14
0
المؤسسات التربوية تحيي إرث العلامة بن باديس

يحيي الشعب الجزائري اليوم الخميس ذكرى يوم العلم المصادف لـ16 أفريل، تخليدا لرحيل رائد النهضة الإصلاحية، عبد الحميد بن باديس الذي شكلت أفكاره الوطنية ومنهجه التربوي لبنة أساسية في تشكيل وعي الأجيال التي فجرت ثورة أول نوفمبر المجيدة.
نسرين بوزيان
وتواصل الجزائر المنتصرة اليوم استلهام مدرسته الوسطية في ترسيخ قيم العلم والمعرفة باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء مجتمع متماسك ومحصن بالوعي، وانسجاما مع هذه الرؤية كان رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، قد أكد في مناسبة سابقة أن الاحتفال بهذه الذكرى يمثل " تمجيدا للعلماء وناشري العلم، وإحياء لمآثر المصلح العلامة عبد الحميد بن باديس" في رسالة تعكس بوضوح المكانة التي يحتلها العلم في وجدان الدولة الجزائرية، باعتباره أحد أهم دعائم التنمية والاستقرار.
هذا الإرث الفكري والتربوي لم يأتي من فراغ بل تأسس على مسار علمي حافل ومتنوع؛ إذ ولد العلامة عبد الحميد بن باديس سنة 1889 بولاية قسنطينة في بيئة محافظة حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكر، وتعلم مبادئ الدين الإسلامي الحنفي وأسس اللغة العربية.
بعد ذلك شد الرحال إلى تونس لمواصلة تعليمه بجامع الزيتونة، أحد أهم معاقل العلم في العالم الإسلامي آنذاك وهناك تلقى علوم الشريعة وتكونت لديه رؤية إصلاحية مبكرة تبلورت لاحقا في مشروعه النهضوي.
ولم يكتفي العلامة عبد الحميد بن باديس بهذا التكوين بل وسع مداركه المعرفية عبر تنقله بين الحجاز وبلاد الشام ومصر حيث احتك بعلماء ومفكرين وزار مؤسسات علمية عريقة كالأزهر الشريف، ما أتاح له الاطلاع على تجارب إصلاحية مختلفة قبل أن يعود إلى الجزائر حاملا مشروعا إصلاحيا متكاملا يقوم على نشر العلم ومحاربة الجهل وإحياء مقومات الهوية الوطنية.
ومع عودته إلى أرض الوطن امتد عمل العلامة عبد الحميد بن باديس إلى ما هو أبعد من نشر العلم في المساجد بل سعى إلى تنظيمه في إطار مؤسساتي واضح من خلال تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931 رفقة البشير الإبراهيمي، لتجعل من المدرسة والصحافة منبرين أساسيين لبث الوعي الوطني ومواجهة سياسات الاستعمار الفرنسي الغاشم الساعي إلى طمس الهوية الجزائرية.
وقد تجلى هذا المشروع الإصلاحي في شبكة واسعة من المدارس التي انتشرت عبر مختلف ولايات الوطن وأسهمت في تعليم آلاف الأطفال والشباب ، كما برز دور الصحافة الإصلاحية من خلال إصدار عدد من الصحف والمجلات، على غرار جريدة "المنتقد" و"الشهاب" و"البصائر" التي لعبت دورا محورا في نشر الوعي ومحاربة الجهل و الأمية وتكريس قيم الانتماء الوطني.
ليغدو فكر العلامة عبد الحميد بن باديس رافدا حقيقيا للحركة الوطنية ومصدر إلهام لعدد كبير من قادة الثورة التحريرية الذين وجدوا في مشروعه الإصلاحي أرضية فكرية صلبة ، ساعدت على تشكيل وعي جماعي رافض للاستعمار ومتشبت بالهوية.
وإذا كان هذا المشروع الإصلاحي قد انطلق في زمن الاستعمار، فإن الجزائر المنتصرة تحرص اليوم على صونه واستمراره من خلال إحياء يوم العلم، الذي لم يعد مجرد ذكرى تاريخية بل تحول إلى مناسبة وطنية متجددة تجسد فيها قيم العلم والانتماء خاصة داخل المؤسسات التربوية.
