16
1
البرلمان الإفريقي 2026: حين أسقطت الصناديق وهم النفوذ وكشفت الحقيقة العارية
قراءة في الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا وانتخابات الاتحاد الإفريق

في السياسة، هناك لحظات لا تقبل التأويل، لحظات تتكلم فيها الأرقام ببرودة قاسية، فتُسقط خطابات كاملة بُنيت على مدى سنوات.
بقلم الحاج بن معمر
انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقي 2026، ضمن هياكل الاتحاد الإفريقي، لم تكن مجرد استحقاق عابر، بل شكلت محطة مفصلية في فهم طبيعة النفوذ السياسي في إفريقيا، وأعادت تسليط الضوء على الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا كفاعل محوري في إعادة تشكيل التوازنات داخل القارة.
لم تكن الهزيمة هنا رقمًا فقط، بل كانت انهيار سردية. سردية رُوّج لها طويلًا عن نفوذ ممتد، وتحكم في التوازنات، وقدرة على توجيه القرار الإفريقي. لكن ما إن فُتحت صناديق الاقتراع، حتى تبيّن أن ما كان يُقدَّم كقوة صلبة لم يكن سوى نفوذ هشّ، يتآكل عند أول اختبار حقيقي.
داخل مجموعة شمال إفريقيا، كان المشهد أكثر فداحة: إقصاء كامل من كل المواقع، عجز عن فرض مرشح، وفشل حتى في تأمين الحد الأدنى من الدعم الإقليمي. هنا تحديدًا، لا يعود الحديث عن “خسارة انتخابية”، بل عن سقوط وزن سياسي داخل أقرب الدوائر الجغرافية. فمن لا يُقنع جيرانه، كيف يقنع قارة كاملة؟
اللافت أن هذا الانكشاف لم يكن نتيجة مؤامرة، ولا اصطفاف مفاجئ، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الرهانات الخاطئة. الاعتماد على الضغط بدل الإقناع، وعلى المناورة بدل بناء الثقة، وعلى الحضور الإعلامي بدل العمل المؤسساتي—كلها أدوات قد تنجح مؤقتًا، لكنها تنهار أمام آلية تصويت شفافة ومباشرة.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: كلما ارتفع منسوب الخطاب، انخفضت نتائجه على الأرض. وكلما تضخمت الصورة المروّجة، جاءت الوقائع لتقلّصها. إنها لحظة اصطدام بين “الدبلوماسية كما تُعرض” و”الدبلوماسية كما تُمارس فعليًا”.
في المقابل، لم تحتج الجزائر إلى ضجيج كبير لتفوز. اشتغلت داخل الهياكل، راكمت الدعم بصمت، واحترمت قواعد اللعبة حتى النهاية. لم تفرض نفسها بالقوة، بل فُرضت بالتصويت. وهذا هو الفرق الجوهري بين من يبني نفوذه داخل المؤسسات، ومن يحاول الالتفاف عليها.
الأهم أن الجزائر لم تربح فقط النتيجة، بل ربحت صورة الفاعل الموثوق. في عالم دبلوماسي معقد، تُعد الثقة عملة نادرة، ومن يملكها لا يحتاج إلى المزايدة. وهذا ما ترجمته القارة الإفريقية بوضوح، حين منحت صوتها لمن رأت فيه شريكًا ثابتًا، لا لاعبًا ظرفيًا، في سياق يتعزز فيه دور العلاقات الجزائرية الإفريقية كأحد محددات التوازن داخل القارة.
أما ما تسرّب من كواليس—من توتر، وضغوط، ومحاولات للتأثير خارج الأطر—فلم يفعل سوى تعميق الفجوة بين الخطاب والممارسة. فالدبلوماسية التي تفقد أعصابها داخل قاعة تصويت، تكشف أكثر مما تخفي، وتمنح خصومها ما لا يمكن أن تمنحه أي حملة مضادة.
ثم جاءت الضربة الأقسى: بث التصويت على المباشر. هنا انتهت كل المساحات الرمادية. لم يعد بالإمكان إعادة كتابة الرواية، أو تأويل النتائج، أو التشكيك في المسار. الصورة كانت واضحة، والصوت الإفريقي كان أوضح: الاختيار تم، وبفارق لا يُناقش.
هذه الانتخابات لم تكن مجرد استحقاق عابر، بل كانت عملية فرز حادة بين نموذجين دبلوماسيين: نموذج يراكم بهدوء حتى يحسم، ونموذج يبالغ في استعراض قوته حتى تنكشف حدوده. الأول خرج بزعامة قارية، والثاني خرج بأسئلة ثقيلة حول جدوى أدواته.
في النهاية، القارة لا تكافئ من يتحدث باسمها، بل من يعمل داخلها. لا تعترف بالضجيج، بل بالنتائج. وما حدث في البرلمان الإفريقي ليس سوى تذكير صارم بهذه القاعدة: في إفريقيا اليوم، النفوذ لا يُدّعى… بل يُنتخب.

