبئ في الظل، بل تتباهى بوجودها، مستغلةً أبشع استغلال حاجةَ الإنسان إلى الأمل في لحظات ضعفه. وهنا تكمن الخديعة الكبرى: تحويل اليأس الشخصي إلى سلعة، وتحويل الإيمان إلى أداة استغلال.
الأخطر من ذلك هو التوظيف المُسيء للدين في هذه العملية الدجلية. كيف لنا أن نفسر استخدام آيات القرآن الكريم كخلفية موسيقية للإعلان عن "أدوية" وهمية أو "تعويذات" رقمية؟ إنها ليست مجرد جريمة تجارية، بل هي انتهاك صارخ للمقدس، وتحويل الرسالة الروحية السامية إلى مجرد ديكور صوتي لبضاعة كاذبة. هذا الانزياح الخطير يحوّل الدين من نظام قيمي وأخلاقي إلى طقوس سحرية مبتذلة، مما يخلق تشوّهًا عميقًا في الوعي الجمعي.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا ينجح هذا الدجل في عصر العلم؟ الجواب يكمن في الفجوة الهائلة بين العلم كمنتج معرفي، والعلم كمنهج حياة. فالكثيرون ممن يحملون شهادات عليا ويعملون في مجالات تقنية متقدمة قد يفتقرون إلى أبسط أدوات التفكير النقدي عند مواجهة الأزمات الشخصية. لقد شهدت بنفسي حالات لمهندسين وأطباء ومعلمين وقعوا في شباك هؤلاء الدجالين الرقميين، مما يؤكد أن المعرفة الأكاديمية ليست حصانة ضد الخرافة، وأن الشهادة العلمية قد تتواجد في نفس العقل الذي يستسلم للتفكير السحري عند أول منعطف حياتي صعب.
المثقف الحقيقي اليوم أمام امتحان مصيري: إما أن يكون صوتًا للضمير والعقل في مواجهة هذا الوباء الفكري، أو أن يكون شاهد زور على اغتيال العقل العام. الصمت هنا ليس خيارًا محايدًا، بل هو تواطؤ. لكن المواجهة لا تعني الوعظ من برج عاجي، بل تعني الانخراط في معركة ثقافية شاملة: نشر التربية النقدية، وتعزيز القراءة العلمية الواعية، وخلق بدائل روحية وفكرية حقيقية تشبع حاجة الإنسان إلى المعنى دون استغفال عقله.
تهديد "الدجل الرقمي" للأجيال القادمة ليس مبالغة. فهو لا يسرق الأموال فحسب، بل يسرق القدرة على التفكير المستقل، ويدمر الثقة في العقل كأداة لحل المشكلات، ويقدّم حلولًا وهمية لمشاكل حقيقية، مما يؤجّل مواجهتها ومعالجتها الجذرية. الأدهى أنه يستخدم أدوات العصر — التقنية الرقمية — لنشر أفكار ما قبل العصر.
نحن أمام معركة وجودية على هوية الإنسان في العصر الرقمي: هل سيكون التقدم التكنولوجي وسيلة لتحرير العقل وترقية الروح، أم سيكون أداة جديدة لاستعباد الإنسان بوهم الحلول السحرية؟ الإجابة لن تأتي من التكنولوجيا نفسها، بل من قدرتنا كمجتمعات على بناء إنسانٍ جديد: إنسان يمتلك أدوات العصر دون أن تفقده روحه، وعقلًا نقديًا لا ينسى حاجته إلى المعنى، وإيمانًا روحيًا لا يستغني عن العقل. فقط عندما نملأ الفراغ الروحي بمعنى حقيقي، ونحمي العقل بمنهج علمي حي، سنقطع الطريق على تجار الوهم الذين حوّلوا شاشاتنا إلى أسواق لبيع الأوهام، وأرواحنا إلى سلع في متاجر الدجل الرقمي.