ما يجعل من يوم العلم مناسبة وطنية متجددة تحل كل سنة حاملة معها أجواء تربوية وثقافية مميزة داخل المؤسسات التعليمية حيث تتجدد مظاهر الاحتفاء بالعلم والمعرفة، وتستحضر رموز النهضة الفكرية والإصلاحية في سياق تربوي هادف يعزز قيم الانتماء والهوية الوطنية، وتستحضر في هذه المناسبة سيرة العلامة عبد الحميد بن باديس، بوصفه أحد رموز النهضة الإصلاحية في الجزائر، ومن أعلامها الذين أسهموا في بناء الوعي الوطني وترسيخ قيم العلم والهوية.
ويشارك التلاميذ تحت إشراف أساتذتهم في أنشطة متنوعة تجمع بين المعرفة والإبداع، تشمل مسابقات فكرية وثقافية وإعداد مطويات وعروض حول مسيرة هذا الرائد وأفكاره الإصلاحية، كما يتم تسليط الضوء على جهوده في نشر التعليم ومحاربة الجهل وترسيخ الهوية الوطنية خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
كما تحتل الأنشطة الفنية مكانة بارزة في هذه المناسبة إذ تنظم معارض مدرسية تعرض فيها رسومات ولوحات فنية وبورتريهات لشخصيات وطنية وتاريخية ورموز الحركة الإصلاحية ، بما يعزز روح الانتماء الوطني لدى الجيل الجديد.
وفي السياق ذاته، تنظم بالمؤسسات التربوية عروضا مسرحية تتناول شخصية العلامة عبد الحميد بن باديس في مشاهد رمزية تبرز محطات من حياته الفكرية والنضالية ودوره في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونشر مبادئ الإصلاح.، كما يؤدي التلاميذ أناشيد وطنية وقصائد شعرية تعكس الاعتزاز بالهوية والانتماء، بما يسهم في ترسيخ هذه القيم لدى الناشئة.
وتمتد هذه الأجواء إلى مختلف فضاءات المدرسة حيث تزين الساحات والأقسام بالأعلام الوطنية، ويرتدي التلاميذ الألبسة التقليدية التي تعكس ثراء الهوية الوطنية بأبعادها الثقافية والاجتماعية.
علاوة على ذلك، تنظم ورشات للرسم والتلوين والأشغال اليدوية يعبر من خلالها التلاميذ عن دلالات يوم العلم ورمزيته عبر رسومات للعلم الوطني وشخصيات من العلماء والمجاهدين، إلى جانب مشاهد مستوحاة من تاريخ الثورة التحريرية.
وتعتمد بعض المؤسسات التربوية وسائل تعليمية مبتكرة مثل البطاقات التفاعلية والأساور التعليمية والملصقات التربوية وأوراق العمل الملونة، لترسيخ المفاهيم المرتبطة بيوم العلم وتبسيطها للتلاميذ بأسلوب تفاعلي بعيدا عن التلقين التقليدي.
وتتكامل جهود الأسرة والمدرسة في إحياء هذه الذكرى حيث يضطلع أولياء التلاميذ بدور مهم في دعم أبنائهم وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة المدرسية، والمساهمة في غرس قيم حب العلم واحترام الرموز الوطنية داخل الأسرة ، كما يساهمون في نقل الذاكرة التاريخية عبر سرد قصص الثورة التحريرية والتعريف برموزها، إلى جانب مرافقة الأبناء في حفظ الأناشيد الوطنية وإشراكهم في أنشطة منزلية مرتبطة بالمناسبة.
ختاما لا يقتصر يوم العلم على كونه ذكرى سنوية بل يمثل مشروعا فكريا متجددا، يؤكد أن إرث العلامة عبد الحميد بن باديس ما يزال حاضرا في بناء الوعي الجزائري جيلا بعد جيل.

